فوز تاريخي لـليسار في كولومبيا وتراجع للنفوذ الامريكي في امريكا اللاتينية
أصبح غوستافو بيترو، الأحد، أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا، حاصدا 50.47% من الأصوات في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية وفقا لنتائج رسمية تشمل 99% من الأصوات التي جرى فرزها.
وحصل خصمه المليونير رودولفو هيرنانديز الذي أقر عبر “فايسبوك” بهزيمته، على 47.27% من الأصوات، أي بفارق نحو 700 ألف صوت، بحسب النتائج التي نشرتها الهيئة الوطنيّة المكلّفة تنظيم الانتخابات.
كذلك ستصبح فرانسيا ماركيز أول نائبة للرئاسة الكولومبية من أصل إفريقي.
وكتب بيترو على تويتر: “اليوم هو يوم عيد للشعب. فلنحتفل بأول انتصار شعبي”. وسيكون توليه أعلى منصب في البلاد بمثابة زلزال سياسي في بلد يحتكر فيه المحافظون السلطة منذ عقود.
أما هيرنانديز، فقال في بث حي عبر فايسبوك: “اليوم اختارت غالبية المواطنين المرشح الآخر… أنا أقبل النتيجة كما هي”. وأضاف: “آمل أن يعرف غوستافو بيترو كيف يقود البلاد وأن يكون مخلصًا لخطابه المضاد للفساد”.
من جهته كتب الرئيس المحافظ المنتهية ولايته إيفان دوكي على تويتر: “اتصلتُ بغوستافو بيترو لتهنئته بصفته رئيسا منتخبا للشعب الكولومبي”، مضيفا: “اتفقنا على الاجتماع في الأيام المقبلة لبدء انتقال سلس ومؤسساتي وشفاف”.
وأشاد رؤساء الكثير من دول أمريكا الجنوبية سواء كانوا ينتمون إلى اليسار الإصلاحي أو الثوري، بانتخاب بيترو.
فوز السيناتور غوستافو بيترو ليصبح أول رئيسٍ يساري في تاريخ كولومبيا يعتبر ضربة جديدة تلقتها الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، و أحدث صدًى مدوّياً في أروقة واشنطن، التي تَعتبر بوغوتا جزءاً من حزامها الأمني، وترى أن أي خسارة لنفوذها داخل السلطة الكولومبية سيمثّل زلزالاً شديد التأثير على المصالح الأميركية.
لطالما كان نظام بوغوتا في الإقليم الكولومبي رأس حربة متقدمة في خدمة واشنطن لتفكيك المنطقة وإفشال أيّ مشروع تحرّري فيها، كما تُعدّ واشنطن الداعم الأساسي للنظام اليميني الكولومبي، في إطار مشروع هيمنتها على منطقة تعدّها حلقة نفوذ طبيعي لها. بطبيعة الحال، يؤشّر وصول اليسار إلى السلطة في كولومبيا إلى أنّ الولايات المتحدة ستفقد قاعدة متقدمة في القارة، وهو الأمر الذي يثير القلق في الأوساط السياسية والعسكرية الأميركية.
مهمات استخباراتية أميركية تنطلق من كولومبيا
لعبت كولومبيا على مدار السنوات الماضية دوراً أساسياً كوكيلٍ إقليمي للولايات المتحدة ضمن إطارها الجغرافي، لا سيما وأنّ النظام في كولومبيا استمرّ من خلال تلقّيه مساعدات عسكرية تحت ستار دعم “الحرب على المخدّرات”، التي كانت أُطلقت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش. هذا النظام أدى خلال السنوات الفائتة خدمات لوجستية واقتصادية وعسكرية وأمنية للولايات المتحدة، كرأس جسر في قلب إقليمٍ جغرافي شاسع تعتبره واشنطن بمثابة فضاء نفوذٍ لها.
