لا تعولوا على ترامب, فلا خلافات بينه ونتنياهو ولا صوت يعلو في واشنطن على صوته واسرائيل

د. نزيه خطاطبه
خلافًا لتوقعات الغالبية العظمى من المحللين الذين تستضيفهم القنوات العربية وخاصة منها الخليجية حول الخلافات بين نتنياهو وترامب وضغوط واملاءات يمارسها الرئيس الأمريكي على نتنياهو , التي جرى الترويج لها عشية اللقاء بينهما, حيث اتضح انها مجرد تباين تكتيكي في الآراء بين حليفين يسعيان لتحقيق نفس الأهداف ولكن بوسائل وتكتيكات مختلفة نسبيا.
فقد أوضح ترامب بشكلٍ لا لبس فيه، أنّ نتنياهو، بصفته رئيسًا لوزراء الكيان، كان وما زال وسيبقى اللاعب المُفضل بالشرق الأوسط، حتى أنّه أكّد في المؤتمر الصحافيّ دعمه لنتنياهو المتهم بقضايا فساد وتلقي الرشاوى وخيانة الأمانة في إسرائيل للحصول على العفو من الرئيس الإسرائيليّ، ما ما يؤكد على عمق العلاقة بينهما ، بسبب سياسة نتنياهو العدوانيّة والبلطجة التي ينتهجها على جميع الجبهات المشتعلة بالشرق الأوسط والتي تتوافق مع أسلوب وبلطجية ترامب نفسه , ويؤكد علو صوت إسرائيل والمنظات الصهيونية في أمريكا , والتحالف الاستراتيجي بينهما والذي يتفوق على أموال عرب الخليج التي دفعوها لترامب.
عندما اعلن ترامب خطته لانهاء الحرب في غزة فهو لم يعلن ذلك انطلاقا من حرصه على حقن دماء الفلسطينيين ولا شفقة على مصيرهم, وانما حرصا على إسرائيل نفسها وحمايتها من العزلة العالمية المتفاقمة التي بدأت تحاصرها, ولتحقيق نفس الأهداف التي سعى اليها المجرم نتنياهو والنازية الإسرائيلية ولكن بوسائل أخرى اقل ضجة. والدليل على ذلك أن اغتفاق وقف إطلاق النار استنادا لخطة ترامب, وقرار مجلس الأمن أوقفا نسبيا القتل الجماعي اليومي, والتدمير الشامل والتي تحولت الى ممارسة يومية تجري بهدوء دون ضجة عالمية , مكنت الفاشية الإسرائيلية من تحقيق مكاسب أكبر، وبكلفة أقل على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والبشرية, .فاسرائيل اليوم أقل عزلة مما كانت عليه سابقًا، وتراجعت العقوبات عليها, وهدأت المظاهرات وفعاليات الاحتجاج و حدة الغضب في العالم تجاه سياساتها وجرائمها.
ترامب يسعى لتحقيق ما يسعى له نتنياهو, و يدعمه في كل خطواته في الشرق الأوسط , من خلال قتح المجال امامه لمواصلة المماطلة في تنفيذ بنود الخطة, وفرض الشروط والخطوط الحمر, والعمل على إعادة رسم خارطة المنطقة , ومحاصرة والقضاء على كل من يقاوم كيانه .
نتنياهو واليمين الفاشي يعتقد بان الفرصة الان موأتية لفرض خطتهما في الشرق الأوسط لاعادة رسم خارطة المنطقة والسيطرة عليها, فهو لا يسعى للسلام مع الأنظمة العربية وجلبهم للتطبيع وانما فرض الاستسلام عليهم واخضاعم وفق شروطه. ففي الضفة الغربية تعمل حكومة نتنياهو الفاشية على ضمها عبر تكثيف مصادرة الأراضي وزرعها بالمستوطنات, ومحاصرة التجمعات الفلسطينية والتضييق على المواطنين في كافة المجالات لدفعهم او الغالبية منهم للهجرة, كما يرفض الانسحاب من غزة ويعتبر الخط الأصفر حدود امنية, فيما يواصل القتل اليومي والتدمير الممنهج, ورفض فتح المعابر وإدخال المساعدات, وحتى الاقدام على الغاء ترخيص المنظمات الدولية ومنعها من تقديم الخدمات للمواطنين في غزة والضفة, ما يسهل موتهم جوعا او بالامراض التي بدأت تتفشى في القطاع ودفعهم للهجرة.
