بعد أن هاجمته منظمة التحرير وحركة فتح.. ما التحديات التي تواجه مؤتمر فلسطينيي أوروبا؟

مشوار: دعا مؤتمر فلسطينيي أوروبا الذي عقد في بالمو في السويد ، المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة للوقوف أمام التزاماتها تجاه الشعب الفلسطيني واحترام القوانين التي أصدرتها لتمكين شعبنا من حقه بالعودة إلى أرضه.
وحث المؤتمر، في بيانه الختامي الذي وصل وكالة «صفا»، الاتحاد الأوروبي على الانسجام مع قيم الحرية والعدالة التي قامت عليها دوله، والوقوف إلى جانب شعبنا في معركة التحرير وعزل الاحتلال لعدم احترامه هذه القيم.
وجدد المؤتمر دعوته لمحكمة العدل الدولية والدول الموقعة على ميثاقها الأساسي وكل الهيئات الحقوقية العالمية لتحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن جرائمه تجاه أبناء شعبنا وحرمانه من أبسط مقومات الحياة الأساسية.
وأشار المؤتمر في بيانه الختامي إلى «خطورة المرحلة التي تمر بها قضيتنا وخاصة في ظل حكومة اليمين المتطرف التي تمارس إرهاب الدولة»، داعيًا كل أبناء شعبنا إلى الوحدة الوطنية، واستعادة اللحمة الوطنية التي أصبحت إحدى أهم شروط العودة.

وأكد المؤتمر أن «منظمة التحرير الفلسطينية هي إحدى أهم مكتسبات شعبنا، دونها تضحيات جسام معمدة بدماء الشهداء، وهي ملك لشعبنا لا يجوز مصادرتها أو إفراغها من محتواها»، داعيًا إلى إعادة إصلاحها على أسس ديمقراطية لتكون بالفعل المظلة التي يستظل بها الكل الفلسطيني.
وشدد البيان على «عدم جواز التطبيع مع الاحتلال أو مد جسور التواصل معه، مطالبًا بمقاطعته وعزله وملاحقته في المحافل كافة حتى يكف أيديه وينهي احتلاله لأرضنا».
وثمن البيان «جهود المقاطعة للاحتلال بكل أشكالها الشعبية والرسمية التي تهدف إلى عزله وكشف جرائمه».
وأشاد بجهود المؤسسات والمنظمات التي تعمل على مقاطعة الاحتلال، وفي مقدمتها حركة BDS التي أظهرت ضعف الاحتلال وهشاشة اقتصاده القائم على المستوطنات والمساعدات الخارجية.
وأبرق المؤتمر بالتحية «لأسرانا خلف القضبان الذين دفعوا حياتهم دفاعًا عن حقوقهم وما زالوا يدفعون»، مضيفًا، «نشد على أياديهم ونقول لهم إن الفجر قادم وإن حريتهم أكيدة وقريبة».
وفيما يتعلق بمدينة القدس وقطاع غزة، أكد المؤتمر أنّ «القدس هي عاصمة دولة فلسطين ودرة التاج فيها، وأن محاولات التهويد التي تجري عليها لن تغير من هذه الحقيقة، وأن حصار غزة المستمر منذ 17 عامًا أثبت فشله، وأن شعبنا الصامد في القطاع يجب أن يرفع عنه هذا الحصار الظالم الذي أصبح أداة ابتزاز لا مبرر لها».
وتقاطرت وفود مؤتمر «فلسطيني أوروبا» في نسخته العشرين، من كل أرجاء القارة الأوروبية، في قوافل العودة ترفع علمًا واحدًا، تحت شعار «75 عامًا على النكبة وإنا لعائدون»، في مدينة مالمو السويدية.
وشهد المؤتمر انعقاد العديد من المؤتمرات الموازية على مدار اليوم تناقش فيها المشاركون حول هموم الوطن وسبل تعزيز العمل الفلسطيني في القارة الأوربية؛ بهدف رفع الظلم عن شعبنا وإيصال صوته للشارع الأوروبي وصانع القرار.
