مقالات
أزمة الديموقراطية في الولايات المتحدة اسبابها وتداعياتها!

سمير جبّور \ تورونتو \
في باديء ذي بدئ لا بد من ألإعتراف بأن هناك أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية في الولايات المتحدة وهي مزمنة طالما وضعت القيم والمباديء والروح الديموقراطية ألأميركية على المحك.وليس الهدف من هذا المقال مناقشة طبيعة النظام الديموقراطي الأميركي وما له وما عليه, بل القاء اضاءات على الأزمة الحالية التي أفرزتها نتائج ألإنتخابات ألأخيرة التي طرحت الكثير من التساؤلات على الساحة الأميركية نفسها :هل الديموقراطية الليبرالية الأميركية معرضة للخطر؟هل ينبغي تطبيق الديموقراطية في كل مكان ؟.هل يمكن انقاذ الديموقراطية من الشعبوية ومن الأشخاص الذين يتحدّون الديموقراطية ويعطلونها؟ هل اصبح النموذج الصيني بديلا عن الديموقراطية الغربية ؟ ماذا جرى للقيادة الأميركية الكونية؟ وكيف استطاع الرئيس الحالي رونالد ترامب العبث بقواعد اللعبة الديموقراطية واستغلالها لإغراض لا تخدم المصالح ألأميركية في الغالب ؟.
يجب الإشارة الى ان نتائج ألإنتخابات ألأميركية الأخيرة ليست هي المسب لتلك الأزمات, وانماهي تحصيل حاصل للخلل في النظام الإنتخابي نفسه وفي النظام السياسي باسره . والحق يقال أن الرئيس ترامب لا يتحمل المسؤولية عن هذه الأزمات وانما استغل الثغرات القائمة في النظام وجسّد بسلوكه الشاذ وتصرفاته الغريبة عيوب هذه الديموقراطية ووجد تربة صالحة لللعب على التناقضات والأنقسامات الموجودة في المجتمع الأميركي أصلا.
لقد جاء الرئيس رونالد ترامب الى الحكم ووجد أمامه امكانات عديدة وابوابا مشرعة لتنفيذ اجنداته مستغلا الصلاحيات الواسعة التي يمنحها له الدستور الأميركي لتعزيز سلطته واصدار “اوامر تنفيذية ” حتى وان كانت ضد المصالح القومية ألأميركية .وهنا يطرح السؤال ما هي العوامل التي منحت الرئيس ترامب حرية العبث بالقواعد الديموقراطية؟.
أولا – غياب المساءلة
من المعروف ان المساءلة Accountability)) هي ركن اساسي من أركان الديموقراطية تفرض على صانعي القرار تحمل المسؤولية القانونية والشخصية عن قراراتهم .فعلى حد قول احد الخبراء في النظام الأميركي ان ” انتخابات نوفمبر ليست معركة بين الديموقراطيين والجمهوريين . وانما هي معركة بين الديموقراطية والشعبوية المستبدة . هذا كان الخيار في صناديق الإقتراع . لقد تسبب ترامب بضرر فادح للديموقراطية الأميركية . فقد نجح بفاعلية في تحييد مراقبة الكونغرس لأعمال الرئاسة لأن حزبه رفض إخضاعه للمساءلة”. .
بحسب الممارسات المعهودة لا يخضع الرئيس ألأميركي للمساءلة ازاء القرارات المصيرية التي يتخذها ولا سيما بالنسبة للقرارات المتعلقة بالحرب والسلم ,وأكبر دليل على ذلك السوابق الماضية وفي مقدمتها الحرب غير المبررة التي شنها الرئيس جورج بوش الإبن ضد العراقٍ كمثال صارخ.
لم يتردد جورج بوش وتوني بلير في شن هجوم صاعق ضد العراق بحجج واهية ومن دون سند قانوني وعدم توفر اية ادلة قاطعة في بحثهما عن اسلحة الدمار الشامل ومن دون ان يشكل العراق تهديدا مباشرا وخطرا على الولايات المتحدة وبريطانيا في ذلك الحين . وكانا مدركين ان النظام السياسي في كلا البلدين لن يخضعهما للمحساسبة والمساءلة .
كان إحتلال العراق غزوا وسيطرة عسكرية شاملة نفذتهما أميركا وبريطانيا في العراق ما بين 20 مارس/آذار 2003 و18 ديسمبر/كانون الأول 2011 بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، مما أدى لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، وخسائر بشرية قُدرت بمليون قتيل ومصاب وملايين المشردين، أكثر من 5 ملايين نازح وحوالى 4 ملايين مهاجر وخسائر مادية للطرفين تقدر بتريليونات الدولارات، وانزلاق البلاد في عنف طائفي.
هذا عدا عن تدمير بلد عربي عريق في الحضارة والتاريخ إذ ادت الحرب الى تفكيك مؤسساته وتقسيمه ونشر الفوضى فيه وتأجيج الصراعات المذهبية والطائفية وإخراجه من التاريخ.. فلم يعد العراق دولة موحدة ومستقرة تحكمها مؤسسات فاعلة . ولكن بعد مرور 17 سنة على غزو العراق ” اصبحت الدولة العراقية شبه دولة ” . وانتشرت فيها الفوضى وانهارت المؤسسات وتأججت الصراعات الطائفية واصبحت تحكمها ميليشيات مثل داعش وغيرها.
