كيف جرى توقيف حرامي العصر رياض سلامة ولماذا انهار بالبُكاء؟

مشوار: قد يشعر اللبنانيون ببعض الأمل، وهُم يُشاهدون المسؤول وفق الاتهامات المُوجّهة إليه عن فقرهم خلف القضبان، وربّما نهب ودائعهم من المصارف اللبنانية، وفقدان الليرة اللبنانية أكثر من 95 بالمئة من قيمتها مُقابل الدولار، والحديث هُنا عن رياض سلامة، والمُتّهم اليوم بالاختلاس، حيث قضى سلامة 30 عامًا على رأس السلطة المالية.
وقرّر القضاء اللبناني، الثلاثاء، توقيف حاكم مصرف لبنان السابق بعد استجوابه في قصر العدل في بيروت، في قضية شركة “أوبتيموم إنفست” والعقود التي أُبرمت بين مصرف لبنان والشركة لجهة شراء وبيع سندات خزينة وحُصول الشركة على عمولات.
لافت بمشهد إلقاء القبض على سلامة، بأن الأخير سيبقى رهن الاعتقال حتى موعد جلسة الاستماع، بعد تلك الجلسة، يُقرّر القاضي ما إذا كان سيُبقيه قيد الاحتجاز، أم لا، وجلسة الاستماع هذه ستنعقد الأسبوع المُقبل، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول ما إذا كان سينال سلامة عقوبته فعليًّا، أم ستتدخّل الجهات الدّاعمة له للإفراج عنه، ولبنان بلد العجائب يقول أحد المُتابعين.
واتُّهم رئيس البنك المركزي السابق بجمع أكثر من 110 مليون دولار من خلال جرائم مالية تتعلق بشركة أوبتيموم إنفست، وهي شركة لبنانية تقدم خدمات الوساطة في الدخل.
وقالت وسائل إعلام لبنانية إن الملف الذي أوقف بسببه سلامة يخص ملف حساب الاستشارات بمصرف لبنان، والذي كان يتصرف فيه بحرية مطلقة، وكان قد ورد في التدقيق الجنائي العام الماضي.
وتوضع علامات استفهام حول التوقيت الذي جرى فيه اعتقال سلامة، فالرجل خرج من منصبه منذ أكثر من عام، ويجري اليوم توقيفه بشبهة سرقة أموال مصرفية، وقبل توقيف سلامة، تذرّعت السلطات القضائية باستحالة توقيفه كونه متوارٍ عن الأنظار، ولكن سلامة كان يتحرّك، ويعيش حياته بالمُنتجعات.
لا بد من الإشارة إلى أن توقيف سلامة، يأتي قبل أسابيع من صدور تقرير دولي قد يُدرج لبنان على اللائحة الرمادية، وتعني تلك القائمة أن لبنان غير مُتعاون في مُكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، وهذا آخر ما كان ينقص لبنان، المُتعب سياسيًّا، واقتصاديًّا.
ومُنذ 3 أعوام، دخل سلامة في مسار قضائي محلي وأوروبي للاشتباه بمراكمة ثروات عقارية ومالية على حساب المال العام وتحويله الأموال إلى حسابات في الخارج و”الإثراء غير المشروع”.
يخشى بعض اللبنانيون بأن يكون توقيف سلامة المحلّي، خطوة حتى لا يمثل أمام القضاء الأوروبي، حيث طلب الأخير جلبه لمُحاكمته في قضايا اختلاس مالي، وهو مطلوب للتحقيق في لبنان وفي خمس دول أوروبية على الأقل بشأن اتهامات باختلاس أموال عامة، كما أنه مطلوب للإنتربول.
هذه الاتهامات بالاختلاس المالي لرياض سلامة، ليست فقط وحدها موضع الجدل، فالراتب الذي كان يتقاضاه كان يُثير انتقادات، فراتب حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، كان يتجاوز الحد المعروف لهذا المنصب، حيث يُعتقد أنه كان يتقاضى ما بين 30 ألف و50 ألف دولار شهرياً.