يعدُّ مؤتمر فلسطينيي أوروبا بنسخته العشرين من المحطات المهمة والمميزة في مسيرة ونضال الشعب الفلسطيني، باعتباره نتاجاً وبلورةً لجهود فلسطينية حثيثة في أنحاء القارة الأوروبية. ويشكل المؤتمر أكبر التجمعات السنوية للفلسطينيين في القارة الأوروبية، ولم يكن اختيار السويد من باب الصدفة، فهي تضم -حسب منظمي المؤتمر- ثاني أكبر جالية فلسطينية في أوروبا بعد ألمانيا.
يأتي مؤتمر فلسطينيي أوروبا لإبراز قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، والتمسك بها، وفي مقدمتها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجُروا منها إبان النكبة في العام 1948، التي يعيش الشعب الفلسطيني ذكراها الـ75 هذا العام وحمل هذه المرة شعار «75 عاماً وإنّا لعائدون»، , والذي يكتسب أهمية خاصة في سياق مساعي فلسطينيي أوروبا وجهودهم تلك، وهو ما جعله مناسبة لالتئام مؤتمرات فلسطينيي أوروبا بدءاً من مؤتمر لندن عام 2003.
وقد تعرض عقد المؤتمر الى هجوم شرس من قبل حركة فتح ووسائل اعلام فلسطينية تتبع لها واللوبي الصهيوني في اوروبا ,
ومحاولة تشويهه واتهام المؤتمر بأنه يسعى لإيجاد بديل عن منظمة التحرير الفلسطينية، مما أحدث حالة من الغضب والانزعاج في صفوف الهيئة المنظمة للمؤتمر . وهاجم مسؤولون فلسطينيون، الأحد، المؤتمر، وقالوا إنه محاولة جديدة «لضرب تمثيل المنظمة». واعتبر نائب أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح» صبري صيدم، أن المؤتمر محاولة من البعض لاستعادة المخططات التصفوية لمنظمة التحرير، وتجاوز الأطر الفلسطينية الشرعية.
وقال رئيس لجنة المغتربين والجاليات في المجلس الوطني الفلسطيني، أسامة القواسمي، إن المؤتمر يهدف إلى ضرب تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين, رغم التأكيدات المتكررة من القائمين على أعمال المؤتمرات بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولا يوجد أيّ مساعٍ لإلغائها أو تعطيل دورها أو تهميشها، بل إصلاحها لتكون أهلاً لتمثيل كل فلسطيني.
وأضاف القواسمي لإذاعة «صوت فلسطين» الرسمية، أن «محاولات جماعة (الإخوان المسلمين) الالتفاف على المنظمة لم تتوقف منذ عقود، لقد فشلت في الماضي وستفشل هذه المرة».
الهجوم الذي شنه مسؤولون فلسطينيون في رام الله على المؤتمر يظهر حجم الخلاف حول عقده حتى بين الجاليات الفلسطينية نفسها. فقد انقسم الفلسطينيون في أوروبا بين مؤيد للمؤتمر ومعارض له، إذ اصطف معارضو السلطة خلفه، ورفضه مؤيدوها وأنصار حركة «فتح». وقال ماجد العويضة، مسؤول تنظيم حركة «فتح» في السويد، إن القائمين على المؤتمر يريدون «نقل الانقسام الداخلي إلى الجاليات الفلسطينية، ومحاولة للتشويش على الرواية الفلسطينية».
وردت عليه ادارة المؤتمر في بيان تضمن استهجانها لتبني بعض وسائل الإعلام السويدية لإشاعات وأكاذيب حول الدورة العشرين للمؤتمر والتي انعقدت في مدينة مالمو يوم السبت الماضي ولاقت نجاحاً كبيراً بحضور أكثر من 20 ألف من مناصري القضية الفلسطينية، وتؤكد المؤسسة على النقاط التالية:
أولاً: ما يتم تداوله من إشاعات وأكاذيب حول المؤتمر ورئيسه ومحاولة ربطه بحركات محظورة هي محاولات مكشوفة ومكررة تمارسها حكومة الاحتلال الإسرائيلي لقمع أي جهود أوروبية شعبية تطالبها بتنفيذ القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة وعلى رأسها القرار 194 المتعلق بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم.
