مقالات

كيف نقرأ تراثنا..؟ (أسئلة في المنهج والتراث)

بقلم : منير مزليني \

طرح مثل هذا السؤال الكبير والبالغ الأهمية أكيد أنه لن يجد له جوابا في مثل كذا مقال أو دراسة عابرة، وإنما ما يصلح في مثل هذا السياق، هو طرح أسئلة حول هذا الموضوع ، وإثارة الألغام الكامنة في حقل كذا بحث هو من الخطورة العلمية بمكان، بحيث يمكن أن يتصدر جميع البحوث لكونه يمثل الأساس أو القواعد التي ينبني عليها البحث العلمي وتقام عليها الطروحات الفكرية والبحثية.

وفي هذا السياق أذكر كلمة قالها المفكر العربي الكبير” محمد عابد الجابري” في مداخلة ألقاها أما رواد نادي الأحساء بالخليج بتاريخ 17/03/1430هـ الموافق لـ 14/03/2004 وهو يتحدث فيها عن بدايات اهتماماته البحثية، وأولى لبنات بناء مشروعه الفكري (نقد العقل العربي)،وكان ذلك من خلال سؤال طرحه عليه أحد طلابه بالجامعة بالمغرب سنة 1975 مفاده: كيف نقرأ التراث ؟ وكانت تلك الفترة قد عرفت تطورات حاسمة ومهمة في مجال البحث والتعليم والتي جاءت بعد ثورة الطلاب في فرنسا سنة 1968 والتي عمت بعد ذلك جميع أقطار العالم، وكأن بالطلبة يثورون على أساتذتهم وعن السلطة التي يمارسونها على الطلبة في تقديم المادة العلمية وقراءة النصوص المقررة، وتزامن ذلك مع ظهور مناهج قرائية وبحثية جديدة في فرنسا مع مطلع الستينيات وبداية، السبعينيات والتي ثارت على سلطة المؤلف وطالبت بموته و بقراءة النصوص كما هي خارج سلطة المؤلف وخارج معرفة نواياه ومقاصده، وجعل البحث والقراءة تنطلق وتهتم بالنص الصرف في قراءة بنيوية وسيميائية شكلية لا علاقة لها بما هو خارج النص حتى ولو كان المؤلف نفسه. ومن ذلك الوقت قرر الجابري قراءة النصوص وبناء مشروعه الفكري وفق هذه المناهج الجديدة ، وكانت انطلاقته البحثية وفق هذه المناهج الغربية الحديثة وبالتحديد مع المدرسة الفرنسية.

ولست هنا لأتحدث عن الجابري ومشروعه الفكري، وإنما سقته على سبيل المثال لأتحدث عن الاشكالات المطروحة في مجال قراءة التراث والنصوص التراثية التي تواجه الباحث في مجال العلوم الانسانية والاجتماعية والأدبية على إطلاقتيها، والباحث العربي على الخصوص، لاسيما في جانب العقائد والطروحات الفكرية، من خلال قراءة التراث واستنطاق نصوصه المختلفة والمتشاكلة. هذه النصوص التي عرفت مناهج أخرى مختلفة والتي كانت بالأساس تعتمد على صاحب النص وقدرته العلمية والمعرفية في الفهم والتحليل والشرح. مثلما كان يفعل الجاحظ والفرابي وابن سينا وأبو حامد الغزالي وابن رشد وغيرهم. وعلّ استبدال تلك المناهج القديمة بالمناهج الحديثة، والتخلي عن قصدية المؤلف لصالح قصدية النص في حدّ ذاته، إن جاز لنا أن نستعير مصطلح نية النص المجرد ، ألا نكون قد استبدلنا سلطة بسلطة أخرى؟ أي انتقلنا من سلطة المؤلف إلى سلطة النص، وما تفضلي إليه من سلطة حتمية أخرى ؟ ومهما كانت الأدوات والآليات المستخدمة في المنهج البنيوي أو الدلالي النصي أو غيره من البدائل المطروحة الأخرى دقيقة وفاحصة، ألن تجرنا إلى سلطة أخرى لا تقل تأثيرا و

