فشل جولة الوفد الوزاري العربي الاسلامي ويائير نتنياهو يكررها: “الأردن هو فلسطين”

الخلاصة واضحة بالمدلول السياسي للجولة التي قام بها الوفد الوزاري العربي الإسلامي في الولايات المتحدة دون مكسب أو فائدة ترجى، بعدما عاد بخفي حنين، وأخفق في إقناع الجانب الأمريكي بوقف إطلاق النار والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
تلك خلاصة سياسية يمكن استنتاجها فورا من التصعيد اللفظي والدبلوماسي على لسان وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الذي غادر واشنطن إلى قطر للمشاركة في منتدى الدوحة الذي خصص للعدوان.
الوفد الوزاري العربي والإسلامي الذي زار واشنطن قبل يومين لبحث وقف حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال في قطاع غزة منذ أكثر من شهرين لحزمة من المواقف الحرجة والمهينة التي تكشف مدى تجاهل الإدارة الأمريكية للصوت العربي الرسمي الذي غاب تمامًا عن قائمة أولويات صناع القرار الأمريكي والغربي بصفة عامة.
وكشفت الزيارة بما فيها من تفاصيل مذلة عن تهميش الأمريكان للموقف العربي الذي فقد بوصلته، ومن ثم تأثيره وحضوره، ليدفع ثمن انبطاحه الفاضح وخنوعه للضغوط الأمريكية الإسرائيلية، مزيدًا من المهانة والتقزيم والتبعية وفقدان السيادة والاستقلالية، في الوقت الذي تقدم فيه المقاومة الفلسطينية ملحمة بطولية غير مسبوقة، وتسطر بدماء مقاتليها وأبناء الشعب الفلسطيني صفحات ناصعة البياض في معاني الكرامة والعزة والإباء.
مهانة وإذلال فاضح

استهلت الولايات المتحدة إهانة الوفد العربي الإسلامي بمنع وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، عضو مجموعة الاتصال التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، من الحديث للإعلام أو الإدلاء بأي تصريح، أو حتى الرد على تساؤلات الصحفيين.
ففي المؤتمر الصحفي الذي عقدته المجموعة في فندق “فورسيزون” في واشنطن، وجهت الصحفية بشبكة CBS الأميركية، مارجريت برينان، سؤالًا لوزير الخارجية الفلسطيني الذي لم يتحدث مطلقًا طول المؤتمر، لكنها فوجئت بوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان يرد نيابة عنه قائلًا: “السيد المالكي، لا يستطيع الإجابة على سؤالك، فالحكومة الأمريكية تفرض قيودًا عليه، ولا يستطيع التواصل مع الصحافة”، منوهًا أن واشنطن وضعت ضوابط وتقييدات على تأشيرة المالكي تمنعه من الحديث إلى الصحافة.
وتتواصل الإهانة بتأجيل وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن اجتماعه مع الوفد العربي الإسلامي لما بعد الانتهاء من جلسة مجلس الأمن لبحث مشروع قرار وقف إطلاق النار، واستخدام واشنطن الفيتو لإجهاضه، وذلك حتى يصبح أمرًا واقعًا، ولا يمكن مناقشته مع الوفد الذي جاء خصيصًا لأجل مناقشة هذا الطلب، أو على الأقل يتم تأجيله حتى حين.
وبعيدًا عن الإمارات التي كشفت مبكرًا عن موقفها المتخاذل والمناوئ للمقاومة الفلسطينية حين وصفت عملية الطوفان بـ “البربرية والوحشية”، جاءت معظم المواقف العربية الأولى محايدة، محاولة مسك العصا من المنتصف، محملة حالة الاحتقان وانسداد الأفق السياسي والانتهاكات الإسرائيلية التي مارسها الاحتلال بحق الفلسطينيين خلال الآونة الأخيرة مسؤولية ما وصل إليه الوضع من اشتعال.
لكن سرعان ما سقطت الأقنعة، وتحولت المواقف بشكل كبير، صمت مخزي، وخذلان فاضح، وتماهي مع السردية الصهيونية، وباتت المقاومة في مرمى الانتقادات الرسمية العربية، وتبنى الإعلام العربي خطابًا مشيطنًا لحماس وبقية الفصائل، محملًا إياها مسؤولية تفاقم الوضع في غزة في محاولة لتبرير الإجرام الإسرائيلي كـ”حق” للدفاع عن النفس كما تصفه تل أبيب وحلفاؤها من المعسكر الغربي.