ثانياً: محاولة استهداف وتشويه صورة بعض السياسيين السويديين لمشاركتهم في فعاليات المؤتمر، هي محاولة للاحتلال للتأثير على القرار السياسي السويدي، ونشر الخوف في صفوف مؤيدي الحق الفلسطيني في السويد.
حتى يتمكن القارئ من الإلمام بحيثيات هذه المؤتمرات، لا بدّ من الرجوع إلى ثلاثة عقود للاطلاع على الأزمات متعددة العناوين المتمثلة في اتفاقية أوسلو التي لها أثر بالغ في تغيير مجرى النضال الوطنيّ، وتفتيت طموح الشعب الفلسطيني السياسي وخطابه واستراتيجيّاته، وحالة الترهل داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
بالإضافة إلى ذلك حالة الانقسام الداخلي الذي أفضى لغياب المرجعية الجامعة التي تمثل عموم الشعب الفلسطيني وتعبر عن إرادته ضمن برنامج سياسي يهدف لاستعادة كامل الحقوق الفلسطينية، وفي مقدمتها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم، ولا بدّ من مخرج لذلك يتمثل بإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية تقوم على الانتخابات العامة في الداخل والخارج؛ حيث أمكن، والتوافق في حال صعوبة ذلك، بغية فرز مجلس وطني جديد ينتخب بدوره قيادة تنفيذية، بعد اتفاق الفصائل الفلسطينية وقوى الشعب كافة ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية على تفاصيل ذلك.
الحفاظ على الهوية الوطنية والانتماء
أمام هذه الإشكالية وهذه التحديات، وفي ظل الظروف المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية وفي ظل وجود الطاقات الكبيرة التي تحتضنها الدول الأوروبية والأجيال الفلسطينية المتعاقبة التي نشأت فيها، والتي استطاعت أن تزاوج بين التمتع بمواطنة البلدان والحفاظ على الهوية الفلسطينية والانتماء الراسخ من الأهمية بمكان عدم الركون لهذه الحالة المترهلة.
كما من الضروري أن ينبري المخلصون من أبناء شعبنا، بغض النظر عن مواقعهم وأماكن وجودهم، إلى البحث في سبل إيجاد اختراق لحالة انسداد الأفق السائدة، وهنا يؤمن المؤتمر بأن فلسطينيي أوروبا بالخصوص يمكنهم أن يسدّوا هذه الفجوات بما لديهم من إمكانية تشكيل نموذج مميز للتقدم إيجاباً في الحالة الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية، ضمن مبدأ الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد إعادة هيكلتها كمرجعية وممثل للشعب الفلسطيني دون استثناء وإقصاء أحد.
في تفصيل أكثر يتمتع فلسطينيو أوروبا بميزات مهمة كونهم يقطنون ببيئات أوروبية منفتحة ومتنوعة وممتدة جغرافيّاً، سواء من الناحية السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية؛ مما ينعكس إيجاباً على أوضاعهم ولو بشكل نسبي، وأفرز نماذج نجاح فردية وجماعية عديدة ومتفوقة أحياناً.
كما نشأ من امتداد الوجود الفلسطيني في أوروبا نشوء أجيال وطاقات شبابية حيّة ومبدعة استطاعت أن تشكّل نوافذ حقيقية على المستوى السياسي والعلمي والأكاديمي والمؤسساتي، كل تلك العوامل انعكست إيجاباً على الحراك الفلسطيني لصالح القضية، وأدّت إلى شيء من التقارب الوطني المتقدم، وأوجدت تجارب عمل مشتركة لصالح القضية، مدعومة بحركة التضامن الواسعة من أبناء الجاليات العربية والمسلمة وأحرار أوروبا في عموم دول القارة الأوروبية.
