من يحاسب أبواق الفتنة في لبنان؟ حادثة اختطاف امام سني وقتله كادت تشعل حربا اهلية

بعد 5 أيام من اختفائه، عثرت قوات الأمن اللبنانية فجر اليوم الأحد على جثة الشيخ أحمد شعيب الرفاعي مدفونة في محافظة عكار شمالي البلاد، في حين أقرّ اثنان من أقاربه بقتله على خلفية “خلافات” عائلية.

وكانت قضية اختفاء الشيخ الرفاعي قد أرخت بثقلها على بلدة “القرقف” العكارية، وعلى كامل محافظتي عكار والشمال بلبنان، وتحولت إلى قضية رأي عام بالنّظر إلى الاهتمام الذي حظيت به، وحملت الكثير من التداعيات السياسية والأمنية.
ينحدر الرفاعي من بلدة القرقف، وهو إمام وخطيب مسجد أحمد الرفاعي الكبير بالبلدة، ومعروف بمواقفه المناهضة لإيران وحليفتها ميليشيا “حزب الله” اللبنانية، ومناصرته الثورة السورية منذ اندلاعها.
وبحسب صحيفة “النهار” اللبنانية، فقد كشفت التحقيقات الأمنية المحاطة بسرية كاملة، ملابسات وخلفيات عملية استدراج الرفاعي واختطافه ومن ثم قتله، واعتراف الموقوفين الذين حامت حولهم الشبهات، وهم 3 أشخاص من آل الرفاعي، أقرباء الشيخ الضحية، وآخر (م. م) من طرابلس متهم بالاشتراك في هذه الجريمة، بسبب ما وصفه الجناة بـ “خلافات بلدية وعقارية” لم يحددوا ماهيتها.
وبعد تحديد مكان دفن جثة الشيخ الرفاعي في منطقة “القيطع الميتة” بعكار تم استقدام جرافة للحفر في المكان لاستخراجها. وقالت إن “القوى الأمنية سحبت الجثة من مكان دفنها على عمق 3 أمتار، في حين نقلتها فرق الإسعاف من المكان إلى المستشفى الحكومي”.
خيوط الكشف عن الجريمة
ووفق وسائل إعلام لبنانية، أسهمت متابعة كاميرات المراقبة المنتشرة على كل الطرقات التي سلكها الشيخ منذ لحظة خروجه من المنزل إلى حين اختطافه وسيارته من خلف الجامعة العربية في طرابلس، في العثور على سيارته لاحقاً في منطقة الهيكلية في قضاء الكورة.
كما تتبعت الأجهزة الأمنية الاتصالات التي أجراها الأشخاص المشتبه بهم، وحركة تنقل هاتف الضحية طوال هذه الفترة ولغاية فقدان الاتصال معه.
إلى ذلك، تضمنت المعطيات الأمنية العثور على قناع وقفازات يد، عليها آثار دماء خلف الجامعة العربية حيث تمت عملية الخطف وعرف مصدرها، والحديث عن سيارتين ذات دفع رباعي ومسلحين ملثمين نفذوا العملية، وفق ما أدلى به شاهد عيان.
ومع اكتمال كل هذه المعطيات نفذت قوة من شعبة المعلومات ومخابرات الجيش اللبناني سلسلة مداهمات أبرزها لمنزل رئيس بلدية القرقف، ليلة الجمعة- السبت، وجرى توقيفه بالإضافة إلى ابنه (م. ر) وابن شقيقه (ع. ر)، ومن ثم أوقف نجل رئيس البلدية الثاني (ع. ر). وبعد نقل الجميع للتحقيق، أفرج عن رئيس البلدية قبل أن يتم توقيفه مجدداً صباح أمس السبت.
وفي اعترافات المشتبه بهم، تبيّن أن اثنين منهم أقدما على قتل الشيخ أحمد، وأدلوا باعترافات عن مكان رمي جثة الضحية.
على فاصل «شعرة معاوية»، تجنّب الشمال، ولبنان، الفتنة السنية – الشيعية التي كادت أن تقع بعد الغموض الذي لف حادثة اختطاف إمام بلدة القرقف العكارية الشيخ أحمد الرفاعي. قبل اكتشاف جثته وتوقيف قاتليه «فلتت» جوقة سياسية – أمنيّة – إعلامية بالتعاون مع «جيش إلكتروني» للتأكيد أن حزب الله يقف خلف عمليّة الخطف. وسرت دعوات للتسلّح والنزول إلى الشارع عبر وسائل التواصل الاجتماعي «دفاعاً عن كرامة أهل السنة». هذا الغليان في الشارع كان يقابله تأخير، لا يُعرف ما إذا كان مقصوداً، في مسار التحقيقات ومعاينة موقع الحادثة وتتبع داتا الاتصالات، خصوصاً أن المعطيات تُشير إلى أن مخابرات الجيش كانت تمتلك تفاصيل الحادثة وهويات المنفذين ليسبقها فرع المعلومات إلى تسجيل «الخبطة الأمنية» عبر توقيف المتورطين
وأضاف «سنواجههم بأخلاقنا وصدقنا ليحترقوا بغيظهم. ندعو الله لسلامة الشعب اللبناني من وباء المفتنين».
ما إن انتشر خبر اختفاء الشيخ أحمد شعيب الرفاعي، حتى أدارت ماكينة سياسية – أمنية – إعلاميّة محرّكاتها. اختصرت هذه الشخصيّات الرفاعي في كوْنه شيخاً معمماً معارضاً لحزب الله والنّظام السوري، تماماً كما اختصرت جميع منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي بتلك التي تُهاجم الحزب والنظام السوري، من دون أن يتطرّق هؤلاء إلى الفيديوهات التي نشرها الرجل عن الخلافات المستشرية داخل بلدة القرقف العكاريّة، علماً أن هذه الخلافات ليست جديدة ويعرفها جميع قاطني البلدة لتحوّلها إلى اعتداءات مسلّحة وشكاوى قضائيّة خلال السنوات الماضية.
