ظاهرة عرين الأسود تؤرق الاحتلال والسلطة الفلسطينية

د. نزيه خطاطبة /
أصبحت ظاهرة المقاومة الفلسطينية والمتمثلة بكتائب عرين الأسود خاصة في نابلس وجنين تؤرق الاحتلال الإسرائيلي وقيادة السلطة الفلسطينية وتدفعهمها للتنسيق لمواجهتها واقتلاعها . فالاحتلال الإسرائيلي وعلى لسان وزير الحرب بيني غانس اعلن ان نصف جيشه بات يحتشد حاليا في شِمال الضفة الغربية وخاصة مدينتي نابلس وجنين لمواجهة كتائب عرين الأسود والقضاء عليها , كما ان أجهزة امن السلطة و قيادتها مستنفرة لنفس الغاية وجرى الإعلان عن اعتقال العديد من عناصرها المشتبة بعلاقتهم بهذه الكتائب, التي باتت تشكل تهديدا للاحتلال والسلطة معا وتتصاعد قوتها وتحظى على تاييد شعبي متزايد وحاضنة شعبية كبيرة والذي تمثل في الدعم الجماهيري لمواجهة اقتحام نابلس من قبل قوات الاحتلال ومشاركة عشرات الالاف في تشييع جنازات الشهداء وإعلان الاضراب والحداد في عموم المدن الفلسطينية .
قلق الاحتلال والسلطة من كتائب عرين الأسود ليس بسبب عددها والذي لا يزيد عن 40 مقاتلا حسب المصادر الإسرائيلية وانما بسبب إرادة القتال والمقاومة التي يتسم بها أعضاؤها والخوف من سرعة انتشارها بسبب انعدام افاق الحلول السلمية وتوغل الاحتلال وقطعان المستوطنين مع اشتداد المعاناة الفلسطينية وسط استسلام كامل من قبل قيادة السلطة التي لا تؤمن بالمقاومة ويرغب المتنفذون فيها باستمرار الوضع الراهن واستجداء سلطات الاحتلال والإدارة الامريكية للقيام ببعض الإجراءات وتقديم مساعدات لتحسين معيشة السكان خدمة لمصالحهم وامتيازاتهم . اضف الى ذلك تشرذم وضعف حركة فتح وترهل الفصائل الفلسطينية وتراجع دورها ، وانكفاء حماس في غزة ومحاولاتها عرض نفسها كطرف مقبول للحصول على دور سياسي بالشروط الإسرائيلية والأمريكية والممولين العرب وخاصة قطر.
لقد سعدنا بداية بالخبر الذي انتشر سريعا حول دور عناصر من أجهزة الامن الفلسطينية بكشف امر الاجتياح من خلال اطلاقهم النار واشتباكهم مع طلائع القوة المقتحمة المموهة بسيارات فلسطينية, وقلنا بانهم عادوا للصف الوطني , الا ان ممارسة قيادتهم لا توحي بذلك , حيث ان أجهزة الامن الفلسطينية استبقت اجتياح نابلس باعتقالها المقاوِم مصعب اشتية، الذي يعبر أحد مؤسسي العرين وقادتها، ولا يزال معتقلا من دون محاكمة أو تهم واضحة, ومارست كل أنواع الضغوط على المقاومين في نابلس، لتسليم انفسهم ، مقابل ضمهم إلى صفوف الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ورفع الملاحقة الإسرائيلية عنهم, واعتقلت العديد من عناصر أجهزة الامن المتعاطفين مع المقاومين , كما سارع الرئيس عباس خلال اجتياح قوات الاحتلال بالاتصال بالإدارة الامريكية وقيادة الاحتلال لوقف الاجتياح وإعطاء السلطة فرصة لتسوية أوضاع المقاتلين او اعتقالهم .
أهمّ ما يميّز عناصر المقاومة في نابلس وجنين وغيرهما ، هو انتظامهم في مجموعات مقاومة محلّية دون إبراز أي انتماء فصائلي واضح، وإن كان بعضهم ينتمون فعليا إلى فصائل فلسطينية، إلا أن إخفاء الانتماء، أو مواراته، ساهم في زيادة الحاضنة الشعبية للمقاومين والارتقاء من الحالة التنظيمية إلى الحالة الوطنية، المفضّلة في الضفة، والتي لا تستطيع السلطة ضربها، أو حتى محاربة التضامن والتعاون معها .
صحيح ان كتائب العرين خسرت العديد من قادتها والمقاومين قبل وخلال المعركة التاريخية والدامية في نابلس والتي أسفرت عن ارتقاء 5 شهداء، بينهم الحوح الذي يعد من أبرز قادة العرين، و4 آخرين، وإصابة العديد بعضهم بجراح خطيرة فيما لم تعرف خسائر العدو التي تستر عليها وهي بالعشرات حسب تاكيدات المقاومين) , وموافقة عدد من المقاومين لاحقا على الرضوخ لضغوط السلطة وأجهزة امنها وتسليم سلاحهم الا ان ذلك لا يعني انهاء ظاهرة المقاومة او استسلام المقاومين وهو ما ردت عليه العرين في بيان مقتضب ، “إنَّ مجموعة عرين الأسود لم تطلب من أيّ جهة رسمية أو أمنية مع كل التقدير أنّ تتسلم أياً من مقاتليها”.، وأضافت “أن من يقوم بتسليم نفسه من المقاتلين هذا قراره وخياره لا نناقشه به”، مُطالبة المواطنين بوقف تداول الشائعات وعدم الإساءة لأيّ مُقاتل سلَّم نفسه.
وتابعت: “نعود ونكرر أنَّ العرين بألف خير وفضل من الله ونقول إن كان أبو صالح وعبود وإبراهيم والوديع والمبسلط وأدهم والدخيل قد مضوا، فإنَّ المنتظرين الصادقين كُثر”.
وختمت بيانها قائلة: “نقول لكم مرة أخرى لا نريد أنّ نرى على وجوهكم أيّ لحظة حزن فنحن نستمد قوتنا منكم، وهذه أيام مباركة يُميز الله بها الخبيثَ من الطيب”.
عرين الأسود نجحت في تسويق نفسها كظاهرة مقاومة جديدة ومحبوبة، وعلى الرغم من قلة عدد أعضائها الا انها تشكل حالة استلهام للشباب الفلسطيني الطامح للمقاومة والرد على اهانات وجرائم وتغول الاحتلال ومستوطنيه , ومثال على ذلك الشهيد عدي التميمي وعشرات الشباب الاخرين الذين يحاولون طعن او دهس جنود ، وهي تحظى على تأييد جارف في الشارع الفلسطيني، ما يستحيل اجتثاثها في الوقت القريب, كما انها اعادت الامل للفلسطينيين واحيت قضيتهم التي لا يمكن ان تحل الا بالمقاومة بكل أنواعها .