مع فوز اليسار، قد تخسر واشنطن مركزاً أساسياً لها لتنفيذ مهمات استخباراتية، ليس فقط في كولومبيا بل في دول الجوار أيضاً، لا سيما في فنزويلا التي تعتبرها واشنطن أكبر أعدائها في القارة. ولعل أشهر هذه المهمات الاستخباراتية كانت المحاولة الأميركية لاغتيال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو منذ عامين، والتي باءت بالفشل. وتعود الحادثة إلى الـ6 من أيار/ مايو 2020، حين أعلن وزير الداخلية الفنزويلي، نيستور ريفيرول، أنّ السلطات تصدّت لعملية غزو بحري تمّت عبر زوارق سريعة، كان الهدف منها اغتيال مادورو من قبل مسلحين كولومبيين، من جهة ولاية لاغويرا الفنزويلية.
أعلن الرئيس الفنزويلي حينها أنّ هدف الغزو كان اغتياله، وأنّ بين المشاركين المعتقلين في الهجوم البحري المسلح مواطنَين أميركيَين، وصفهما بأنهما من الحرس الشخصي للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. وأظهرت التحقيقات حينها أنّ عسكرياً أميركياً سابقاً يحمل اسم جوردان غودرو يقف خلف العملية، فيما نشرت النيابة العامة الفنزويلية مقطع فيديو يظهر فيه جوردان، الذي أسس شركة أمنية خاصة اسمها “سيلفر كورب”، ومقرّها فلوريدا، وهو يقول إنّ عملية ضد مادورو قائمة.
المحاولة الأميركية لاغتيال مادورو كانت واحدة من سلسلة مهمات استخباراتية عديدة تمّت في المنطقة مستغلةً الولاء الكولومبي، إلا أنّ واشنطن قد تتحضّر لنكسة جديدة مع سقوط حلفائها من سدة الحكم، و في حال تبنى الرئيس اليساري الجديد سياسات مؤيدة للمثلث المستبعد من قمة الأميركتين (كوبا – نيكاراغوا – فنزويلا) ، فمن المحتمل أن تؤول الأمور إلى تهميش أجهزة واشنطن السياسية والأمنية من كبرى الدول اللاتينية التي تتهيّأ للمواجهة المصيرية.
“إسرائيل أميركا اللاتينية”
في آذار من عام 2008، دان الرئيس الفنزويلي الراحل، هوغو تشافيز، كولومبيا بوصفها “إسرائيل في أميركا اللاتينية”. وهو أمرٌ لم يُثِر، حينها، غضب النخبة الكولومبية الحاكمة، التي اعتبرت نفسها، وفق تصريحات الرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس، بمثابة “شعب إسرائيلي فخري”.
فكما تحاول واشنطن تقسيم وتفكيك مشاريع الوحدة والتفاهم في الشرق الأوسط عبر الاحتلال الإسرائيلي، هي تقوم بالأمر نفسه في أميركا اللاتينية عبر كولومبيا. فالأخيرة تُنعت بـ«إسرائيل» أميركا اللاتينية، بسبب أنّ سلوك النظام السياسي السابق في بوغوتا يتماهى إلى حدّ كبير مع سلوك “تل أبيب” منذ عقود، ونظراً إلى الدور الخدماتي الذي تؤديه لواشنطن. تقوم كولومبيا بإدارة “الأعمال القذرة” نيابةً عن الأميركي في جوارهما الجغرافي، إذ تعمل قوات كولومبية كمتعهّد لتدريب الشرطة على أعمال القمع والتعذيب والقتل الأميركية، في هندوراس والسلفادور والمكسيك وهايتي، من دون أن تضطرّ الحكومة الأميركية للمخاطرة بإرسال مواطنيها إلى هناك.
يرى محللون أنّ “إسرائيل” وكولومبيا تُعدّان قاعدتان متقدمتان بالنسبة للإمبريالية الأميركية، ففي حين تتحرك الأولى في الشرق الأوسط، تتحرك الثانية في أميركا اللاتينية، وتحتضن قواعد عسكرية للولايات المتحدة أيضاً.