رُميت فرضيّة ارتباط عمليّة الخطف بالخلافات العائلية جانباً، واستحضرت بدلاً عنها مضبطة اتّهام جاهزة بحق حزب الله والدولة السوريّة. فرقة كاملة من الشخصيات السياسيّة التي تدور في الفلك نفسه وتتقاطع في المكان نفسه أوهمت الناس أن لديها معلومات عن «المؤامرة» التي حاكها «الحزب»؛ ليس صدفةً أن يكون النائب أشرف ريفي والنائب السابق خالد الضاهر وأحد قادة المحاور في طرابلس عميد حمود في جوقة واحدة مع رئيس حزب القوات اللبنانيّة سمير جعجع الذي «انشغل باله»، فاتصل بمفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان لحثّه على تكثيف التحريّات لمعرفة مصير الرفاعي. جعجع اتخذ قراره في جعل قضيّة الرفاعي أولويّة، هذا ما بدا واضحاً من تغريداته وتغريدات «القواتيين» الذين استنفروا على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى حسابات وهميّة صبّت الزيت على النّار وبعض الشخصيات التي «نفضت» عنها الغبار و«بلّت يدها» في الملف. من يتذكّر مثلاً المحاميين طارق شندب ونبيل الحلبي اللذين وجدا في ملف اختطاف الرفاعي مادةً دسمة لإعادة إحياء أفكارهما.
جميع هؤلاء أنهوا تحقيقاتهم الخاصة وتثبّتوا، من دون أدلّة، أن حزب الله هو الفاعل، لتبدأ مرحلة التّحريض ضدّ الحزب. يكفي أن يُقال أن حزب الله الشيعي خطف شيخاً سنياً حتّى يستنفر الكثير من الشبّان السنّة تحت شعار «يا غيرة الدين». هم الذين يعتبرون أنفسهم «طائفة مستضعفة» صاروا أكثر استضعافاً مع دخول عناصر من الحزب إلى منطقة سنيّة لاختطاف شيخٍ سني. ومع مرور الوقت من دون معرفة مصير الرفاعي، صار سيناريو الفتنة أكثر ترجيحاً.
تأخر أم تنافس أمني؟
هكذا، طغى سيناريو «الفتنة المدبّرة» على كلّ السيناريوهات الأخرى لو لم يتم كشف الرواية الحقيقية. إلا أن علامات استفهام كثيرة دارت حول مسار التحقيقات وتأخرها، خصوصاً أنّ هذا التأخير كان يؤدي إلى غليان أكبر في الشارع. فقد تبين أن فرع المعلومات تأخر في المبادرة العملانية. وفسر متابعون الأمر بأن الفرع يعتمد أكثر على المعلومات الفنية، وتبين أن مرتكبي الجريمة أخذوا احتياطات سابقة، ولم يستخدموا أجهزة الهاتف في خلال مراحل تنفيذ العملية، كما عمدوا إلى خطوات قصدوا منها التهرب من كاميرات المراقبة. حتى أنهم حاولوا القيام بخطوات لا تترك بصماتهم. لكن السؤال عاد ليظهر عندما تبلغ مفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا من مسؤول مخابرات الجيش في المنطقة أن لديه معطيات وأدلة تسمح له بمداهمة منزل رئيس البلدية واعتقاله هو ومن معه. لكن الشيخ زكريا تمنى على ضابط المخابرات التمهل داعياً إلى عدم القيام بالخطوة ليلاً، خشية أن يقوم أقرباء رئيس البلدية وأنصاره، وجلهم من المسلحين، برد فعل تنتج منه اشتباكات وسقوط ضحايا.
إلا أنه مباشرة بعد اتفاق المفتي مع مخابرات الجيش، وطلب الجيش من عناصره الانتشار بعيداً وعدم اتخاذ وضعية الاقتحام، تم وضع هذه المعطيات بيد ضباط فرع المعلومات وبعد وقت قصير، داهم عناصر الفرع منزل رئيس البلدية وتم توقيفه مع ولديه علي ومحمد وابن شقيقه. وجرى إبلاغ رئيس البلدية بأنه موجود لديهم بصفة شاهد وسيعود سريعاً إلى منزله، على أن يعود إليهم في صباح اليوم التالي، ليتم توقيفه والكشف عن تفاصيل ما حصل، في الوقت الذي بادرت فيه جهات في البلدة العمل إلى نقل أفراد عائلته إلى خارج المنطقة، كما جرى التواصل مع أنصاره وطلب إليهم التزام منازلهم.
وفيما تبدو الخطوة في إطار التنافس بين جهازين أمنيين، إلا أن تساؤلات ما إذا كانت هناك نية لمنع الجيش من التحقيق مع رئيس البلدية، على خلفية الخشية من الحصول منهم على معلومات تؤذي قيادات سياسية ودينية في المنطقة تربطها صلات قوية بتيار المستقبل وبفرع المعلومات أيضاً. مع الإشارة هنا إلى أن عناصر مخابرات الجيش كانوا يسألون عن ابن شقيق رئيس البلدية، وهو عنصر في القوة الضاربة، علماً أن قوى الأمن أكدت أن التحقيقات أظهرت أن ابن شقيق رئيس البلدية ونجله الأصغر محمد ليسا على علم بكل ما حصل وتم إخلاء سبيلهما.



