الفدرالية والطائفية: مزيج مشرقي مميت

راجي سعد \ تورونتو, كندا \
لمحة تاريخية:
بعد قيام دولة اسرائيل في 1949 ما انفكت الحركة الصهيونية عن التخطيط لايجاد صيغة تصبح فيها الدولة اليهودية جزءا لا يتجزا من نسيج المنطقة الاجتماعي يضمن لها الاستمرارية والشرعية والهيمنة. اول من كشف عن هذه الخطط كان الصحفي الهندي كارانجيا في كتابه “خنجر اسرائيل”(1) في 1957 الذي تضمن وثيقة سرية صهيونية عن خطة تقضي بتقسيم سوريا الى ثلاث دويلات طائفية ولبنان الى دولتين والعراق الى ثلاث دول. وثيقة اخرى نشرت في مجلة “كيفونيم” فى عام 1982 التى تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية بعنوان “استراتيجية اسرائيلية للثمانينات” دعت ايضا الى تقسيم العراق وتقسيم لبنان الى دويلات طائفية وفصل جنوب السودان. كذلك بعد الغزو الاميركي للعراق، نشر الصحافي رالف بيترز المقرب جدا من وزارة الدفاع الاميركية في 2006 خريطة “حدود الدم”(2) التي اظهرت المشروع الاميركي الصهيوني لتقسيم المنطقة الى دولة كردية في شمال العراق وشرق سورية وجنوب تركيا، وشيعية عربية في جنوب العراق، وسنية عراقية تشمل وسط وغرب العراق، وسنية سورية تشمل دمشق وحلب وفيدراليات اقلوية في لبنان “الاكبر” على الساحل تضم كيانات شبه مستقلة، درزية ومسيحية وعلوية وغيرها.
هندسة الشرق الأوسط الجديد
لتنفيذ هذه الخطط، استعان مهندسوا الشرق الاوسط الجديد بانظمة حكم تُضْعف الدولة المركزية وتُقوي سلطة الاقاليم فيصبح التعامل مع مكونات طائفية وعرقية بدل المجتمع والشعب الواحد ويسهل التلاعب بمصيرها. اهم هذه الانظمة هو “الديمقراطية التوافقية” التي حدد عالم السياسة الأمريكي آرنت ليبهارت في كتابه “الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد”(3) اهم خصائصها وهي الحكم بواسطة ائتلاف
الفعاليات السياسية الواسع، وامكانية استعمال الفيتو المتبادل، ومرور التوظيف في الادارات عبر القوى ‘المتوافقة‘ ووجود درجة عالية من الاستقلالية لكل مكون في إدارة شؤون ’منطقته‘. كذلك وجد هؤلاء المهندسون في الصيغة الفيدرالية او الاتحادية ما يتناغم مع الديمقراطية التوافقية بتوفيره لكل إقليم استقلال ذاتي، له حق السيادة على حدوده والانفصال عن الاتحاد اذا اراد ذلك.
هذه الخطط الصهيونية الطويلة المدى لا يمكن تنفيذها عبر الحروب التقليدية او تغيير الانظمة بل تتطلب خارطة طريق من عدة مراحل، قد تتداخل ببعضها البعض وتتغير اساليبها حسب واقع كل دولة، لكن اجمالا يمكن وضع عناوين عريضة لمراحل الخطة على الشكل التالي:
1. المرحلة الاولى: ضرب وإضعاف الدولة المركزية وفرزها طائفيا وعرقيا وتاسيس نواة للكيانات الطائفية العرقية.
2. المرحلة الثانية: تشريع الدولة ‘الصورية‘ وتثبيت الكيانات المناطقية الطائفية العرقية وزرع الشلل وصولا الى فشل الدولة. 3. المرحلة الثالثة: تاسيس نظام فدرالي ضمن حدود دول سايكس بيكو الحالية، تُشرْعن فيها الاقاليم الطائقية والعرقية ككيان وسلطة ذاتية على مواردها الاقتصادية وامنها وقضائها.
4. المرحلة الرابعة: تاسيس سايكس-بيكو-2 الاجتماعية بدول ‘جديدة‘ عرقية طائفية، وذلك عبر فصل وضم وقضم الكيانات الفدرالية في الدول الحالية.