عليه.. نرى فيما سبق اجتماع الحاجة الملحة والفرصة السانحة لتكوين مرجعيات جامعة تأخذ بتلك الميزات؛ للاستفادة منها في تحقيق منافع للقضية، والوقوف في وجه اللوبي الصهيوني الذي يستهدف النيل من حقوق الشعب الفلسطيني وتشويه عدالة قضيته.
إن مؤتمر فلسطينيي أوروبا يرى أن المرجعيات المخلصة للقضية ستسهم في تقديم وجهة النظر الفلسطينية لدوائر القرار الأوروبي من ناحية، كما ستولي من ناحية أخرى عناية واهتماماً حثيثين لشؤون أبناء شعبنا الفلسطيني في القارة الأوروبية، وخصوصاً الأجيال الجديدة منهم، وواجب الحفاظ على هويتهم الوطنية ومتابعة أية صعوبات حياتية تعترضهم، ومحاولة حلها.
تتوّج كل هذه الجهود بتقديم كل أشكال الدعم والإسناد لأبناء شعبنا الفلسطيني في الداخل الرازح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك أبناء شعبنا في مخيمات اللجوء والشتات؛ ليتم ذلك كله تحت سقف القوانين المحلية والدولية والالتزام الكامل بها.
في ظل ما سبق ولحين التوافق الفلسطيني الجامع على انتخابات شاملة لفرز مجلس وطني جديد وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، كما عبَّر عنه القائمون على فعاليات المؤتمر هو التطّلع وبدافع الأهمية الاستراتيجية لعمل مرجعيات ديمقراطية محلية في الأقطار المختلفة، ولاحقاً، ما أمكن، على مستوى القارة الأوروبية تقوم على الأسس التالية:
١- هذه المرجعيات ليست بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية، وتعترف بها مرجعية، وتطالب بسرعة إعادة هيكلتها على أسس ديمقراطية تعتمد على الانتخابات، حيث أمكن مبدأ أساسي للفرز القيادي لمجلس وطني جديد.
٢- تحتاج هذه المرجعيات إلى التوافق ما أمكن من قبل المؤسسات والشخصيات الفلسطينية المحلية في القطر الواحد؛ ليشكلوا غطاء قانونياً للانتخابات المؤملة تدفع أبناء الشعب الفلسطيني في القطر الأوروبي إلى الطمأنينة والإقدام على المشاركة بفاعلية في الانتخابات.
٣- هذه المرجعيات الديمقراطية شعبية بحتة.
٤- هذا المرجعيات لا تدعي تمثيل عموم الجالية أو القارة، إنما تمثل من يشارك في الانتخابات.
٥- يتم التوافق على هيئات محايدة، سواء من أبناء الجاليات العربية أو من أحرار أوروبا الداعمين للقضية، أو من الشخصيات الفلسطينية الوازنة والمستقلة؛ لتشرف على العملية الانتخابية ونزاهتها.
٦- تتفق الجهات المبادرة على تعريف من هو الفلسطيني وكيفية إثبات ذلك.
دور فعّال لـ «مؤتمر فلسطينيي أوروبا»
يمكن القول إن عقد مؤتمر فلسطينيي أوروبا كان منعطفاً هاماً، لأنه يضمُّ في رِحابه شريحة عريضة من النشطاء، ولا سيَّما الشباب، الذين يدعمون الحركات والحملات التضامنيّة في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى دورهم الفعَّال في تنظيم المظاهرات والفعاليّات رداً على الجرائم الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وكذلك في التعبير عن المطالب السياسيّة الفلسطينية، خاصةً المتعلِّقة بحقّ العودة.
سجل للمؤتمر وفق سجلات القائمين عليه منذ نسخته الأولى في عام 2003 إسهامات بارزة في نشر الرواية الفلسطينية وبيان الحق الفلسطيني في المحافل الأوروبية، وفضح الادعاءات الإسرائيلية القائمة على الزيف والبهتان، وفضح جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين وأرضهم وممتلكاتهم.
إضافة إلى ذلك، فإن مؤتمر فلسطينيي أوروبا جاء ليؤكد على التمسك بالحقوق والثوابت الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها الحق بالحرية والعودة وتقرير المصير.