خطورة؟ أتحدث هنا عن سلطة القارئ، والذي مهما فعل لن يستطيع أن يتجرد من ذاتيته الانفعالية ومرجعياته العقدية والأيديولوجية مهمها بلغ من قدرة علمية ومكنة معرفية، لكونه انسان تتنازع بداخله الأهواء والمشاعر تماما مثلما تتنازعه الأفكار والمذاهب. ألا نكون قد استبدلنا بذلك سلطة المؤلف بسلطة خارجة عن النص وغريبة عنه وهي سلطة القارئ والذي سوف يلقي بظلاله الذاتية والأيديولوجية على النص المدروس؟ أليس من الحكمة ومن باب أولى المحافظة على قصدية المؤلف بكونه صاحب النص الذي يعبر في الأخير عن شخصية صاحبة ورؤيته للأمور والأشياء ومدى قدرته العلمية والمعرفية بدل استبدالها بسلطة القارئ والذي هو أجنبي عن النص ومجرد متفاعل معه ومخاطب به؟

وكيف يمكننا بالفعل تجريد النص من صاحبه وهو جزء منه، وأثر من آثاره الفكرية والتصورية التي لا يمكن فصلها مها حاولنا التحلي بالموضوعية والتجرد من الذاتية؟ ولماذا نقصي عنصر مهم في عملية البحث والقراءة وهو المؤلف ونكتفي بعنصر واحد فقط وهو النص، في حين أن البحث يتطلب معرفة كل ما يتعلق بالنص من قريب أو بعيد حتى يتمكن من مقاربة الحقيقة أو النتيجة التي يطلبها ؟

هذه الأسئلة وغيرها طرحها الباحثون من جديد، مما وأنجب مناهج أخرى جديدة متولدة عن تلك الأسئلة، فظهرت البنيوية التوليدية ثم بعدها جاءت المناهج البحثية أو القرائية الأخرة، مثل السميائية والتفكيكية وغيرهما.

إلا أن الاشكال الذي ظل ولازال وسيظل مطروحا في مجال مشروع بحثنا العربي والمتعلق بقراءة التراث والنصوص التراثية، خصوصا ونحن نواجه أهم نص في هذا المجال وهو النص المحوري المقدس والذي تدور حوله كل النصوص الفكرية التراثية على العموم وهو النص القرآني، وكيفية قراءته والتعامل معه . بخلاف ما وقع لدى الغرب الذي تجاوز هذه المسألة وأخذ قرار نزع صفة القدسية عن النصوص وتعامل مع النص الديني كنص مجرد بعد أن عزله عن مصدره، وربما من هنا جاءت فكرة البنيوية ونظرية موت المؤلف والتي نادى بها من قبل نتشه في إعلانه عن قتل المركز. وهذا ما حاوله معظم الباحثين والدارسين العرب الحداثيين متبعين في بذلك أثار الباحثين الغربيين نعلا بنعل كما يُقال، من خلال فصل النص عن مصدره ونزع القدسية عنه، مثلما دعا إلى ذلك كل من محمد أركون ونصر حامد أبوزيد والعريوي وبشكل ضمني محمد عابد الجابري وغيره من الباحثين والمفكرين العرب المحدثين . من خلال إثارة مسألة سلطة أو انقلاب ما يسميه محمد عابد الجابري اسلام السنة على اسلام القرآن ، أي انقلاب الخطاب الديني على الخطاب القرآني نفسه، أين أصبح للقارئ سلطة تفوق سلطة النص في حدّ ذاته، الأمر الذي ولد في الساحة الثقافية والفكرية انقسامات فارقة و حساسيات فكرية وثقافية متنازعة ومتصارعة لم تعرف طريقها للهدنة والاتفاق إلى يومنا هذا.

وعلّ هذا الأمر هو من الأسباب الرئيسة في تأخر مشروعنا الفكري والنهضوي ، بسبب عدم التوصل إلى اتفاق حول المنهج المناسب لقراءة تراثنا الفكري والعقائدي، أو كما يقول سؤالنا المطروح في بداية المقال، كيف نقرأ تراثنا ؟

إن كل الخصومات والعراقيل التي تعترض عملية النهوض بفكرنا وحضارتنا متوقف على هذا السؤال الكبير والخطير والذي يبدو في ظاهره مباشرا وبسيطا.

