مقالات

إنَّه الزمن الأميركي : الخضوع أو المقصلة

فارس بدر \ ميسيساجا \

حتى غابة الوحوش الضارية بدأت ترتاب من وحوش هذا الزمن الأميركي بأنيابه المشحوذة ومخالبه الطويلة. ليس بالصدفة ما تشهده البشرية جمعاء من اضطرابات وتوترات واقتتال
و « فوضى خلاّقة « والتعبير الأخير ل « كونداليزا رايس «.

66th US Secretary of State and the 20th National security advisor.
إنَّه الزمن الأميركي في كافة أصقاع الأرض ، والزمن الأميركي/ الإسرائيلي في لبناننا ومحيطه القومي، شاماً وفلسطيناً وعراقاً وعالمنا العربي سوداناً ويمناً ….. ذلك الزمن الذي تفوح منه رائحة الدم امتداداً لروائح الغاز والنفط والموارد الطبيعية على تنوّعها.
إنَّه زمن رسم الخرائط الجديدة جغرافيّاً وسياسياً واقتصاديّاً، والخيارات واضحة بأُم العين: الخضوع أو المقصلة.
فإمّا الخضوع بما هو «تطبيع» في منطقتنا، وعليك أن توقّع مطأطئ الرأس، مخفوض الجبين والجائزة التي تفوز بها: زيارة مكافأة إلى البيت الأبيض حيث يُعزف نشيد الموت على إيقاع المايسترو الأميركي/الإسرائيلي.
الخضوع بما هو استسلام لمشيئة المجمّع الصناعي الأميركي المدني ولشركاته العملاقة التي تحتكر كافة المشاريع الإقتصادية والبنى التحتية في دول النفط التي تبذّر أموالها يميناً ويساراً بموازنات يستفيد منها الغرب وشركاته المتعددة الجنسية.
الخضوع بما هو استسلام لمشيئة المجمّع الصناعي الأميركي العسكري الذي انخفضت عائداته و استثماراته بشكل ملحوظ قبل الحادي عشر من أيلول ، لتعود وترتفع بعد ذلك التاريخ بنِسَب مرتفعة في معدّلات العمالة والإنتاجية والتصدير. وقد كان نصيب المنطقة العربية صفقات بمئات البلايين من الدولارات حيث تحوّلت إلى خزّان من الأسلحة والعتاد الحربي الذي سيوظّف فقط في الصراعات الداخلية والإقليمية.
أو المقصلة…. و»قانون قيصر» يقف بالمرصاد لكلّ من تسوّل له نفسه عدم الإنصياع أو التمرّد. والجواب حصاراً وتطويقا وتجويعاً وتفجيراً وتدميراً للبنى التحتية وحرائق في الطبيعة وأحراجها وثرواتها.
أو الحرب : الحرب البيولوجية: شعوب تقتل شعوبها بأسلحة وتمويل أميركي وقبائل داعشيّة، ومن لم تتمكّن منه داعش فإنّ الشركات الأمنية الأميركية الخاصة من أمثال Black water جاهزة لإكمال المهمّة، تلك الشركات التي أذاقت العراقيين أبشع أنواع القتل والترهيب والإغتيال لمثقفيهم وعلمائهم ومفكريهم.
أمام هذا الواقع تعيش منطقتنا والمحيط، أهوال المشروع الأميركي/ الإسرائيلي وتدفع من دمائها وحاضرها ومستقبلها أثماناً باهظة لا مجال لتقديرها.
فإذا كانت الكمّامة في زمن الكورونا قادرة على مواجهة الوباء الطبيعي والحماية من انتشاره، فما هو المطلوب للوقاية من إنتشار هذا الوباء الأمني والعسكري على حياة الشعوب وحقّها في تقرير مصيرها وحماية أمنها الإقتصادي والإجتماعي والجغرافي.

