هل شاركت السلطة الفلسطينية في جريمة الاحتلال في نابلس؟

د. نزيه خطاطبه
في ظل الفشل المتواصل لمسار والبرنامج السياسي لقيادة السلطة الفلسطينية، تحت قيادة الرئيس محمود عباس، ومجموعة من المتنفذين , وانحدارها إلى مستويات خطيرة في البعد الوطني وخضوع كامل للإرادة الامريكية ، تتعاظم المخاطر المحدقة بالقضية والشعب الفلسطيني ، وهو ما تكشّف مؤخراً بقبول السلطة الفلسطينية للعرض الأمريكي ووافقت على سحب مشروع قرار قبل التصويت عليه في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة , يدين الاحتلال الإسرائيلي ويدعو إلى وقف فوري للنشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلّة عام 1967.
ما حدث في مجلس الأمن يمثل خطأ استراتيجياً من السلطة، مقابل وعود غير واقعية من الإدارة الأميركية , التي لا يهمها سوى تهدئة الأوضاع وخاصة من قبل الجانب الفلسطيني, لمواصلة تركيزها على مواجهة روسيا في أوكرانيا والصين.
فلم يمضي يومان على قبول واقرار السلطة الفلسطينية بالعرض الأميركي القائم على امتناعها عن أيّ «خطوات أحادية»، وتحسين أدائها في تعقّب المقاومين في بؤر التوتّر في الضفّة ، حتى ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلية جريمة مروعة في البلدة القديمة في نابلس., راح ضحيتها 11 شهيدا بينهم محمد أبو بكر الجنيدي وحسام سليم من قادة كتيبة نابلس , ومسنّون عزّل، واكثر من مئة إصابة بينهم خطيرة جدا.
وهنا يكمن السؤال الأبرز.. هل شاركت السلطة في هذه الجريمة بشكل مباشر او من حيث لا تدري؟
الرئيس عباس وقيادته التي جاهرت وروجت مؤخرا بانها أوقفت التنسيق الأمني وانها ستتوجه للؤوسسات الدولية وخاصة محكمة الجنايات لمحاكمة الاحتلال , رضخت بسرعة ، لضغوط الإدارة الأمريكية ووثقت بوعود بلينكين في اتصاله التلفوني مع الرئيس عباس ووافقت على سحب مشروع القرار واستبداله ببيان رئاسي غير ملزم لادانة الاستيطان الإسرائيلي.
ويتردد أن بلينكن ضغط كثيرا على الرئيس الفلسطيني خلال الاتصال الذي أجراه السبت الماضي، كما طالب في اتصال آخر مع نتنياهو بوقف كل الأعمال الأحادية، وأي أعمال من شأنها أن توتر العلاقة.
وطالب بلينكين الجانب الفلسطيني، إلى جانب سحب مشروع القرار من مجلس الأمن، أن تقوم السلطة بالعدول عن قرارها السابق بوقف التنسيق الأمني، وإعادة قناة الاتصال مع الجانب الإسرائيلي. كما قدم حلولا ومقترحات تشمل عودة تلك القناة، بآلية أخرى، تكون فيها الإدارة الأمريكية وسيطا في المرحلة الحالية، لحين انتهاء التوتر الحاصل حاليا على الأرض، ووقف عمليات التصعيد، وعودتها إلى ما كانت عليه سابقا.
وكشف موقع “واللا ” العبري، تفاصيل الصفقة و التفاهمات بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية والتي اقرتها السلطة الفلسطينية في اليوم التالي وقبل يومين من جريمة الاحتلال في نابلس وتشمل:
– التزام إسرائيل بتجميد لعدة شهور خطط بناء إضافية في المستوطنات.
– تجميد لعدة شهور هدم منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
-التجميد لشهور إخلاء الفلسطينيين من منازلهم في المناطق المصنفة “ج”.
-التخفيف من عمليات الاقتحام الإسرائيلية للمدن الفلسطينية.
-موافقة إسرائيل على إجراء بعض التغييرات في مجال الضرائب على جسر اللنبي حيث ستدخل لموازنة السلطة أكثر من 200 مليون شيكل سنوياً.
-السلطة الفلسطينية وافقت على تنفيذ الخطة الأمنية التي وضعها المنسق الأمني الأمريكي مايك فنزل لإعادة سيطرة السلطة على جنين ونابلس.
– موافقة السلطة الفلسطينية على العودة لمحادثات لإعادة التنسيق الأمني مع إسرائيل
– الإدارة الأمريكية التزمت بدعوة الرئيس أبو مازن لواشنطن خلال العام القادم للقاء الرئيس الأمريكي بايدن.
– الولايات المتحدة التزمت أمام السلطة على تقديم طلب لإسرائيل لفتح القنصلية الأمريكية في القدس.