في ما يلي عرض سريع لواقع دول المشرق المستهدفة والمرحلة التي وصل اليها المشروع في كل منها:
لبنان: يمكن اعتبار نشوب الحرب الاهلية اللبنانية في 1975 بداية تنفيد هذا المشروع الذي فرز معظم المناطق على اساس طائفي واكملته اسرائيل بعد غزوها لبنان في 1982 بخلق صراع مسيحي-درزي في جبل لبنان ادى الى فرز المسيحيين والدروز الى كيانين منفصلين، وبذلك اكتمل تاسيس نواة كيانات
طائفية غير معلنة في معظم لبنان. اعترافا بهذه الواقع واضعافا للدولة المركزية توصل زعماء الكيانات الطائفية الى اتفاق “الطائف” في السعودية سنة 1989 على اساس “الديمقراطية التوافقية” التي قلصت صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني وجعلت السلطة بيد زعماء الطوائف الذين يشكلون مجلس الوزراء التوافقي. بين الفيتوات الميثاقية المتبادلة والمحاصصة الطائفية والدعم المالي الغربي والعربي، تضخم القطاع المصرفي بسبب الفائدة العالية وزاد الدين العام وضربت القطاعات الانتاجية وتفشى الهدر المؤسساتي والفساد الى ان وصلت الدولة اليوم الى الافلاس والانهيار المالي الشبيه ب’سلسلة بونزي‘(4) بعد ان اوقف الغرب وحلفائه الدعم المالي. هذه التطورات جعلت البيت الابيض يعلن عن “وجود مؤشرات الى ان لبنان يسير نحو الفشل” في الشهر الماضي.
أمام الحصار المالي الدولي بوسائل عربية وغيرها ومنع او تاجيل استخراج النفط والغاز من الساحل اللبناني وتفجير مرفأ بيروت، وامام الانقسام العامودي بين زعماء الطوائف، واتهام حزب الله بالمسؤولية عن الحصار، تعلو اصوات هنا وهناك عن وجود مناطق منتجة وأخرى غير منتجة من الوان طائفية مختلفة وبان التركيبة الحالية سقطت وان لا حل الا بالفيدرالية.
العراق:
ان انتصار الثورة الاسلامية الشيعية الايرانية بعد تخلي الغرب عن الشاه في 1979 كان نقطة تحول كبيرة في الشرق الاوسط . العراق بدعم من الممالك السنية الخليجية خاض حرب استنزاف ضد ايران لثمان سنوات. بعد اعلان انتصاره دخل الجيش العراقي الى الكويت، فشَلّت اميركا قدراته بعد طرده من الكويت ووضعت عقوبات على العراق وفرضت حظر طيران على الشمال والجنوب فكانت النواة لانشاء اقليم كردستان في 1991.
رغم هذه الاجراءات الاميركية التي اضعفت الدولة المركزية، وجدت اميركا (بسبب ضغط المسيحيين الصهاينة واللوبي الاسرائيلي) بان تنفيذ المراحل المقبلة من المشروع التقسيمي يتطلب غزو العراق. في 2003 بدأ الغزو فحلت اميركا الجيش وفرضت دستور جديد في 2004، عرف باسم الحاكم الاميركي
“بريمر”، على اساس الديمقراطية التوافقية التي جعلت من المواطنين جماعات مذهبية وطائفية وعرقية. الدستور الجديد كذلك اقر مبدأ الفيدرالية كأساس لشكل الدولة فشرع اقليم كردستان الذي منح صلاحيات واسعة. رغم تشجيع الدستور على انشاء فيدراليت اخرى فالمحافطات السنية والشيعية لم تشكل فيدراليات حتى الآن(5).
ان الامتيازات المالية الكبيرة وغيرها التي حصل عليها اقليم كردستان والغبن والاضطهاد الذي شعر به السنة والولاء للاجنبي ادى الى تفشي الفساد المالي والاداري وظهور تنظيم داعش في الموصل ومحاولة اقليم كردستان للانفصال، بالاضافة الى سيطرة تركية وايرانية شبه كاملة على مياه نهري دجلة والفرات والروافد تُهدد العراق بالتصحر وخسارة ثلث الاراضي الزراعية. كل هذا ادى الى نصنيف العراق ضمن قائمة “الدول الفاشلة” 13 في 2018 رغم غناها النفطي.
