عملية تل ابيب رد سريع على جرائم الاحتلال

د. نزيه خطاطبه
لم يطل الرد الفلسطيني على جريمة الاحتلال يوم الأربعاء, باقتحامها جنين واعدام 6 فلسطينيين , وجريمة اعدام 3 فلسطينيين من مسافة صفر في سيارتهم , صباح الخميس, في قرية جبع بالقرب من جنين , حتى اقدم المقاوم الفلسطيني معتز الخواجا, على تنفيذ عملية فدائية في شارع ديزنغوف في وسط تل ابيب, باطلاق النار من مسدس اسفر عن استشهاده, بعد ان تعطل مسدسه , واصابة 5 إسرائيليين بجراح احدهم خطرة , فيما جرى الإعلان عن إبطال جسم مشبوه عثر عليه داخل حقيبة على متن حافلة وصلت إلى مستوطنة بيتار عيليت جنوبي القدس تزامنا مع عملية تل ابيب. عملية تل ابيب اثبتت فشل كل الإجراءات الأمنية للاحتلال, كما انها تاتي بعد يوم من اطلاق المقاومة الفلسطينية تهديدها , بان الرد على جريمة الاحتلال في جنين ,سوف يكون في تل ابيب. خلال يومين فقط , قبل عملية تل ابيب, اعدمت قوات الاحتلال 10 فلسطينيين في كل من جنين ونابلس, واعدمت اكثر من 80 فلسطينيا منذ مطلع العام الجاري .

الاحتلال الإسرائيلي, سواء قوى اليمين بقيادة نتانياهو, او ما يسمون انفسهم بالمعتدلين , لم يبقوا للفلسطينيين طريقا اخر سوى المقاومة والانتقام من جرائم قواته وقطعان المستوطنين . ففي اللحظة التي جرى فيها الإعلان عن بنود اتفاق العقبة الأمني والذي , شاركت فيه السلطة الفلسطينية بناء على وعود أمريكية باهتة, وبالرغم من الرفض الشعبي والفصائلي الفلسطيني له, اقدم مستوطنون على اقتحام قرية حوارة بشكل همجي, وحرق العشرات من المنازل والمحال التجارية بمشاركة قوات الاحتلال التي وفرت لهم الحماية , في اعقاب مقتل مستوطنين باطلاق النار على سيارتهم في البلدة.
ما كان لاقتحام جنين ان يتم، ويصل جنوده الى المنزل الذي يقيم فيه المسلحون المستهدفون الشهداء، وخاصة الشهيد عبد الفتاح خروشة (من حركة حماس) لولا التنسيق الأمني بين السلطة ودولة الاحتلال، الذي لم يتوقف مطلقا، وجرى الاتفاق على تعزيزه في قمة العقبة الأمنية التي مثّل السلطة فيها حسين الشيخ خليفة عباس المرشح، واللواء ماجد فرج رئيس جهاز الاستخبارات التابع للسلطة.
قد يقول البعض بان توقيت عملية تل ابيب قد يكون غير مناسب, ويخدم القوى الفاشية بقيادة نتانياهو, للخروج من الازمة الحادة التي تهدد وحدة كيان الاحتلال, وتنقذه من حرب اهليه باتت على الأبواب , كما يحذر منها العديد من قادة الاحتلال, وعليه نقول بان المجتمع الاسرائلي لم يكن يوما منقسما بسبب العلاقة مع الفلسطينيين وانما هو موحد ضدهم .
فمن يقف على رأس المتظاهرين في شوارع تل أبيب , هم يائير لابيد وبني غانتس، الذين كانا ضمن تحالف يمين الوسط برئاسة نفتالي بينت أولاً ثم لابيد بعد ذلك، وهي الحكومة التي قتلت 235 فلسطينياً في العام 2022، حيث شكل هذا العدد من الشهداء أعلى مستوى منذ العام 2015، وهي الحكومة نفسها التي شرعت عشرات المستوطنات، وبنت آلاف الوحدات السكنية الجديدة، واعتقلت أجهزتها الأمنية آلاف الفلسطينيين وهدمت عشرات البيوت، وارتكبت جرائم لا تقل عن تلك التي قامت وتقوم بها حكومة نتنياهو الحالية.