المناعة الوطنية: قواعد ومرتكزات.
المشهد في «الزمن الأميركي» في ظل رئاسة دونالد ترامب خرج من أقبية وكالة المخابرات المركزية CIA إلى العلن.
وعناوينه في منطقتنا باتت مشاريعاً تدبدب على الأرض ومبعوثين من أمثال (جورج بامبيو وداڤيد هيل) لمتابعة التنفيذ والتفاصيل، ولتوزيع رسائل التهديد والوعيد لمن تسوّله نفسه الإعتراض أو المواجهة.
وهكذا تحولت القدس إلى عاصمة أبديّة للكيان الصهيوني، وهضبة الجولان جزء لا يتجزأ من خارطته المؤقتة، وعمليّات القضم والهضم والضمّ تسير على قدم ٍ وساق وبضوء أخضر من الإدارة الأميركية وغرفة عملياتها في البنتاغون.
كل ذلك يحصل أمام مشهدٍ آخر في الإقليم (فلسطين ومحيطها القومي) ، مشهد من الدمار والخراب والحرائق الطبيعية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
مشهد يتصّف بالتصدُّع والبعثرة والتقاتل والإنقسامات ، ناهيك بغياب الحدّ الأدنى من مقوِّمات الدول ومرجعياتها المركزية.
وكأنّ المنطقة بأكملها تعيش في العام 1516 عشيّة معركة «مرج دابق» التي اندحر فيها المماليك بقيادة «قانصوه الغوري» أمام الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأوّل.
في لبنان ، حدّث ولا حرج، قبائل تلبس ربطات عنق ( كراڤاتات)، مُستنفرة دائماً لجولات من العنف الأهلي لتوزيع الحصص والتقاسم على الجبنة، حتى لو كان ذلك على جثث الضحايا، وعلى حساب المصلحة الوطنية التي لم يعرفها هذا البلد يوماً.
في الشام، تنهش الحروب المفتوحة جراحاً على كامل رقعته الجغرافية … إقتصاد مدمّر، صراعات إثنيّة تنهش في الجسد وتُدميه، حراك ديمغرافي سكاني يؤسّس لصراعات مقبلة ومفتوحة، تحوّل الميليشيات إلى مرتزقة يلعب بهم الأتراك كأحجار الشطرنج ، وإنتشار لقوّات أطلسية وغير أطلسيّة حول منابع الثروات والموارد المدفونة تحت الأرض من غاز ونفط.
وها هو العراق غارقٌ في دمائه وكأنّه بانتظار المولود الجديد حاملاً رايات ثلاث :
العراق الجنوبي الشيعي …والشمالي الكردي …وبين الإثنين كتل سنيّة تتجمّع رويداً رويداً حتى تُعلن ساعة الصفر. دون أن يخفى في هذا السياق إنتشار القواعد العسكرية الأميركية ومعسكرات تدريب الميليشيات المتطرّفة من نمط Takfeer Camp ومثيلاتها ومن دون أن ننسى بالطبع الشركات الأمنية الخاصّة على غرار Black Water التي أشرنا إليها في الجزء الأوّل، والتي تتمتّع بحصانة خارجة عن كافة القوانين الدوليّة وفي مقدمتها إتفاقية جنيڤ الرابعة.
والمشهد فلسطينياً لا يزال ينزف من أثار اتفاقيّة أوسلو للعام 1993 وإتفاقيّات وادي عربة للعام 1994، يضاف إلى ذلك مواقف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وتشققّات الفصائل الفلسطنية بين فتح والجبهتين الشعبيتين وحركة حماس والجهاد الإسلامي… كل ذلك تحت شعارات موحّدة في تحرير الأرض وعودة اللاجئين وحقّ تقرير المصير.
هذا المشهد تطال شظاياه كامل منطقة بلاد الشام بدون أيًّ غطاء عقائدي أو إيديولوجي، والذي يتعامى عن هذا المشهد لا يريد خيراً لا للمنطقة ولا لأهلها ولا لمستقبلها.
هذا المشهد يفتقد إلى الحدّ الأدنى من مقوِّمات المناعة الوطنيّة والقوميّة ، ويتيح الظروف أمام التدخلات الإقليمية والدولية تبعاً لأهدافها ومصالحها الإستراتيجية للإمساك بخزّانات النفط والغاز برّاً وبحراً من جهة ، وللسيطرة على الممرات المائية والبريّة لسرقة واستثمار خيرات المنطقة وثرواتها.
لقد أدرك أنطون سعادة بفكره وعلمه ونظره الثاقب أنّ قدر المنطقة لا بل خيارها الوحيد أن تعمل على إسقاط الجدران المذهبية والطائفية والعرقية على قاعدة فصل الدين عن الدولة من أجل تشييد الجدران الوطنية في المحيط القومي بكامله كيما تتمكن هذه المنطقة من خلق المناعة الإقتصادية والتنموية والسياسية للحفاظ على وحدتها وأمنها ومستقبلها.
لقد قدّم أنطون سعادة مشروعاً وخارطة طريق لعملية البناء والصمود والمواجهة إذا ما لزم الأمر، وأمام كل عاقل ومهتمّ بالشؤون السياسية والوطنية والقومية أن ينخرط في النقاش حول هذا المشروع وأهدافه في حماية شعبنا وأرضنا ومواردنا ومستقبل أجيالنا.

Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Privacy Settings saved!
Privacy Settings

When you visit any web site, it may store or retrieve information on your browser, mostly in the form of cookies. Control your personal Cookie Services here.

These cookies are necessary for the website to function and cannot be switched off in our systems.

In order to use this website we use the following technically required cookies
  • wordpress_test_cookie
  • wordpress_logged_in_
  • wordpress_sec

We track anonymized user information to improve our website and build better user experience.

Decline all Services
Accept all Services