إسرائيل تسابق الزمن لاحتلال غزة وفرض السيادة عليها والضفة بدعم من ترامب وتواطؤ عربي

د. نزيه خطاطبه
بات واضحا أن الفاشية الإسرائيلية تسعى للإسراع باحتلال القطاع كاملا وتهجير سكانه للتفرغ لضم الضفّة الغربيّة المُحتلّة إلى السيادة الإسرائيليّة, بعد ان كثفت مؤخرا استيلائها على الأرض, ورسم خطوات عملية لتحقيق مخططها، وحل السلطة الفلسطينية, بدعم امريكي كامل لاستباق موجة االاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية المتوقعة في سبتمبر.
فبالرغم من موافقة حماس على الصفقة الشاملة , وموافقتها على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الإفراج “فورا” عن جميع الأسرى الإسرائيليين العشرين (الأحياء)، متعهدا بأن “الأمور ستتغير بسرعة”، جددت الحركة، استعدادها للذهاب إلى صفقة شاملة يتم بموجبها إطلاق سراح جميع أسرى العدو لدى المقاومة، مقابل عدد متفق عليه من الأسرى الفلسطينيين لدى الاحتلال، ضمن اتفاق ينهي الحرب على غزة وانسحاب كافة قوات الاحتلال من كامل القطاع وفتح المعابر لإدخال احتياجات القطاع كافة وبدء عملية الإعمار, الا ان مجرم الحرب نتنياهو يصر على رفض إنهاء الحرب عبر صفقة شاملة مع حركة “حماس” مؤكدا العزم على استمرار العدوان على قطاع غزة، حتى موافقة الحركة على شروطه المعلنة , ومن ضمنها “الإفراج عن جميع المختطفين (الأسرى) وتجريد حماس من سلاحها ونزع السلاح في قطاع غزة، والسيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع، وتشكيل حكومة مدنية بديلة” , فيما الهدف الحقيقي شبة المخفي وهو تدمير القطاع بالكامل وتهجير سكانه او عدد كبير منهم وفق خطة أمريكية إسرائيلية , جرى مناقشتها من قبل ادارة ترامب وشركاء دوليون لبناء “ريفييرا الشرق الأوسط” على أنقاض غزة، من شأنها أن تحول القطاع إلى وصاية تديرها الولايات المتحدة لمدة لا تقل عن 10 سنوات بينما يتم تحويل غزة إلى منتجع سياحي لامع ومركز تصنيع وتكنولوجيا عالية التقنية.
وحسب الخطة, ستنشئ الولايات المتحدة صندوقًا لإدارة القطاع لمدة عشر سنوات على الأقل، بعد نزع سلاح حماس. ستنقل إسرائيل سلطاتها الإدارية إلى الهيئة الجديدة بموجب اتفاقية، وفي وقت لاحق ستنضم دول عربية أخرى.تقترح الوثيقة نقلًا مؤقتًا!! لسكان غزة – أكثر من 2 مليون نسمة – إلى دول ثالثة أو مناطق محددة وآمنة داخل القطاع. من يختار المغادرة سيحصل على منحة قدرها 5000 دولار، وإعانة كاملة للإيجار لمدة عام (ثم تتناقص تدريجيًا حتى أربع سنوات)، وتمويل الغذاء لمدة عام.
بالإضافة إلى ذلك، سيتم تقديم “رموز رقمية” – سندات حقوق أرض يمكن استبدالها في المستقبل بشقة في واحدة من 6-8 مدن ذكية سيتم بناؤها في غزة أو كمورد مالي لبدء حياة جديدة في الخارج.
نتنياهو يسابق الزمن:
بعد التصريحات المفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أدلى بها لموقع “ذا ديلي كولر”، و التي دعا فيها إسرائيل للإسراع في حسم الحرب في غزة, واعترف فيها “ان النفوذ الإسرائيلي في الكونغرس يتراجع ويتلاشى، وان نسبة “الكراهية” لإسرائيل في أوساط الشباب الجمهوري في ارتفاع مضطرد، حيث ارتفعت من 35 بالمئة عام 2022 الى 50 بالمئة في آذار (مارس) الماضي” . وأخطر ما جاء في اعتراف ترامب تأكيده “ان إسرائيل كانت تملك أكبر واقوى لوبي في الكونغرس، والآن بعد 20 عاما لم يعد هذا اللوبي موجودا”، و “لم تعد لهم السيطرة على الكونغرس، والناس نسوا 7 تشرين اول (أكتوبر)، وقد يربحون (أي الإسرائيليين) الحرب، ولكنهم لا يربحون العلاقات العامة”.