اين كانت الديموقراطية الأميركية عندما ارتكب جورج بوش جريمة تدمير العراق؟ لماذا لم يتم إخضاع جورج بوش للمساءلة ؟ ولم يحاسب اي عضو من ادارته (المحافظون الجدد الذين دفعهوه لغزو العراق خدمة لإسرائيل). حتى انه لم تتم محاكمته من قبل الممحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. لماذا لم يحاسب على قرار اهوج تنفيذا لإجندات لا تخدم المصالح الميركية بل الخارجية؟
لماذا يتهم فرد بإرتكاب جريمة قتل ضد شخص آخر ويصدر عليه حكم بالإعدام او السجن المؤبد. فكم بالأحرى عندما يرتكب رئيس دولة جرائم جماعية ؟هل هناك جرائم افظع من ازهاق أرواح مئات الألوف من ألأرواح البريئة من الشعبين وتفتيت بلد بأسره؟.وفي ضوء هذه الحقيقىة – انعدام خضوع الرئيس للمساءلة – فكر ترامب بشن حرب على ايران (خدمة إسرائيل) وهو يدرك انه لن يخضع لأية مساءلة قانونية بخصوص نتائج الحرب في حال حدوثها . وافاد مصدر اسرائيلي ان نتنياهو تأخر في تهنئة بايدين بالفوز بعد ان ادرك ان ترامب لن يهاجم ايران وفقا لنصائح مستشاريه وعلى راسهم وزير الدفاع الذي طرده من منصبه .
ثانيا – نفوذ اللوبيات وتحكمها في صنع القرارات
تتمتع جماعات الضغط في الولايات المتحدة بنفوذ هائل ولا سيما في الكونغرس تمولها الشركات الكبرى التي يبلغ عددها 6500 شركة يعمل فيها 100 الف موظف وتنفق اكثر من ملياري دولار سنويا .
والمعروف ان جماعة الضغط الصهيونية (اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة المعروفة اختصارًا بـ «آيباك)
أكبر جماعات الضغط في الولايات المتحدة، ، هدفها التأثير الواضح على السياسة الأمريكية حين يتعلق الأمر بإسرائيل. وتحارب أي عضوٍ للكونجرس يُظهر تعاطفًا مع القضية الفلسطينية. ولا شك أن دورها يتخطى أعضاء الكونجرس إلى عامة الشعب بفضل سيطرتها على وسائل الإعلام.
ولهذا عندما قرر الرئيس ترامب الإعلان عما يسمى “صفقة القرن ” التي تتجاهل بالكامل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وما اعقبها من قرارات تنفيذية خاصة بنقل السفارة الأميركية من تل ابيب الى القدس والأعتراف بهذه المدينة المقدسة ” عاصمة أبدية لإسرائيل ” واغلاق السفارة الفلسطينية في واشنطن وقطع كل انواع المساعدات للشعب الفلسطيني والإعتراف بإحتلال الجولان وغيرها من القررات المجحفة,كان يدرك بقرارة نفسه ان هذه القرارات تحظى بدعم الكونغرس والمؤسسات الإعلامية وملايين الأنجيليين الصهيونيين وربما السواد ألأعظم من الشعب الأميركي بتاثير اللوبي الصهيوني.
وبحسب هيومن رايتس، هناك 27 ولاية أمريكية على الأقل لديها تشريعات مناهضة لحركة مقاطعة إسرائيل السلمية ، وهي تشريعات تصل إلى حد معاقبة أي فرد أو كيان يتعامل مع الحركة.كل ذلك بفضل نفوذ اللوبي الصهيوني.
ثالثا – دور المؤسسات الإعلامية في ألأزمة الديموقراطية
بالنظر إلى طبيعة المجتمع الأمريكي المعتمدة بشكل كبير على الإعلام؛ تصبح المؤسسات الإعلامية الضخمة ووسائل التواصل الإجتماعي ومؤسسات العلاقات العامة المملوكة للشركات العملاقة ذات دور محوري في تحريك التوجهات الشعبية, بل وحتى الاختيارات الانتخابية. ومن هنا يتضح أن جماعات الضغط المدعومة من قبل المؤسسات ألإعلامية والاقتصادية تمتلك قدرة حقيقية على الإضرار بالمصالح الحزبية لمراكز صنع القرار في صورة هيئاتها المنتخبة وأفرادها. ولذا اعتمد ترامب على بعض وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي ( مثل تويتر)لترويج مواقفه خلال حملته الإنتخابية وابرزها “فوكس نيوز” التي انقلبت عليه لاحقا . وعندما وجد ان شبكة “سي .إن.إن” لاتؤيد جميع مواقفه هاجمها ولكنها فتحت عليه النار وهي تتصدر الآن ابرز الشبكات الإعلامية ضد ترامب وهي تكرّس كل برامجها للتنديد بمواقف ترامب ورفضه التنازل للرئيس المنتحب.
رابعا – امبراطورية «جولدمان» تحكم العالم
يتساوى مع اللوبي الصهيوني في الأهمية شركة جولدمان ساكس التي تملك ثروات هائلة ويحكمها ” مجلس استشارات ألأعمال” الذي يقرر منح الدعم المالي للحملات الإنتخابية لجميع المرشحين الأميركيين اذ قدمت الدعم المالي الهائل للرئيس ترامب ضد منافسته هيلاري كلينتون ومنحت ترامب أموالا هائلة لتمويل حملته الإنتخابية ألأخيرة “ديموقراطية المال”؟ .