كما أن نواب هذه الأحزاب التي تسمي نفسها بالمعتدلة , يتفقون مع تكتل الحكومة اليمينية المتطرفة، ويؤيدون القرارات التي يقترحونها ضد الشعب الفلسطيني, حيث صوت هؤلاء النواب مع قرار سحب الإقامة من الأسرى الذين يثبت تقاضيهم رواتب شهرية من السلطة الفلسطينية ,خلال فترة اعتقالهم على خلفية تنفيذهم عمليات يصفوها بالارهابية، وأيدوا مشروع قرار بن غفير القاضي بطرد عائلات منفذي العمليات التي يقتل فيها إسرائيليون، وايدوا قرار هدم بيوتهم فوراً وبصورة عاجلة، وأغلبهم يؤيد مشروع إقرار تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، بمعنى أنهم وحكومة نتنياهو سواء، يختلفون في شكل وهوية الدولة، ولكنهم يتفقون في كل ما يتعلق بالفلسطينيين وقضيتهم.
فالشعارات التي يرددها المتظاهرون، واليافطات التي يحملونها ، تؤكد أن مطالبهم داخلية فقط، ولا يوجد ما يدل على أن للمتظاهرين مطالب سياسية تنصف الفلسطينيين، أو تطالب باحترامهم وعدم المساس بهم والاعتداء عليهم، بل إن الطرفين يشتركان في سياسة واحدة ضد الشعب الفلسطيني.
لا يوجد لدى الفلسطينيين ما يخسرونه , اكثر مما هو حاصل من جراء جرائم الاحتلال وحكومته الفاشية, التي تمارس إرهاب دولة ضدهم, وما النداءات الدولية وخاصة الامريكية التي تدعوا للتهدئة , وتقدم وعود باهتة بحل الدولتين , ما هي الا لخدمة الاحتلال واعطائه الوقت الكافي لمواصلة تهويد الأرض ومصادرتها , وترحيل الفلسطينيين وتهجين من يتبقى منهم دون اية حقوق قومية. فالهدوء يفيد الاحتلال اكثر منه الفلسطينيين الذين بانتفاضتهم ومقاومتهم يكشفون حقيقة هذا الكيان الفاشية, ويثيرون الرعب لدى قطعان المستوطنين .
فرد الفعل العالمي على جرائم الاحتلال وجريمة المستوطنين باحراق جنين, لم يتجاوز التنديدات التي لا تيمن ولا تغني عن جوع, حتى ان الإدارة الامريكية التي ادانت تصريحات وزير المالية الفاشي, سرعان ما استقبلته في أمريكا. بلدة حوارة كشفت النفاق وازدواجية المعايير في في دول الغرب وخاصة الولايات المتحدة، وانحيازه لدعم جرائمه على مدى أكثر من 74 عامًا من الاحتِلال.
سيادة المطران عطا الله حنا رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس , كان وضحا بقوله أن دعم امريكا غير المشروط لاسرائيل هو السبب الاساسي في امعان السلطات الاحتلالية في قمعها وظلمها لشعبنا الفلسطيني دون اية مساءلة او محاسبة من احد .
امريكا تتصرف وكأنها سيدة الكون , تدعم من تشاء وتجرم من تشاء, فيما اسرائيل تُعامل وكأنها ولاية من الولايات الامريكية , و الابن المدلل لامريكا حامية مصالحها في هذا الشرق .
الجرائم المروعة التي ترتكب بحق شعبنا , تتحمل امريكا قسطا وفيرا من مسؤولياتها , فهي داعمة لاسرائيل سياسيا واقتصاديا وامنيا الخ … ولذلك فإننا نحمل الادارة الامريكية مسؤولية ما يحدث في ارضنا المقدسة وفي عدد من الاقطار العربية الشقيقة التي دمرت بفعل الحروب والارهاب خدمة للمصالح الامريكية واجنداتها السياسية الاستعمارية .
ان اسرائيل مستمرة في سياستها ولا يوجد هنالك من يمنعها من ان تستمر في ذلك في ظل الدعم الامريكي والغربي وعدم وجود ردود فعل رادعة وعملية من قبل المؤسسات والهيئات الاممية التي اشبعتنا بيانات دون ان ينفذ منها شيء على الارض.
وفي ظل حالة عربية كنا وما زلنا نتمنى ان تكون افضل حالا ، أما فلسطينيا فنحن بحاجة الى ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وتصويب البوصلة في الاتجاه الصحيح ونبذ الانقسامات والتصدعات الداخلية .
