مقالات

ما بين التهدئة والتصعيد, ما الذي دفع ترامب لاعلان وقف التصعيد في لبنان؟

د. نزيه خطاطبه

تسارع الاحداث في منطقة الشرق الاوسط خلال الأيام القليلة , وما حملته من تناقضات كبيرة , جعلت من الصعب على الكثيرين استيعابها , فبعد التفاؤل الذي ساد المنطقة والعالم بإمكانية التوصل الى تفاهم بين ايران والإدارة الامريكية, حتى ان الرئيس الأمريكي ترامب اعلن عن رفع الحصار البحري حول ايران, الا انه وبعد اتصال هاتفي مع المجرم نتنياهو, سرعان ما عاد الى اطلاق تهديداته وتراجعه عن المذكرة التي توصل لها الطرفان عبر الوسيط الباكستاني وكان من المنتظر ان يعلن ترامب موافقته عليها في اجتماع يوم الجمعه, وإعادة التركيز على البرنامج النووي الإيراني ومصير اليورانيوم المخصب , وتراجعه عن رفع القيود عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة .

ولم يتوقف الامر عند هذا الحد وانما موافقته ورعايته للتصعيد الدموي الذي اعلنه نتيناهو في لبنان بدءا من يوم الجمعة ومن ثم توجيه يوم الاحد تهديدا باخلاء بيروت تمهيدا لقصفها , قبل ان ينقلب الموقف بإعلان ترامب المفاجيء بوقف الحرب في لبنان.

ما الذي حدث ؟

الحرب الإسرائيلية – الأميركية ضد إيران لم تحقق أهدافها المعلنة على صعيد تغيير النظام والبرنامج النووي والصواريخ والأذرع الإقليمية، وحسب راي محللين إسرائيليين  فأن تصريحات المجرمين ترامب و نتنياهو بشأن “الانتصار” كانت جوفاء.

العجز عن عدم تحقيق انتصار عسكري , والاثر الكبير لاغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي ومنه الأمريكي, وتراجع التأييد الشعبي لترامب وحتى في أوساط حزبه دفعه لوقف الحرب وخوض جولات طويلة من المفاوضات غير المباشرة، بدت واشنطن وطهران مؤخرا  أقرب من أي وقت مضى من صياغة إطار للتهدئة، قبل ان يتراجع في اللحظات الاخيرة.

حسب موقع أكسيوس فان مسودة التفاهمات مؤقتة وذلك لتمديد وقف إطلاق النار مدة 60 يوما، يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز والسماح لطهران بتصدير النفط، مع إرجاء الملفات النووية الأكثر تعقيدا إلى جولات تفاوضية لاحقة. كما ان المذكرة تتضمن تفاهما على إنهاء الحرب في لبنان وقد يكون لهذا البند أهمية بالغة بالنسبة لإسرائيل، لأنّه سيحدّ بسرعة من حرية تحركها ضد حزب الله.

فرص نجاح المذكرة كبيرة في حال توفر النية لتطبيقها، وتوفر هدنة لشهرين لإنقاذ أمريكا وما تبقى من سمعتها، والتفرغ لاستضافة مسابقة كأس العالم ، وتقليص الخسائر لهذه الحرب ، وانقاذ الحزب الجمهوري، ورئيسه، من هزيمة كبرى في الانتخابات النصفية في شهر تشرين ثاني (نوفمبر) المقبل، حيث وصلت شعبيته الى ادنى مستوياتها.

السؤال الذي يتردد ما الذي دفع ترامب الى التراجع بطريقة مفاجئة، والعودة الى تهديداته بحرب ساحقة ضد ايران، وهو الذي عقد اجتماعا لقادة جيشه، وكبار اركان حكومته في البيت الأبيض، لاعتماد مذكرة التفاهم، والمضي قدما في تنفيذ بنودها بالتالي حتى انه اعلن عن رفع الحصار البحري على ايران والسماح باسترداد حوالي 12 مليار دولار من أموالها المجمدة, وحتى توجييه التهديد للامظمة العربية والإسلامية بالانضمام الفوري باتفاقات ابراهام التطبيعية مع إسرائيل.

تراجع ترامب يشير الى خضوعه لاملاءات نتنياهو واللوبي الصهيوني , حيث كشف تقرير فرنسي أن الصهيوني جاريد كوشنر، صهر ترامب، هو من يعرقل التوقيع النهائي على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. وذكر التقرير أن كوشنر، الذي يلعب دورا محوريا في ملف الشرق الأوسط، يمارس بالتنسيق مع نتنياهو  ضغوطا كبيرة داخل البيت الأبيض لمنع إتمام الصفقة مع طهران، وانه اي كوشنر يعمل بالتعاون مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف على توسيع “اتفاقيات إبراهيم” لتشمل دولا جديدة، وهو ما يعتبره أولوية تتقدم على أي اتفاق مع إيران في الوقت الحالي .