في 2007 دعى جو بايدن، الرئيس الاميركي الحالي، الى “نظام فدرالي فعال” يقسم العراق الى ثلاث مناطق كردية وسنية وشيعية(6). امام ربط اميركا للملف النووي الايراني بتقليص النفوذ الايراني على خط العراق-سوريا-لبنان وهزيمة القوى الشيعية الموالية لايران في الانتخابات الاخيرة، وعلو اصوات سنية وشيعية تطالب بالفيدرالية وسعي كردي الدائم للانفصال، ينتطر ’الفيدراليون‘ انحسار الدور الايراني العسكري وقطع “الهلال الشيعي” لاكمال الفدرلة وانفصال كردستان.
سوريا:
أسلوب مشروع الشرق الاوسط الجديد في سوريا ابتعد عن الغزو المباشر واسْتُبدل بارسال المال والعتاد والرجال من 82 دولة لدعم التنظيمات الطائفية في ضرب الدولة المركزية. هذا المشروع ابتدأ من تونس بعد ما سمي بالربيع العربي، وكانت شرارته في سوريا في 2011 لكنه لم يفلح في اسقاط الدولة المركزية بسبب تماسك الجيش السوري ودعم حزب الله وايران وروسيا له. من ناحية اخرى، نجح جزئيا بخلق كيان كردستاني بقيادة تنظيم ’قسد‘ بمنطقة الجزيرة شرق الفرات، وشبه كيان سني مدعوم من تركيا شمال غرب الفرات في عفرين وادلب، وكذلك نجح بزرع خلايا انفصالية في درعا السنية والسويداء
الدرزية. بالاضافة الى ذلك نتج عن الحرب وجود قوات ايرانية وروسية ’شرعية‘ في مناطق سيطرة الدولة وقوات اميركية محتلة في قاعدة التنف بالقرب من الحدود الاردنية وفي شرق الفرات وذلك لليسطرة على منابع النفط، وقوات اخرى تركية محتلة في الشمال الغربي.
قبل نهاية 2012 قال كيسنجر لصحيفة وول ستريت جورنال ان الهدف في سوريا هو “وضع ترتيب لتقاسم السلطة بين المجموعات السكانية المختلفة على غرار المؤسسات التعددية في لبنان المجاور”. في حديث لقناة س.ن.ن. في 2016 صرح رئيس الاستخبارات الأميركية السابق مايكل هايدن أن الحدود ااتي رسمت في معاهدات فرساي وسايكس بيكو قد بدأت بالانهيار وبان “سوريا والعراق لم يعودوا موجودين ولن يعود كلاهما، ولبنان يفقد الترابط،”(7). الروس ايضا في 2013 ومن ثم في 7012 في مؤتمر استانة طرحوا دستورا جديدا لسوريا يعتمد على ذات الاسس العامة لدستور بريمر العراقي و’دستور‘ الطائف اللبناني. الرئيس نُزعت صلاحياته ومنحت لمجلس الوزراء والبرلمان الذي لديه صلاحية إعلان الحرب وتنحية الرئيس، وتعيينات الوزراء تجري حسب التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية، والفيدراليات (المناطق)” لها برلمانها ويسمى “جمعية المناطق” ومنها المنطقة الكردية الذي يدعو الدستور علنا لحكم ذاتي لها(8). قبل مؤتمر استانة كان سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي قد صرح بأن “روسيا ترى إمكانية إنشاء جمهورية فدرالية …” وعن تصور روسيا لهذه الجمهورية، أوضح مدير مركز الأبحاث السياسية الروسي فلاديمير يفسييف أنه “يبدأ بإعطاء الحكم الذاتي للأكراد في مناطق سيطرتهم، وإعطاء المناطق الواقعة تحت حكم تنظيم الدولة الاسلامية للقبائل السنية، في حين تبقى دمشق وحمص وحماة ودرعا ومناطق سيطرة العلويين تحت سيطرة نظام الأسد، وتحصل السويداء الدرزية على نوع من الحكم الذاتي بالاتفاق مع النظام”(9).