ترامب أقدم على قول ذلك، لادراكه ان سياساته في دعم حرب الإبادة الإسرائيلية والتجويع في قطاع غزة باتت تعطي نتائج كارثية ليس على الداخل الأمريكي فقط، وانما في العالم بأسره, حيث تحولت الى عبئ على الغالبية الساحقة من داعميها في الغرب وخشيتهم من انهيارها , بفعل جرائم قادتها والانقسامات الحادة فيها, وسقوط القناع عن وجه المشروع الصهيوني الحقيقي، وعن كونها ضحية تصارع للدفاع عن نفسها, والمتاجرة بورقة “معاداة السامية”، وابتزاز العالم بأسره من خلالها، فما تقوم به من تدمير و إبادة وتجويع للفلسطينيين في القطاع والضفة ،لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية، ويفوق جرائم النازية.
اعتراف ترامب جاء في اعقاب محاولات ادارته التضييق على الفلسطينيين والوقوف في مواجهة الحراك الدولي للاعتراف بدولة فلسطينية, فبالرغم من الخدمات والضمانات السياسية والأمنية الـهائلة التي قدّمتها السلطة الفلسطينيّة لكلٍ من واشنطن والاحتلال، وفي مقدمتها التنسيق الأمني، وملاحقة المقاومين, وعدم مواجهة مممارسات قوات الاحتلال في تدمير المخيمات والاقتحامات المتواصلة لمدن الضفة, وهجمات المستوطنين وضم الأراضي, فإن الإدارة الامريكية تواصل عملها على نزع الشرعية الكاملة عن القيادة الفلسطينيّة، ورفضت منح تأشيرات للرئيس عباس والوفد الفلسطيني لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة, كما جمدت منح تاشيرات الزيارة للجواز الفلسطيني في خطوة قد تكون مقدمة لسحب الاعتراف بالسلطة والجواز الفلسطيني تكاملا مع خطوات الفاشية الإسرائيلية لضم الأراضي الفلسطينية. وبالرغم من موقف الإدارة الامريكية المنحاز بالكامل للاحتلال , يزداد الانقسام في الساحة الامريكية حول الدعم لإسرائيل, وترتفع أصوات كانت مقربة من إسرائيل لمواجهتها ، حيث أصبحت النائبة الجمهورية عن مارجوري تايلور غرين، الحليفة طويلة الأمد لترامب، أول جمهورية في مجلس النواب تتهم إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” في غزة.
كما صرح ستيفن بانون، الداعم البارز لترامب، بأن إسرائيل ليست حليفا حقيقيا للولايات المتحدة، ووصف معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه “لا يمكن الوثوق به”.
الاعتراف الدولي بدولة فلسطين “مشروط” ولا يلبي الحقوق الوطنية
رغم تصاعد الأصوات الرسمية والحراك الشعبي الدولي المنددة بحرب الإبادة في قطاع غزة، وإعلان العديد من الحكومات الأوروبية والدولية نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية، الا ان الحذر واجب من زيادة التفاؤل بذلك, خاصة ان خطوة الاعتراف مشروطة ومقيدة للحقوق الوطنية الفلسطينية, قد تتحول إلى بازار مزاودات دولية وأوروبية أكثر منها التزاماً فعلياً بإنهاء الاحتلال اذا لم تكن مقرونة بخطوات عملية لتحقيق ذلك واولها فرض عقوبات صارمة على إسرائيل لاجبارها على وقف الإبادة وضم الأراضي الفلسطينية.
الانظمة العربية والسلطة الفلسطينية لديها أوراق كثيرة لتحقيق ذلك, ولكنها ان لم تكن كلها على الأقل اغلبها, لا يريدون ذلك ويتوافقون مع خطة نتنياهو في القضاء على المقاومة في المنطقة, وباتوا ينظروا إلى القضية الفلسطينية كعبء أو مصدر إزعاج، يهدد استقرار انظمتهم وتعاونها مع الاحتلال الإسرائيلي. الفلسطينييون لا تنقصهم الاعترافات الشكلية أو التصريحات السياسية، بل يحتاجون إلى أرض وحدود ومياه وعاصمة وأمن، وهي عناصر لم تستطع الأمم المتحدة ضمانها منذ نشأتها بعد الحرب العالمية الثانية، والتي جاءت امتدادًا لعصبة الأمم التي شرعت الاستعمار في المنطقة.
ترامب هو الوحيد الذي يستطيع إيقاف الابادة في غزة ، ولكنه لا يفعل لانه شريك في هذه الجريمة, ويتباهى بأنه أكثر رئيس امريكي خدم إسرائيل, ولا يتعرض لاي ضغوط من قبل الأنظمة العربية قد تهدد مصالح الولايات المتحدة .