نتنياهو واللوبي الصهيوني, الذي جر أمريكا الى هذه الحرب ودمر هيبتها السياسية والعسكرية، لتحقيق أهدافه  بالقضاء على ايران التي تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل وتمنعها من تحقيق أهدافه في السيطرة المطلقة على المنطقة وثرواتها, لا يريد وقف الحرب خوفا على مصيرة, وقبل تحقيق كل أهدافه، ومن هنا فما ان توقفت الحرب مع ايران, حتى اعلن رفضه لشمولها لبنان, واوعز بتصعيد الهجوم في لبنان وغزة, اعقادا منه بان حزب الله في وضع ضعيف وبالتالي إمكانية احراز انتصار سريع واجبار الحكومة اللبنانية على توقيع اتفاق سلام والتنسيق الأمني لانهاء الحزب والانضمام لاتفاقيات ابراهام,  ومن ثم العودة للتفرغ لمحاربة إيران,  بعد ان يكون قد انهى الخطر الذي يمثله الحزب . الا ان الميدان اظهر عكس أوهام نتنياهو وقادته العسكرية والاستخبارية, فالحزب تمكن خلال هذه الفترة من إعادة ترميم نفسه واسلحته وإعادة انتشار مجموعاته وامتلاك أسلحة طائرات مسيرة عجزت قواته عن مواجهتها وأوقعت خسائر فادحة في الياته وقتلى واصابات في قواته التي كانت تختبئ من مواجهتها. صحيح ان قوات الاحتلال وعلى امتداد حوالي 3 اشهر من المعارك تمكنت من احتلال عدة كيلومترات على امتداد الحدود في الجنوب , واحداث دمار شاسع وتهجير للسكان, الا انها كانت عاجزة عن السيطرة المطلقة على هذه المنطقة , او وقف هجمات المقاومة وحماية مستوطنات الشمال, وخشية من تمرير مذكرة التفاهم بين ايران وترامب, عمد نتنياهو لرفع وتيرة التصعيد , وتوجيهه يوم الاثنين تهديدا لبيروت بالاخلاء.

الرد الإيراني أوقف التصعيد

لم تمر لحظات على مماطلة ترامب و تهديد نتنياهو لبيروت, حتى أعلنت ايران وقف المحادثات مع الإدارة الامريكية, واشترطت لاستئنافها أن توقف إسرائيل هجماتها على لبنان وتنسحب بالكامل من المناطق التي احتلتها, والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، بالإضافة إلى تنشيط جبهات أخرى بما في ذلك مضيق باب المندب, والطلب من المستوطنين باخلاء فوري لمستوطنات الشمال المحتل وتوجيه ضربات لكل المدن الإسرائيلية , الامر الذي دفع ترامب فورا للايعاز بوقف التصعيد الإسرائيلي ووقف الهجمات المتبادلة.

من المؤكد ان هناك العديد من العوامل الأخرى التي دفعت ترامب للطلب من نتنياهو بوقف التصعيد, ومنها الضغط الفرنسي وطلبها عقد جلسة فورية لمجلس الامن, والضغوطات العربية رغم محدوديتها, وتعهد رئيس مجلس النواب نبيه بري  التزام حزب الله بوقف شامل ومتبادل لإطلاق النار، شرط التزام إسرائيل بالمثل, ومحاولة إدارة ترامب تشجيع الحكومة اللبنانية على المضي قدما في التقارب والتنسيق مع إسرائيل في جولة الحوار القادمة, الا ان التحذير الإيراني يبقى هو الأقوى.

ويثير مسار الأحداث وتسارعها تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق بين تل أبيب وواشنطن، إذ إن توقيت الإعلان الإسرائيليي, ومن ثم التحرك الأمريكي السريع لاحتوائه,  قد يوحي بأن نتنياهو ربما كان يختبر حدود الموقف الأمريكي، أو يسعى لفرض أمر واقع, او تبادل للادوار . الساعات والأيام القادمة سوف تظهر حقيقة ذلك.

Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Privacy Settings saved!
Privacy Settings

When you visit any web site, it may store or retrieve information on your browser, mostly in the form of cookies. Control your personal Cookie Services here.

These cookies are necessary for the website to function and cannot be switched off in our systems.

In order to use this website we use the following technically required cookies
  • wordpress_test_cookie
  • wordpress_logged_in_
  • wordpress_sec

We track anonymized user information to improve our website and build better user experience.

Decline all Services
Accept all Services