سلطات الاحتلال لم تكن لتقدم على إرتكاب مجزرة نابلس، لولا أنها تلقت إشارة واضحة، إلى افتقار القيادة الفلسطينية للإرادة السياسية لمواجهة مشاريع الاحتلال الاستيطانية والدموية، وأن استراتيجية السلطة ما زالت تقوم على المساومة والمناورة والمقايضة، وتغليب مصالحها السلطوية والفئوية، على حساب المصالح العليا والحقوق الوطنية لشعبنا, وبالتالي فان هذه الجريمة تعتبر احدى ثمار الصفقة الثلاثية بين السلطة والولايات المتحدة وإسرائيل، التي مهّدت الطريق لتملص الاحتلال من مسؤولياته ومحاسبته دوليا عن جرائمه النكراء التي يقترفها كل يوم ضد أبناء شعبنا وأرضهم وحقوقهم الوطنية المشروعة.
قد يقول قائل بان الإدارة الامريكية لن تمرر المشروع وقد تفرض الفيتو لمواجته , وحتى لو جرى تمريه فلن يجري تطبيقه, فليكن فالفيتو الأمريكي سوف يكشف جوهر سياسة هذه الإدارة ويعريها .
حسب موقع «والا» العبري فان عملية اقتحام نابلس، بدأت بعد تمكُّن جهاز «الشاباك» الإسرائيلي من الحصول على ما أسماه المراسل العسكري بـ«المعلومة الذهبية» عن مكان وجود مطلوبين خطيرين للجيش.
فمن قدم المعلومة وكيف حصلت عليها المخابرات الإسرائيلي؟ ندرك ان قوات الاحتلال تملك الوسائل التكنولوجية الكبيرة للمراقبة والمتابعة , خاصة ان شباب المقاومة محاصرون في بقعة جغرافية صغيرة في البلدة القديمة التي تسيطر عليها السلطة وأجهزة امنها, ولا يملكون وسائل امنية او خبرة كبيرة للحماية , ولكننا ندرك أيضا بان الرئيس عباس وقيادته لا تكن أي تعاطف مع مجموعات المقاومة وتعتبرها مثل الشوك في الزور , فهي غير قادرة على ابتلاعها وهضمها لاختلافها مع برامجها واسلوبها السلمي جدا للتسوية, وغير قادرة على اجتثاثها لحجم الثمن الذي ستدفعه في المواجهة الشعبية ما سيزيد من ضعفها وعزلتها , وبالتالي فان الخيار الأفضل هو اجتثاثها من قبل قوات الاحتلال نفسه .
السلطة الفلسطينية لم تكن جادة ابدا , في وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال او مواجهته وتطوير المقاومة الشعبية , وحسب موقع “والا” العبري نقلا عن ثلاثة مصادر مطلعة، كشف مؤخرا عن وجود قناة اتصال سرية تعمل منذ أكثر من شهر بين مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ومكتب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يديرها حسين الشيخ.
وأوضح الموقع أن الإدارة الأمريكية على علم بأنشطة القناة السرية، وفي التفاصيل، كشف الموقع أنه في الأسابيع التي سبقت أداء حكومة الاحتلال اليمين الدستورية، بعث وزير الشؤون المدنية، حسين الشيخ، برسالة إلى مكتب نتنياهو عبر الإدارة الأمريكية، مفادها أن السلطة الفلسطينية مستعدة للعمل مع الحكومة الجديدة، وفق “القدس”.
وما إعلان قيادة السلطة , في اعقاب الجريمة, عن تقدمها بطلب لعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لإدانة الجريمة، وطلب توفير الحماية الدولية , ما هو الا ذر للرماد في العيون , ومرجلة ليست في محلها, فلماذا تراجعتم وكنتم على أبواب مجلس الامن والفرصة متوفرة لادانة جرائم الاحتلال ؟ الا تعون بان خطة حكومة نتانياهو وحلفائه من الفاشيين هي ضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتهجير شعبها وعدم السماح باي شكل من الاشكال بإقامة كيان فلسطيني على الأرض التي يعتبرونها ملك لهم وحدهم ومن حق اليهود فقط تقرير المصير فيها , وان نتانياهو يعمل على تصدير ازماته الداخلية بالتصعيد نحو الخارج من خلال اباحة الدم الفلسطيني, وتكثيف الاعتداءات على سوريا وتضخيم الخطر الايراني؟
نابلس التي شيعت شهدائها, سوف تلملم جراحها وستبقى وفية لمقاوميها وحمايتهم , والغضب الفلسطيني قادم , فلن يطول فرح المستوطِنين.
وسوف تلهم وصية الشهيدين الجنيدي وسليم, الاف الشبان الفلسطينيين للسير على طريقهم والانتقام لهما . ومما جاء في رسالتهما الأخيرة: : «أنا وأخوي الجنيدي تحاصرنا، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، عليها نحيا وعليها نموت، الله لا يسامح كلّ حدا تخاذل وكلّ حدا باعنا يا إخوان، أنا وأخوي الجنيدي بدنا نسلّم على الشهدا بس بتمنى إنكم تسامحونا يا أخوان أمانة الله، وبحب أنا كل الناس وبحب كل الدنيا وأنا بحب إمي، بحيات عرضكم ما تتركوا البارودة من بعدنا وكملوا الطريق، بدي أشوف الزلام تكمل من ورانا يا أخوان، ما تنسوا وصية الوديع والنابلسي».