ويُعتبر هذا الراتب مبلغاً كبيراً مقارنةً بنظرائه في دول أخرى، الأمر الذي أسهم في زيادة حدة الانتقادات حوله، خاصةً في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان.
وبحسب صحيفة “الأخبار” اللبنانية، بعدما أصدر مدّعي عام التمييز بالإنابة القاضي جمال الحجار قراره وحوّل الحاكم السابق رياض سلامة إلى مكتب ضابط التحقيق للتنفيذ، تمنّى سلامة على القاضي ألّا يساق مكبّل اليدين إلى السيارة، غير أن الحجار أبلغه باستحالة تنفيذ طلبه، مشيراً إلى أن في إمكانه أن ينزع سترته لتغطية يديه بها وهو ما حصل. واقتاد عناصر الأمن سلامة الذي كان لا يزال صلباً ومحافظاً على هدوئه. ولكن ما إن وُضع مكبّلاً في سيارة قوى الأمن حتى انهار بالبكاء.
ونُقل سلامة إلى المقر العام لمديرية قوى الأمن الداخلي ووُضع في “الزنزانة” نفسها التي شغلتها رئيسة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية سوزان الحاج سابقاً، وهي عبارة عن غرفة على سطح المبنى، تضم برّاداً وتلفزيوناً وهاتفاً ومكيّفاً، ومحاطة بحديقة صغيرة تسوّرها قضبان حديدية مرتفعة.
تساؤلات بعناوين عريضة تطرحها قضية اعتقال سلامة في لبنان، أبرزها عن سبب توجّه رياض سلامة بذاته إلى العدلية، وبدون مُحامي، وهل كان يثق ببراءته، وجرى توقيفه، ضمن مُفاجأة صدمته، وألقته خلف القضبان، وهي خطوة وصفتها وسائل إعلام لبنان المحلية بغير المُتوقّعة، والمُفاجئة، خُصوصًا وأنه (سلامة) كان معروفاً بتجنّب المُثول أمام القضاء اللبناني دون ضمانات سياسية.
حاكم المصرف الحالي بالإنابة وسيم منصوري، له دور فيما يبدو في تقديم سلامة للعدالة، حيث قدّم منصوري كل الداتا المُتعلّقة بحساب “الاستشارات” إلى القاضي الحجار، ما دفع التحقيقات نحو مرحلة أكثر عُمقاً.
وحساب “الاستشارات” هو الحساب المُرتبط بشركة “أوبتيموم”، والذي أثيرت حوله شبهات بتحويلات مالية غير مشروعة بقيمة تجاوزت 111 مليون دولار بين العامين 2015 و2020، ونفى سلامة خلال استجوابه أي مخالفة، مشيراً إلى أن الحساب المذكور يقع خارج ميزانية المصرف المركزي، وهو ما دفعه لعدم التعاون مع شركة التدقيق الجنائي “ألفاريز أند مارسال”.
وتزامنت هذه الخطوة مع طلبات القاضية غادة عون، التي كانت تحقق في ملف “أوبتيموم” قبل سحبه منها، للحصول على معلومات عن هذا الحساب الذي يكشف المستفيدين من أرباح مشبوهة ناتجة عن عمليات مالية معقدة.
هي خطوة في الاتّجاه الصّحيح تبدو، ولكن ووفقًا لتجارب اللبنانيين مع الفساد، والفاسدين، قد لا يرفع بعضهم الآمال بخُصوص توقيف سلامة، وأن يتبع تلك الخطوة مزيد من التوقيفات للمسؤولين عن شقاء وبؤس اللبنانيين، إن كان سياسيًّا، أو على الأقل اقتصاديًّا، ولعلّ البداية في سماع نبأ استمرار توقيف سلامة، ثم مُحاكمته، وزجّه خلف القضبان، وليس الإفراج عنه بضمانات يعرف اللبنانيون بأنها مُجرّد شكليّات لن تُعيد لهم لا مالهم، ولا حُقوقهم.