نتنياهو يواصل عربدته وبلطجته في كامل المنطقة بغطاء امريكي, سواء في لبنان و سوريا التي لا تتوقف فيهما التوغلات ونشر الفتنة لتصعيد الصدامات فيهما للسيطرة عليهما وتحويل كامل المنطقة من جنوب دمشق وبيروت الى منزوعة السلاح واطلاق يد الفاشية الإسرائيلية فيها .
وفي خطوة ليس بالمفاجئة اعلن المجرم نتنياهو مؤخرا اعتراف اسرائيل بارض الصومال كدولة مستقلة, وتقديم المساعدات لها لضمها لاتفاقيات التطبيع, وتحضيرها لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين من غزة, وتحويلها لفاعدة عسكرية إسرائيلية ما يعزز الحضور الإسرائيلي في المضائق المائية , خاصة باب المندب, ويهدد مصر واليمن والخليج العربي. وبالتوافق مع خطة نتنياهو, أقدمت الامارات على احتلال أجزاء واسعة من حضرموت واقاليم أخرى لاعلان دولة جنوب اليمن المتعاونة مع إسرائيل وتسمح لها بإقامة قاعدة عسكرية فيها, الامر الذي اثار غضب السعودية ودفعها للتحرك الفوري والطلب من الامارات الانسحاب الفوري حرصا على امنها القومي , انسحاب الامارات لن يوقفها عن تنفيذ الخطة الإسرائيلية والتي ستواصل تنفيذها عبر ادواتها في المجلس الانتقالي اليمني . والامر نفسه يجري في السودان , عبر اداتها الامارات, لتفتيته والسيطرة على مناجم الذهب والثروات المعدنية, ومحاصرة مصر, كما بدأت باشاعة الفتنة في مصر وشمال افريقيا لاضعافهما وتفتيتهما.
وبالتوازي مع ذلك يسعى المجرم نتنياهو والفاشية الإسرائيلية والمنظمات الصهيونية لتغيير الصورة التي انتشرت في العالم عن جرائئئم الاحتلال وإعادة تبييض صورة إسرائيل , وتخفيف الانتقادات لها, ووقف الاعتراف العالمي بدولة فلسطين وحقوق الفلسطينيين, من خلال ممارسة الضغوط على الحكومات الأوروبية والعالمية , وشراء ذمم القائمين على وسائل الاعلام والسوشال ميديا , ومنع كل اشكال التضامن مع فلسطين وتفعيل سلاح معاداة السامية في العالم والذي فقد قوته بفعل جرائم الفاشية الإسرائيلية مؤخرا بفعل جرائم اسرائيل وابتعاد وحتى معاداة قطاعات واسعة من يهود العالم لاسرائيل. ومن هنا لا نستبعد وقوف المخابرات الإسرائيلية خلف الهجوم الذي وقع في سيدني في استراليا ومحاولة نتنياهو والصهيونية استغلاله للضغط على الحكومة الاسترالية والحكومات الغربية لوقف اندفاعها للاعتراف بفلسطين والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني, وفرض الرواية الإسرائيلية على الرأي العام العالمي كما هي دون تمكين الطرف الاخر الفلسطيني من اظهار روايته .
الخلاصة: واهم من يراهن على الخلافات الأمريكية–الإسرائيلية، أو التعويل عليها او تقديم التنزلات المجانية من خلال التطبيع والاستسلام على اعتبار ان ذلك يحمي دول المنطقة واستقرارها.
