حراك دولي للاعتراف بدولة فلسطينية بشروط نزع سلاح المقاومة واستبعاد حماس

د. نزيه خطاطبه
بعد نحو عامين على المذبحة والإبادة والتجويع الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة أمام نظر العالم، بدات العديد من الدول الأوروبية, خاصة بعد عقد مؤتمر نيويورك لحل الدولتين والذي بادرت له فرنسا والسعودية, التحرك في محاولة للضغط على إسرائيل لوقف حربها، وأعلان عزمها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وانصاف الشعب الفلسطيني وحقه بتقرير مصيره، والذي وصفه العديد من المحللين الإسرائيليين “بتسونامي دبلوماسي” بدأ يشكل ضغطا حقيقيا على إسرائيل والإدارة الامريكية, فيما يتخوف البعض منه, خاصة انصار فلسطينين الحقيقين, لربطه الاعتراف بشروط قاسية ابرزها نزع سلاح المقاومة واستبعاد حماس من المشهد السياسي , واصلاحات في السلطة الفلسطينية, والتي لا تحظى على تأييد لدى الفلسطينيين, ودعمها وحدها لتبؤ المشهد.
الكلام وحده لا يكفي
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، فاجأ الجميع بانضمامه الى الحراك الدولي واعلانه أن كندا ستعترف بدولة فلسطين خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول المقبل , مبررا الاعتراف , لأن السلطة الفلسطينية ملتزمة بقيادة الإصلاحات التي طال انتظارها, و التزام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإجراء انتخابات عامة في عام 2026 , و أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين قتلوا على يد إسرائيل والآلاف غيرهم “على شفا المجاعة”، مدينا الحكومة الإسرائيلية لتفاقم الوضع في غزة إلى هذا الحد. وأوضح كارني ان كندا ملتزمة بحل الدولتين منذ سنوات عديدة، الا أنها لم تجد السلام الذي توقعته في هذه المرحلة. واعتبر رئيس الوزراء الكندي أن خطوات مثل خطة الاستيطان التي تدعو إلى ضم الضفة الغربية، والتي تم التصويت عليها في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، تقوض عملية السلام.
كارني أوضح “إن أي طريق نحو السلام الدائم بالنسبة لإسرائيل يتطلب أيضا الاعتراف بوجود دولة فلسطينية قابلة للحياة ومستقرة، وحق إسرائيل غير القابل للتصرف في الأمن”.
غطرسة الحكومة الإسرائيلية وهول الصور التي يجري تداولها في وسائل الاعلام وخاصة السوشال ميديا عن الإبادة والمجاعة في غزة, وممارسات المستوطنين في الضفة, وضعت حكومات هذه الدول أمام استحقاق كبير، إما الالتزام بمواقف تدافع عن حقوق الإنسان، أو تأييد الجرائم والانتهاكات الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل، إلى جانب سياستها القائمة على الكذب والتضليل للتستر على هذه الجرائم، فكان لزاما عليها إعلان دعمها حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية، مع اعتبار ما تقوم به تل أبيب جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني.
هناك العديد من العوامل التي اثرت على الحكومة الكندية لتغيير موقفها ومنها , ان كندا التي تضررت كثيرا جراء سياسة ترامب وتعرفاته الجمركية تجد نفسها الان اكثر تحررا من التبعية لسياية أمريكا , و لم يعد بإمكانها الانصياع بشكل أعمى لسياسات الولايات المتحدة كما كان الحال سابقا, كما ان الحكومة الليبرالية تخضع لضغوط من قبل عدد كبير من نواب وناشطين في الحزب الليبرالي يطالبونها بسياسات أكثر عدالة وإنسانية تجاه الفلسطينيين ومعاقبة إسرائيل ، ويتهمونها بالتواطؤ في حرب الإبادة وانتهاك حقوق الإنسان، بسبب استمرارها في تزويد إسرائيل بالأسلحة, وهو ما كشفه التقرير الأخير الصادر عن مجموعة من المنظمات الاهلية “تحالف حظر الأسلحة” ويظهركذب ونفاق المسؤولين في الحكومة الكندية الذين ادعوا بأنها علقت تصديرها في مارس/آذار 2024 , فيما التقرير كشف عن مواصلة تدفقها بوسائل شتى.
