كـطائر الفينيق: مشاهد اشتباك السنوار جعلت منه أسطورة لن تتغير

نعت حركة حماس استشهاد القائد يحيى السنوار في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2024 في اشتباك ميداني مباشر مع قوات “جيش” الاحتلال الإسرائيلي، في رفح جنوبي قطاع غزة، بعد مسيرة عمل عسكري أمني سياسي طويلة، كان آخرها معركة “طوفان الأقصى”، وتسلّمه رئاسة المكتب السياسي لحماس خلفاً للشهيد إسماعيل هنية.
خرج من السجون الإسرائيلية بعد نحو 23 عاماً فيها، إلى قطاع غزة، وفياً للأحرار، ككل القادة الذين سبقوه، فاستُشهد بين أبناء شعبه في بذلته العسكرية التي يحب، ممتشقاً بندقيته، ومشتبكاً مع قوات الاحتلال في رفح.
هو الشهيد يحيى إبراهيم السنوار، الفلسطيني المولود عام 1962، في مخيم خان يونس، لاجئاً من عسقلان المحتلة. إنّه أبو إبراهيم، الذي استُشهد متبوّئاً منصب رئيس المجلس السياسي لحركة حماس، خلَفاً لأبي العبد، إسماعيل هنية، الشهيد أيضاً.
الرَّجل، الذي مثّل عقدةً لـ”إسرائيل”، عبر أجهزة أمنها واستخباراتها، كان متخصصاً باللغة العربية، وساهم في تأسيس كلية الآداب في الجامعة الإسلامية في قطاع غزة. وإلى جانب العربية، التي كتب فيها روايته “الشوك والقرنفل” في داخل السجن، تعلّم الشهيد السنوار العبرية خلال الأسر، فأجادها وأتقنها وعرف، عبرها، عدوه جيداً، حتى أصبح إطلاق سراحه الخطأ الأكبر لهذا العدو.
تعلم “إسرائيل” جيداً بأنّ حربها لن تُفضي إلى النصر الذي تتطلّع إليه، والمتمثّل بـ”القضاء على حماس”، التي ما زالت كتائبها تظهر، عبر “الياسين 105″ في جباليا، و”الزواري” في خان يونس، و”المقادمة” في السماء المحتلة فوق “تل أبيب”، كلما قال “جيش” الاحتلال إنّه تخلّص منها.
الشهيد يحيى السنوار، هو مؤسس “مجد”، جهاز أمن حماس. هو الذي أسس الجهاز الذي يضمن استمرار حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين، التي أقرّ العالم كله، وفي مقدمته الولايات المتحدة، باستحالة القضاء عليها. أتمحي “إسرائيلُ” أثره بعد أن عجزت عن ثنيه عن تولي مهمات أمنية ساهمت في ضمان بقاء حماس، من داخل سجونها المحصّنة، عندما كان تحت أعينها وبين جدرانها؟
بعد أن تحرر من الأسر في صفقة “وفاء الأحرار”، عام 2011، والتي شارك في إدارتها من داخل السجون الإسرائيلية أيضاً، تزوّج السنوار ورزق بـ3 أبناء. تولى التنسيق بين القيادتين السياسية والعسكرية في حماس، خلال معركة “العصف المأكول”، عام 2014. صار رئيس حماس في غزة عام 2017. وفي عام 2021، اتخذ قرار إطلاق معركة “سيف القدس”، تلك المعركة التي تحدّى فيها الشهيد السنوار “إسرائيل” لتغتاله، والتي بشّر فيها أهله بأنّ “ضرب تل أبيب أسهل علينا من شربة ماء”.
وفي عام 2023، أطلق معركة “طوفان الأقصى”، التي أعلنها القائد العام لكتائب القسّام، أبو خالد محمد الضيف، صبيحة ذلك السبت، في الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر. زلزل السنوار الأرض تحت “إسرائيل”. عبرت المقاومة نحو الأراضي المحتلة، وسارت منذ تلك اللحظات بالفلسطينيين ومحور المقاومة، الذي عزّز السنوار العلاقة به، نحو تحرير فلسطين، كل فلسطين، بل المنطقة بأسرها، من “إسرائيل” والولايات المتحدة، التي أدرجت كابوسَ ربيبتها في “لائحتها السوداء” عام 2015.