بعد فشل كل المحاولات العسكرية لاسقاط الدولة، غيّر الاميركيون اسلوبهم باستعمال السلاح الاقتصادي وفرض حصار خانق على سوريا عبر ما يعرف بقانون قيصر الذي دخل حيز التنفيذ في منتصف 2020. يستهدف القانون ضرب البنية المالية ووضع قيود على حركة التبادل التجاري مع سوريا وفرض
عقوبات على الشركات والاشخاص الذين يتعاونون تجاريا مع النظام. من ناحية اخرى، القانون يسمح للرئيس الاميركي برفع العقوبات اذا لمس “جدية في التفاوض من قبل نظام الاسد”(10). بالاضافة الى ذلك، حُرمت الحزينة السورية من عائدات النفط في مناطق سيطرة القوات الاميركية واهتز الامن العذائي للشعب السوري في السنتين الاخيرتين بسبب ازدياد الحرائق المفتعلة لمحاصيل القمح في مناطق سيطرة قسد وداعش. بالاضافة الى الحصار الاقتصادي، تتعرض سوريا لضربات جوية اسرائيلية ممنهجة يهدف بعضها لمنع فك الحصار عن سوريا وكان آخرها ضرب مرفا اللاذقية الحيوي لمنع استيراد النفط وغيره من الدول الصديقة. الجدير بالذكر ان الروس لا يمنعون هذه الغارات رغم قدردهم على ذلك.
أمام كل هذه الضغوط الكبيرة على الشعب السوري لتجويعه وجعله يخضع للاملاءات التقسيمية، وامام ’الجَزَرْ‘ التي تُعرض على الرئيس الاسد كالاعتراف به رئيسا لسوريا المستقبل وانفتاح بعض الدول الخليجية على نظامه ووعود بالعودة الى الجامعة العربية وبالاعمار واستخراج ثروات سوريا على الساحل، تجد سوريا نفسها امام خيارات صعبة ستحدد مصيرها ربما لمئة عام اخرى.
المشرق على مفترق طرق
اذا نظرنا بصورة شاملة للمشرق من العراق الى ىسوريا ولبنان تتضح لنا معالم الخطة التي وضعوها لنا وتنفذ مرحلة مرحلة للوصول الى سايكس-بيكو-2 الاجتماعية العنصرية التي تصفي القضية الفلسطينية ونضمن وتشرعن وجود اسرائيل كدولة دينية ابارتدية. اهم العوائق الحالية في وجه هذه المشروع هو رفض الدولة السورية لحد الآن ورفض حزب الله وحلفائه الوحدويين والعلمانيين في لبنان لهذا المشروع والتاثير والنفوذ الايراني بشكل عام من العراق الى لبنان وذلك لتناقض المشروع مع الغاية الايرانية في الوصول الى المتوسط عبر ما يسميه البعض بالهلال الشيعي. ان مفاوضات فيينا بشان سلاح ايران النووي والتهديد بضرب المفاعل النووي، وادراج اميركا لموضوع الغاء النفود الايراني العسكري في المشرق كشرط اساسي للاتفاق ، ومحاولات تقليص هذا النفود في العراق ولبنان عبر الانتخابات وفي سوريا عبر الضربات الجوية، ستحدد مسار المشروع الاميركي، فاما ان تتنازل ايران عن مشروعها
وتنهي وجودها العسكري في المشرق بعد تلقي ضمانات (جَزَرْ) بنفوذ اقتصادي في الفيدراليات الشيعية او الاقلوية في العراق والشام ولبنان واما ان تقرر المواجهة العسكرية مع اسرائيل واميركا وتخاطر بتدمير المفاعل النووي والبنية التحتية لايران.
ان المشرق امام مفترق طرق مصيري والطريق الاسلم دون شك يتمثل في قيام وحدة وطنية وتحالف بين دول المشرق تؤدي الى طرد الاجنبي واحلال السيادة القومية، لكن هذه الطريق يبدو صعب المنال وغير واقعي اليوم بسبب انعدام الوعي للمخاطر والانقسام والتقاتل الداخلي على السماء. امام هذا الواقع، نواجه خيارين محددين، فاما ان نختار بين دولة جارة تعادي عدونا ونفوذها لا يدمر المجتمع المشرقي بشكل ممنهج ويمكن معالجته وتطويره الى تحالف بين امتين متساويتين، او مواجهته في المستقبل ، وبين تهديد وجودي يفتت المجتمع عاموديا الى كيانات متناحرة من قوميات دينية وعرقية، سيكون من الصعب جدا اعادة اللحمة والاخاء القومي اليها وسيجعل اسرائيل تتحكم بمصيرنا جميعا لفترة طويلة.
راجي سعد
تورتنو، كندا
91 كانون الثاني 2022