ومع ذلك فان الاشتراطات التي ربطها كارني بالاعتراف بدولة فلسطينية تثير الشكوك والتساؤلات. فهو يربط الاعتراف بنزع سلاح المقاومة وتصفيتها, وانهاء وجود حماس , وحق إسرائيل بالامن والدفاع عن نفسها, ما يعني تقييد حقوق الفلسطينيين والانتقاص من سيادتهم وحقهم في الدفاع عن أنفسهم وهم الذين تعرضوا لسرقة ارضهم والقتل والتشريد من قبل الصهيونية لعقود، ويتعرضوا الان للابادة والتجويع , وبالتالي الأولى بكارني ان يطالب بمعاقبة الفاشية الإسرائيلية ونزع سلاحها .
ما يؤسف ان كندا ليست الوحيدة التي طرحت هذه الشروط وانما الغالبية من الدول التي أعربت عن نيتها في الاعتراف , ومن ضمنها ان لم تكن في مقدمتها الدول العربية وخاصة السعودية والسلطة الفلسطينية والوسطاء مصر وقطر, الذين قدموا ذلك لحماس قبل ذلك على اعتبار انها شروط نتنياهو, ورفضته في حينه بتأكيدها على ان المقاومة وسلاحها استحقاق وطني وسوف يبقى طالما بقي الاحتلال. .
من حيث المبدأ فان الاعتراف بحد ذاته خطوة بالغة الأهمية على صعيد دلالتها السياسية والقانونية. فمثل هذا التوجّه يعكس اتساعا في رقعة الوعي الدولي بعدالة القضية الفلسطينية، وتزايد الإقرار العالمي بأن الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن يستمر بلا كلفة سياسية أو أخلاقية.
لكن في الوقت ذاته، لا بد من التذكير بأن مجرّد إعلان النية، مهما بلغت رمزيته، لا يكفي لتغير الواقع الفلسطيني في ظل احتلال تقوده قوى يمينية فاشية تتغطى بايديولجية دينية توراتية لا تخفي نيتها إبادة الفلسطينيين وتهويد كافة الأرض الفلسطينية , وتغيير خارطة الشرق الأوسط. فالاعتراف، حتى يكتسب وزنه القانوني والسياسي الكامل، يجب ألا يبقى حبيس البيانات الرسمية والمواقف الارتجالية, بل ينبغي أن يتحوّل إلى التزام فعلي، تُبنى عليه سياسات ومواقف ملموسة في مختلف المحافل الدولية، ويقرن بخطوات عملية لاجبار حكومة الاحتلال الإسرائيلية وامريكا على تنفيذه من خلال العقاوبات وفرض العزلة الدولية عليها, وعدم ترك الاعتراف لمفاوضات بين السلطة الفلسطينية وكيان الاحتلال , في تكرار لتجربة أوسلو, التي انتهت بالفشل الذريع بعد اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل, وموافقتها على تعديل الميثاق الوطني, ونزع سلاحها, وذلك بسبب المماطلة الإسرائيلية في التنفيذ بالرغم من كون الاتفاق برعاية أمريكية وأنظمة عربية.
طالما ان هذه الدول غير قادرة على وقف الإبادة والتجويع, واجبار الفاشية الإسرائيلية على ادخال شاحنة حليب لاطفال غزة, فهل بإمكانها الزام اسرائيل بتنفيذ إقامة دولة فلسطينية وسحب قواتها ومستوطنيها من الضفة الغربية والقدس؟ ام نحن امام أوسلو اخر سوف يتوج بتطبيع عربي مع إسرائيل, دون حصول الفلسطينيين على أي من حقوقهم, فيما يبقى الاعتراف على الرف , كما غيره عشرات القرارات الدولية التي لم تنفذ؟