سبق تحدي السنوار “إسرائيل” لتغتاله عدة محاولات لذلك، فقصف الاحتلال منزله في عدوانه على غزة عام 2012. ثم في عام 2021، عام “سيف القدس” الذي امتشقه السنوار ولم يغمده حتى الرمق الأخير، قصف الاحتلال أكثر من مكان محاولاً الوصول إليه. وتكرر ذلك خلال “الطوفان الهادر” الذي بشّر به أبو إبراهيم، إذ اقتحم أكثر من مكان في محاولات لاستهدافه.
وبعد كل ذلك، استشهد القائد الفلسطيني مقبلاً غير مدبر، مصوّباً سلاحه نحو “إسرائيل”.
وقد أقرّ ضباط استخبارات أميركيون حاليون وسابقون بأنّه لا يزال لدى حركة حماس آلاف المسلحين على الأرض، وستركز على تعزيز قدراتها، وفق ما نقلت عنهم شبكة “ان بي سي نيوز” الأميركية، وذلك بعد عام كامل من المعركة التي تخوضها المقاومة في قطاع غزة، وبعد ارتقاء رئيس المكتب السياسي لحماس، يحيى السنوار.
وفي إشارة إلى أنّ اغتيال الاحتلال للسنوار لن يحقق أهدافه الاستراتيجية، أضاف المحللون أنّه “في الماضي، كان قتل زعماء الجماعات في غزة أو في أي مكان آخر في الشرق الأوسط يميل إلى إنتاج مزايا مؤقتة فقط لإسرائيل دون التسبب في هزيمة دائمة أو تغيير حسابات”.
محرر الشؤون الفلسطينية في “هيئة البث” الإسرائيلية، إليور ليفي، أكد في هذا السياق، أنّ “اللقطات التي نراها ليست ما تراه حماس أو الجهاد الإسلامي في فلسطين أو حزب الله” (المشاهد الأخيرة لاشتباك القائد السنوار قبل ارتقائه)، موضحاً “إنهم يرون رجلاً قاتل حتى اللحظة الأخيرة، حتى آخر قطرة دم، حتى عندما كان مصاباً”.
ولفت إلى أنّ تلك المشاهد، حيث ظهر القائد السنوار مشتبكاً مع القوات الإسرائيلية في رفح جنوبي قطاع غزة على الرغم من إصاباتٍ في جسده، جعلت منه أسطورة.
وأضاف أنّ الشهيد السنوار أصبح شخصية أكبر بكثير من الشخص نفسه، معترفاً أنّ اغتياله لن يغير صورة السنوار هذه لأجيال قادمة، مشدداً على أنّ “إسرائيل” تجد صعوبة في فهم حماس.
وفي السياق نفسه، أقرّ الباحث والخبير الإسرائيلي في شؤون حماس، غاي أفيعاد، بأن “حماس ستعرف إقامة المنظمة من جديد مع أشخاص ماهرين ليسوا أقل من السنوار”.
وشدد على أن “السنوار مسؤول كبير جداً، ولكنه جندي في المعركة الطويلة هذه بين إسرائيل والفلسطينيين؛ المعركة المستمرة منذ عقود”.
وأردف: “لا يزال هناك في قطاع غزة آلاف الناشطين المسلحين من حماس ومنظمات أخرى”.
وقال للقناة “13 ” الإسرائيلية: “هذه المنظمات (في محور المقاومة) مثل طائر الفينيق، تعود كل مرة للنمو وتتغيّر من جديد؛ فحتى بعد عماد مغنية الذي كان حقاً مسؤولاً كبيراً، فان بنية قوة حزب الله بنيت بعده، ويجب طرح هذا على الطاولة”.
وأضاف متحدثاً عن حماس: “مهما كان السنوار مسؤولاً كبيراً، فقد جرى بناء الكثير من قوتها، رغم أن السنوار كان في السجن الإسرائيلي”.