الصفدي عكس ضمنيا خيبة أمل بلاده التي تشتم رائحة سيناريو التهجير مجددا لسكان قطاع غزة، وهو أمر سبق للأردن أن اعتبره علنا ولعدة مرات بمثابة “إعلان حرب” على المملكة.
قالها الصفدي بوضوح عندما أشار إلى أن أهداف إسرائيل في العدوان أبعد من المعلن، ثم تحدث بصراحة عن “مجهود ممنهج لإفراغ قطاع غزة من سكانه”.
حصل ذلك بعد قصف مقر مستشفى الميداني العسكري الأردني في خان يونس بقنابل دخانية. وصدر بيان عسكري أردني يشير لعدم تسجيل إصابات مادية أو بشرية.
قنابل الدخان كانت رسالة بامتياز من الإسرائيليين، ورد الصفدي قائلا بأن إسرائيل تتحدى العالم وترتكب جرائم حرب.
لكن في الغرفة الدبلوماسية الأردنية، وبعد مواجهة شرسة باسم الوصي الهاشمي ضد مسيرة المتطرفين الخميس الماضي، حساباتٌ أكثر قناعة بأن الإدارة الأمريكية بدأت تضلل الدول العربية. فما سمعه الوفد الإسلامي الوزاري في واشنطن، أقرب إلى مقايضة تعتبر أولوية الرئيس بايدن وطاقمه بأن تقويض حركة حماس ونزع سلاحها وإخراجها من المعادلة هدف خارج نطاق المساومة مهما تكلف الأمر.
عبارة “مهما تكلف الأمر” هي التي توحي ضمنا في الحسابات الأردنية، بأن شبح التهجير السكاني لا يزال يطل برأسه في قطاع غزة، وبأن الدعم الأمريكي غير المحدود وغير المنطقي للجيش الاسرائيلي في عدوانه، يدفع باتجاه الضغط على الدولة المصرية.
عمّان وفي خلية الأزمة، وقبل تصريحات الصفدي الخشنة في الدوحة، ناقشت تقدير الموقف السياسي الميداني، واعتبرت أن انتقال العمليات العسكرية بشكل دموي وهمجي إلى جنوب قطاع غزة بعد نزوح ما لا يقل عن مليون فلسطيني من شمالها، مؤشر مباشر على تفويض أمريكي قد يدعم التهجير.
لذلك طالبت عمّان خلف الكواليس، القاهرة بالعمل على تنسيق موقف أكثر صرامة لجمهورية مصر يحبط سيناريو التهجير بوضوح.
لا أحد يعلم كيف يمكن لمصر أو الأردن خوض مواجهة ثانية مع سيناريو التهجير في ظل المعاناة والأزمة الإنسانية.
لكن ما تلمح إليه تصريحات الصفدي على الأقل، هو القناعة بأن الأمريكي يعلن إعلاميا فقط وقوفه ضد التهجير، بينما يسمح للإسرائيلي بإجراءات عسكرية لا يمكن فهمها إلا في سياق السعي لترحيل السكان، وأهمها في الدراسة الأردنية العميقة رصد حالات التعذيب الجماعية للمدنيين الفلسطينيين واعتقالهم بطريقة مذلة، والهجوم على مراكز الإيواء ومدارس وكالة الأونروا، خلافا للقصف العنيف بالاتجاه المعاكس لوعود الأمريكيين على مخيمات القطاع.
لذلك يتحدث الصفدي عن مجهود ممنهج لتفريغ السكان. والمقاربة يبدو أنها مع الجولة الثانية في الحرب تصبح أكثر تعقيدا، خصوصا وأن عضو الكنيست الدكتور أحمد الطيبي، تقدم بالبلاغ الإخباري علنا لصالح الأردنيين، عندما لفت النظر إلى نجل رئيس وزراء إسرائيل يائير نتنياهو، الذي عاد لنشر الخريطة الشهيرة للوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش، على منصته الإلكترونية مع تعليق يقول: “الأردن هو فلسطين”. ويعني ذلك أن عائلة نتنياهو تتقاطع عمليا الآن مع ما سمي بالمجهود الممنهج.



