مقالات

ستنتهي الحرب: “والله يا أمي إني أكره الحرب”

عادل الأسطة
كاتب فلسطيني

لم تعدني الضجة التي أثيرت حول المقطع الذي نسب إلى محمود درويش، فترجمه نبيل طنوس أولاً، وغنته كارول سماحة ثانياً، إلى بعض أدبيات الحرب العالمية الثانية وحسب، بل أعادتني إلى أدب الحرب الإسرائيلي.
بعد حرب حزيران ١٩٦٧ ترجم ابن الناصرة الصحافي لطفي مشعور الذي أصدر لاحقاً جريدة «الصنارة»، ترجم رواية لفت عنوانها «والله يا أمي إني أكره الحرب» الانتباه أكثر مما لفته اسم كاتبها (يغآل ليب) الذي لم تترجم له فيما بعد، في حدود معرفتي، أعمال أخرى، فغاب اسمه في زحمة حضور روائيين إسرائيليين حظوا باهتمام بارز جعل من أسمائهم وعناوين بعض رواياتهم جزءا من ثقافة الأديب الفلسطيني، فكتب عنهم وعن رواياتهم وتتبع بعض الدارسين صورة العربي واليهودي فيها، بل إن بعض مثقفينا مثل سلمان ناطور وأنطون شماس تجادلوا مع بعض المثقفين الإسرائيليين اليهود.
لقد كتب ناطور مثلاً في جريدة «الاتحاد» ومجلة «الجديد» عشرات المقالات التي جمعها لاحقاً في كتابيه «كاتب غضب» و»من هناك حتى ثورة النعناع: سبع سنوات من الحوار مع الكتاب العبريين»، وفي الأخير كتب تحت عنوانين لافتين «على خط المواجهة» و»الأدب والحرب»، ما يعني أن موضوع الحرب حضر في الأدب العبري حضوراً لافتاً.
كانت رواية (ليب) أول رواية قرأتها، وكان ذلك بعد ترجمتها مباشرة في بداية ٧٠ القرن٢٠، وتأتي على حرب الأيام الستة في ١٩٦٧، ولقد تذكرتها وأنا أبحث عن قائل الأسطر المنسوبة لدرويش، والمغناة، وعدت إلى الرواية من جديد أقرأ بعض فصولها ووصف كاتبها الحرب، ولفت نظري الفصلان ١١ و١٢: «النعي» (ص١١١ – ١١٥) و»لماذا لم تحرسه؟» (ص ١١٦ – ١٢١).
إن كانت (ياعيل دايان) في كتابها السيري «يوميات جندي/ مذكراتي الحربية» كتبت مشاهداتها على الجبهة المصرية في سيناء في حرب حزيران ١٩٦٧، فإن السارد في رواية (يغآل ليب) يروي عن مشاركته في الحرب على الجبهة الأردنية واحتلال القدس والضفة الغربية وصولاً إلى نهر الأردن.
يروي السارد عن نفسه وعن الجنود؛ الذين شاركوا في حرب سيناء في ١٩٥٦، والذين يشاركون لأول مرة في الحرب الجديدة ولا تتجاوز أعمارهم الثالثة والعشرين ومنهم من يتطلع إلى الحرب ثم يخر فيها صريعاً.
يبدأ الفصل ١١ بالفقرة الآتية:
«أربكتنا أورشليم. عند بوابة مندلباوم المغلقة بسلاسل من رجال الشرطة، وقف أبناء أورشليم يصفقون لنا ويهتفون: «يعيش الأبطال .. يحيا جيش الدفاع..» كنا مرتبكين.
هكذا عبرنا لأول مرة، منذ اندلاع الحرب، الحدود القديمة، وعدنا إلى دولتنا القديمة.
وقف الزملاء في سيارات الكومندكار يلتهمون فرحة الشعب، ويتقبلون الأزهار الكثيرة وضحكات العيون، والفتيات يقفزن إلى السيارات يقبلن الجنود ويصرخن كالأطفال، أما النسوة فكن يبكين. كل هذا دار تحت غمامة من الضحك..».
ولكن الفرحة لم تكتمل، فهناك من لم يتسلم خبراً عن مصير ابنه «لقد امتزجت فرحة الأب والأم بقلقهما على ابنهما… وبالنسبة لايتسيك فإن الحرب لم تنتهِ بعد، فالانتظار مستمر.. « والمرأة التي يشارك زوجها في الحرب وتنتظره تقرر استقبال جندي عائد والاحتفال به فرحاً بنتيجة الحرب، فتتركه يستحم في بيتها ويرتدي ملابس زوجها الذي تنتظر عودته، فتأتيها ورقة رسمية مكتوب فيها:
«وزير الدفاع ينعى لك، بأسف شديد، موت زوجك».
أرادت هذه المرأة أن تشترك في فرحة استقبال الجندي العائد إلى بيته فرحة لا تقاس إلا بتوجع امرأة تنتظر. لقد انتظرت لكن الموت ربض على الباب».
مثل الزوجة أيضاً والدة الجندي الشاب رامي الذي قتل في الحرب، فقد وصلتها منه رسالة كتبها قبل موته استطاع السارد أن يقرأ من بعيد سطراً واحداً منها فقط: «والله يا أمي إني أكره الحرب..».
إنها فكرة الانتظار في أدب الحرب؛ انتظار الزوجة زوجها والأم ابنها وعدم عودة الغائبين، وفي المقابل هناك المسؤولون الكبار الذين يحصدون النتيجة ويكتفون بالمواساة ويبقون وزراء «وزير الدفاع ينعى لك، بأسف شديد، موت زوجك».
هل اختلف انتظار الأم ابنها عن اختلاف انتظار بائعة السمك في مسرحية (برتولد بريخت) «محاكمة لوكللوس»؟ وهل اختلف (لوكللوس) كثيراً عن وزير الدفاع الإسرائيلي الذي أرسل برقية النعي وظل وزيراً ينعم بحمام ساخن وهو يقرأ الكشوف بأسماء القتلى على جبهة السويس؟
وربما تعود بنا الفكرة المجردة لانتظار المحاربين الغائبين إلى الأسطورة الإغريقية التي وظفها محمود درويش في أشعاره المبكرة، حيث تنتظر (بنيلوب) زوجها.
ولمحمود درويش نفسه قصيدة مبكرة وردت في ديوان «عاشق من فلسطين» عنوانها «في انتظار العائدين» يقول فيها «وأنا ابن عوليس الذي انتظر البريد من الشمال» و»أصوات أحبابي تشق الريح، تقتحم الحصون:- يا أمنا انتظري أمام الباب. إنا عائدون».

Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs Hire Us: For Your Web Development & eCommerce Needs
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Privacy Settings saved!
Privacy Settings

When you visit any web site, it may store or retrieve information on your browser, mostly in the form of cookies. Control your personal Cookie Services here.

These cookies are necessary for the website to function and cannot be switched off in our systems.

In order to use this website we use the following technically required cookies
  • wordpress_test_cookie
  • wordpress_logged_in_
  • wordpress_sec

We track anonymized user information to improve our website and build better user experience.

Decline all Services
Accept all Services