ترامب لم يوقف الحرب من غزّة و سوريا ولبنان إلى الضفة الغربية

د. نزيه خطاطبه
ترامب لم يوف الحرب في غزة ولا بلطجة المجرم نتنياهو والفاشية الإسرائيلية في لبنان ولا سوريا , فخطة ترامب لم توقف الحرب وانما اوقفت القتل الجماعي ليتحول الى قتل يومي اقل عددا مع هدنة من طرف واحد, فيما اطلقت يد نتنياهو ليواصل القتل والتدمير والعربدة كما يشاء وأين يشاء من غزة للبنان وسوريا, وخاصة في الضفة التي تشهد أوسع عربدة وهجمات بربرية للمستوطنين على المواطنين الفلسطينيين واملاكهم وسرقة ارضهم.
يكمن الهدف الحقيقي لخطة ترامب في أنّ وقف إطلاق النارحماية لإسرائيل حيث قلّل الاهتمام والتدقيق العالميين، فيما يتكشف مخطط إسرائيل في الهيمنة الدموية التي لا تقتصر على غزة، بل تشمل فلسطين بأكملها والمنطقة برمتها.
وحسب الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامارد، فان فترة ما بعد وقف إطلاق النار «وهم خطير و الحياة في غزة لم تعد إلى طبيعتها». صحيح أنّ قوات الاحتلال الإسرائيلية قلّلت من هجماتها وسمحت بدخول بعض المساعدات، لكنها حذّرت من أنّ «الإبادة الجماعية الإسرائيلية لم تنتهِ بعد». لا يزال أي مستشفى في غزة بعيداً عن العمل بكامل طاقته، فيما تركت الأمطار والطقس البارد آلاف الأشخاص مكشوفين في خيام متداعية. ومنذ وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر، منعت السلطات الإسرائيلية دخول نحو 6500 طن من مواد الإغاثة التي نسقتها الأمم المتحدة إلى غزة. ووفقاً لمنظمة «أوكسفام»، مُنعت شحنات المياه والغذاء والخيام والإمدادات الطبية من 17 منظمة غير حكومية دولية خلال الأسبوعين التاليين فقط.
والنتيجة أنّ السكان الذين فقدوا منازلهم وسبل عيشهم ومساكنهم المستقرة لا يزالون محرومين من الحصول على خيام أكثر أماناً أو طعام كافٍ. تحتجز السلطات الإسرائيلية سكان غزة في عذاب دائم، مستمرةً في عقاب جماعي، مانعةً بذلك عودة الحياة الطبيعية، ومُرسخةً نفسها كحاكم وحيد غير مسؤول يتمتع بسلطة مطلقة على سكان المنطقة.
إسرائيل الفاشية تعمل على التوسع والسيطرة على المنطقة بدءا من غزة إلى الضفة الغربية وما وراءها بحيث تحول كافة المنطقة المحيطة بها من بيروت ودمش مرورا بعمان والقاهرة الى مناطق عازلة مهجورة لحمايتها, ومحاربة اية مظاهر مقاومة لها. في الأراضي المحتلة بالضفة الغربية، تتواصل حملة القمع، التي اشتدت منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتتحول إلى حصار عسكري شامل وهدم المخيمات في جنين وطولكرم ونابلس وغيرهما, أُجبر عشرات الآلاف من الفلسطينيين هذا العام على مغادرة منازلهم، في نمط وصفته منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأنه يرقى إلى «جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وتطهير عرقي… يجب التحقيق فيها وملاحقتها قضائياً».
قرار مجلس الأمن, الذي اقر خطة ترامب, لم يصدر حماية للفلسطينيين ولا لإنقاذ غزة, وانما لحماية وإنقاذ إسرائيل أولا والأنظمة العربية والأوروبية وامريكا نفسها من التغييرات الجارية في العالم ضد الفاشية الإسرائيلية والمتضامنة مع فلسطين.
فالقرار منح الشرعية للوصاية الأمريكية وجرّم المقاومة وحمّلها مسؤولية ما جرى, ووضع الية بمشاركة عربية وإسلامية لنزع سلاحها, دون أن يتضمن شيئًا في المقابل حول جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري والضم, فهو التفاف على الاعترافات الدولية بفلسطين وحق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية, ولا يمنح الفلسطينيين أي دور سوى شرطة يجري تعيين عناصرها من قبل الاحتلال يعني من العملاء, ويشترط أي دور للسلطة الفلسطينية بإصلاحات مشروطة وغير مفهومة وقد لا تلبي رغباتهم. ولدغدغة مشاعر البعض وارضاء بعض الأنظمة التي تربط التطبيع بالدولة الفلسطينية , فقد جرى اضافه انه جمله , انه وبعد استكمال إصلاح السلطة والتقدم بإعادة الإعمار قد يهيئان الظروف لتقرير المصير والدولة الفلسطينية, ما يسمح للاحتلال بالمماطلة كما حدث في اتفاقات اوسلوا وصولا لالغائها بحكم الامر الواقع.
هل نجاح أهداف واشنطن وتل أبيب قدرٌ محتوم؟ بالطبع لا. لكن منع ذلك يتطلّب عددا من المتطلبات، أهمها وجود قيادة موحّدة، مخلصة، وطنية، ديمقراطية، مكافحة وواقعية، لتغيير الواقع والتعامل معه دون الخضوع له.
من يطلب من المقاومة نزع سلاحها, عليه ان يتعلم من تجربة فتح والسلطة عندما أوقفت المقاومة ونزعت السلاح وحتى المقاومة الشعبية, فدخلت الجرافات والمستوطنون إلى أراضي الفلسطينيين وتضاعفت اعدادهم بالالاف ،واقيمت المستوطنات واحرقت الحقول، وعندما اجمع العالم على خطة السلام الأمريكية، صار السلام شكلا اخر للحرب: الوصاية الاجنبية، غياب الحرية وحق تقرير المصير، إطلاق النار لم يتوقف، وسحق الأرواح تشتد في السجون، ومقابل كل رغيف خبز قنبلة.
أي نوع من وقف إطلاق النار هذا؟ وأي نوع من الوضع الراهن هذا؟ لا يمكن لأي عاقل أن يتوقع خلاله تحقيق أي نوع من السلام، سواء في فلسطين أم في الشرق الأوسط ككل. قد يكرر الوسطاء وأصحاب المصلحة والدبلوماسيون لغة «وقف إطلاق النار التدريجي» وخطط إعادة الإعمار، لكن الحقيقة أنّ هذه الخطط تتعلق بمستقبل لن يتحقق إلا بعد وضع حد لعربدة الفاشية الإسرائيلية في أراضٍ لا تملك أي حق قانوني فيها. إنّ الوهم الخطير بعودة الحياة إلى طبيعتها لا يقتصر على غزة فحسب، بل يشمل فلسطين والمنطقة بأسرها وخاصة سوريا، وسيتبدد هذا الوهم قريباً.