لقد انقسم الباحثون العرب إلى ثلاثة أفواج متناحرة في هذا الشأن، قسم يطلق على نفسه بالحداثيين ، وقسم يطلق علي نفسه بالفكر السلفي، وقسم ثالث يحاول أن يقف وسط ويجمع بين الطرفين في شكل

توليفة مستحيلة. وهذا التقسيم أو الانقسام بالأحرى قديم متجدد في تاريخنا الفكري، بدأ بين أصحاب الكلام وأهل السنة أو بين المعتزلة وأصحاب الحديث والسنة، وظهرت هناك محن كثيرة مثلما ذكر عن محنة ابن حنبل مع المعتزلة في عهد المأمون، وكذلك حدث للشافعي وأبي حنيفة، ثم بعد ذلك ما وقع في عهد المرابطين بالمغرب العربي وما يعرف بمحنة ابن سينا والمرابطينـ، أين أحرقت كتب ابن سينا ومنعت كما هو مذكور في كتب التراث وأدبياتها المختلفة. أو كما حدث في عصرنا الحديث أو المعاصر فيما يعرف بمحنة نصر حامد أبو زيد في جانب الباحثين الحداثيين، ومن قبله محاكمة طه حسين والذي يعد من رواد هذا التيار الحداثي العربي.

إن كل هذه الخلافات والصراعات أساسها واحد، وهو كيف نفكر؟ أو ما هو المنهج المناسب لقراءة ترثنا الفكري والنهوض به؟ هذا ما هو مطروح اليوم على طاولة النقاش، والذي يجدر إعادة النظر فيه، بدل تمسك كل طرف بمنهجه، أين نجد الحداثيين متمسكين بالمناهج الحديثة التي توصل إليها الغرب، وهم لا يرون مخرجا سواها متخذين في ذلك الحضارة الغربية نموذجا لابديل عنه، فيما يبقى الباحثين السلفيين متمسكين بآرائهم ومناهجهم القديمة متعصبين لمواقفهم ومعتقداتهم الخاصة والتي يعتقدون فيها الحقيقة والصواب، وهم لا يفرقون في ذلك بين النص وفهمه أو بين الخطاب الديني والدين نفسه، على حدّ قول المفكر الاسلامي المرحوم “محمد عمارة”. وبرأيي أن كلا الطرفين مقلد وخارج عن نطاق الفكر والأصالة، ونقصد بالأصالة هنا الابتكار. فالإنسان كما هو ابن بيئته فهو أيضا ابن زمانه، والأفكار الصحيحة والصادقة لا تخشى هذين البعدين، إذا ما وجدت القارئ الأصيل والقراءة المناسبة والمنهج الصحيح. وبدل التشبث بفكر هذا وذاك والتمسك بفهم هذا وذاك. ألا يجدر بنا اعطاء فرصة لأنفسنا ولعقولنا كي تشتغل وتفكر بحرية وبصدق بعيدا عن التعصب العقدي والغلو الإيديولوجي والتشدد المذهبي؟

ألم يحن الوقت بعد، كي نكون نحن، ونستعيد وعينا بذواتنا وثقتنا بأنفسنا، ونشغل عقولنا لنفكر بكل موضوعية ووعي، بعيدا عن التبعية أو التقليد، ونفكر في ايجاد طريقة تجمع شتاتنا وتوحد جهودنا لتصب في هدف واحد، وواحد فقط، وهو النهوض بحضارتنا وثقافتنا وتراثنا، لأنه لا يمكن بناء منزلنا بسقف الآخرين، كما لا يمكن الوقوف في العراء ومشاهدة منزلنا القديم وهو يتآكل وينهدم دون ترميم أو إعادة بناء. ونفعل تماما ما فعله الغرب أو فعلته جميع المجتمعات المتفوقة وهو إعادة استرجاع تراثها وقراءته من جديد قراءة أصيلة وصادقة، تنبعث من داخل التراث نفسه ولصالحه، خصوصا ونحن نملك تراثا متينا وأصيلا ، لازال يقف في شموخ وتحد كل هذه القرون مقاوما، رغم تخاذل أبنائه وكثرة مناوئيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى