أدب

خاطرة:اللحن المنسي

راوية وادي , تورونتو \

في امسياتِ الصيفِ الطويلةِ، كنتُ أجلسُ تحتَ قدميّ جدي بجانبِ كرسيهِ الخشبيّ الذي صنعه أبي، و أستمعُ لحكاياتهِ الجميلةِ، و التي لم يجعلْ لأيّ منها نهاية، و كأنهُ تركَ ليّ الخيالَ و الخيارَ لأنهيها كيفما أحب. و في أيامِ الشتاءِ الباردةِ كنتُ ألتصقُ الى صدرهِ تحتَ اللحافِ الصوفي المحشي بشعرِ كل الخرافِ التي حلقَ لها أبي شعرها قبلَ أن نضحي بها على العيد. كنتُ أجدُ في حكاياتِ جدي المشوقةِ ما كان ينسيني رغبتي الشديدةِ في اللعبِ مع رفاقي في الشارعِ بماءِ المطرِ. و كان جدي يخبيءُ ليَّ كيسَ القطين ( ثمر التين المجفف) و الفولِ السوداني المحمصِ في زاويةِ الحائطِ بجانبِ فرشتهِ المستلقية منذُ زمنٍ بعيدٍ على الحصيرةِ في غرفةِ الضيوف.

ذاتَ يومٍ شديد البردِ … غزيرِ المطرِ، و كنت أرتجف كالعصفورِ، حين تسللت من دون علمِ أمي لألعبَ مع رفاقي في الشارعِ، و لم أحس كم مضى من الوقتِ إلا حين بدأ جسدي يرتجفُ من البردِ. كنت أعلم ما سألاقيهِ من أمي- التي كانت في المطبخِ مشغولةً بلفِ ورقِ الملفوفِ بالأرزِ و اللحمِ الذي أحبهُ كثيرا- من التوبيخ و العقاب. لم يكنْ لي ملاذٌ سوى حضنَ جدي الدافيء و لحافهِ الصوفي لأختبيءَ فيه. خلعَ جدي بلوزتهُ، و ألبسني اياها- البلوزةُ التي غزلتها جدتي منذُ عشراتِ السنينِ- و ملأني العجبُ … كيفَ لا يزالُ جدي يلبسها، فقدْ كانت خشنةً و مليئةً بالثقوبِ. و حينَ سألتهُ: أليسَ لديكَ غيرها ؟ قال:بلى .. و لكني ألبساها فيملؤني الدفءُ، و أحسُ بأني أحتضنُ جدتكَ رحمها الله الى صدري، فيغمرني الفرحُ و الرضا، و أذكرها حينً كانت تغني … و تغزل لي هذه البلوزة. غالبَ الدمعَ عينيهِ .. فقلتُ له : لا أعرفُ كثيراً من المفرداتِ كي أقولَ ما أحسُ بهِ من كلمات. قالَ لي يومها: ولكنَ لك لحنٌ صغيرٌ و بريءٌ مثلك… و يوماً ما سوفَ يحررُ كلَ ما في قلبكَ من حبٍ و أمنيات.

مدَ جدي يدهُ المرتجفةُ الى صندوقٍ خشبيٍّ صغيرٍ بجانبِ وسادتهِ، و فتحهَ …. و أعطاني ناياً منَ الخيزرانِ .. و قال لي: سيأتي يومٌ لنَ تجدَ من يسمعكَ، و لا عينٌ تبكيكَ ….. لا قلبٌ يحتويك… فحينها ..انفخ في هذا الناي حزنكَ و فرحكَ … و أنت مغمضِ العينين، و استمعْ للحنكَ بقلبكِ … فترانيمُ قلبكَ تستحقُ الحياة. و اعلمْ أن جمالَ اللحنِ ليسَ بكثرةِ المستمعين، و لا بتصفيقِ المعجبين، بل بصدقِ بوحكِ للناي بما تحس بهِ. كل لحنٍ يا صغيري .. نهرٌ دافقٌ بالحياةِ و قدره أن يصب في بحر الصخب العظيمِ حيث الموجُ يبتلع كل الألحان و الأنغام، و يمزجها بملح الضياع. فاعزف يا ولدي .. اعزف لحنك و انساه … فيكفي روحك سماعَ صداه.

Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Privacy Settings saved!
Privacy Settings

When you visit any web site, it may store or retrieve information on your browser, mostly in the form of cookies. Control your personal Cookie Services here.

These cookies are necessary for the website to function and cannot be switched off in our systems.

In order to use this website we use the following technically required cookies
  • wordpress_test_cookie
  • wordpress_logged_in_
  • wordpress_sec

We track anonymized user information to improve our website and build better user experience.

Decline all Services
Accept all Services