إسرائيل الفاشية منقسمة على نفسها في غياب مشروع فلسطيني عربي لمواجهتها, بن غفير ليس فقط نقمة, فقد يكون نعمة للفلسطينيين

د. نزيه خطاطبة /
بعد تولي نتانياهو وطاقم حكومته من ائتلاف اليمين الفاشي والمتطرف , مقاليد السلطة في كيان الاحتلال , وهو يشهد المزيد من الانقسامات والخلافات الحادة بين قوى اليمين والأحزاب الدينية, ومن يطلقون على انفسهم بالعلمانيين والمعتدلين , ولا نقول اليسار , والتي قد تتطور الى حالة من الحرب الاهلية كما يحذر بذلك تلكثير من المراقبين . حيث بلغت الانقسامات, حدا دفع النائب اليميني زفيكا فوغل، من حزب «القوة اليهودية» اليميني المتشدد الذي يقوده وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الى الدعوة لاعتقال رئيس الوزراء السابق يائير لابيد، ووزير الدفاع السابق بيني جانتس ووزير الدفاع الأسبق النائب المعارض موشيه يعالون بتهمة خيانة الوطن والتحريض على الحرب , بعد المظاهرات العارمة التي شهدتها مدن الكيان ضد الائتلاف الحاكم , والتي أمر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير قائد الشرطة الإسرائيلية بالتعامل معها وقمعها بالعنف واستخدام خراطيم المياه , وقد تتصاعد لاستخدام العنف الدموي من قبل انصار اليمين الفاشي .
ويتمحور الخلاف حول ما تعتبره المعارضة جوهر الديمقراطية. فالأحزاب الوسطية والليبرالية قلقة من هيمنة الأحزاب اليمينية الدينية واليمينية الوطنية على مقاليد الحكم في كيان الاحتلال . وفي المعارضة يعتبرون ما تنفذه الحكومة حاليا انقلاب ويحذرون من حرب أهلية، ولذلك يدعون الإسرائيليين للخروج إلى الشوارع للاحتجاج.
الانقسام بين اليهود ليس حديثاً، وليس مستغرباً، والمجتمع الإسرائيلي ليس متجانسا , والانقسام الحالي بين العلمانيين الذي يشكلون العمود الفقري للجيش، وهم أصحاب رأس المال، وبين الصهاينة المتدينين، الذين يشكلون العمود الفقري للعقيدة، وهم أصحاب التوراة، كما قال موشي غفني من حزب يهوديت هتوراة، وهو قابل للتصاعد، والوصول إلى حرب أهلية, ما لم يدرك قادة الاحتلال وخاصة اليمين الديني ذلك, ويعملوا على توحيد المجتمع بتضخيم المخاطر الخارجية، وشن حروب خارجية قد تكون مع ايران او لبنان, وممكن مع الأردن وبالاساس مع الفلسطينيين عبر زيادة القمع والاستفزاز , لتوحيد الإسرائيليين، واشغالهم عن انقسامهم الداخلي.
فالمشروع الصهيوني قائم على اقامة اسرائيل الكبرى بأعتبارها دولة يهودية, والاغلبية بها يجب ان يكونوا يهوداً من الان وحتى أشعار آخر !
فالحكومة الأسرائيلة الجديدة وقبل أيام أعلنت أن اليهود فقط لهم الحق الحصري في جميع أرض أسرائيل ككل بالمعنى التوراتي، وليس لأي طرف آخر حقوق هنا ، بأرض ( يهودا والسامرة اي الضفة الغربية ) !. مما يعني أن حكومة نتانياهو اليمينية ، بدلاً من استخدام عبارة (دولة ذات سيادة في أرض إسرائيل) التي كانت تستخدمها الحكومات السابقة , تحولت الى استخدام صياغة جديدة ومكشوفة : (حق حصري لا جدال فيه في جميع مناطق أرض إسرائيل”, والتأكيد على تطوير الاستيطان في جميع مناطق أرض إسرائيل وليس لأي طرف آخر حقوق هنا، وهذا لا يعني فقط تجاهل التطلعات الوطنية للفلسطينيين، بل هو إعلان من جانب واحد بأن الشعب اليهودي هو فقط صاحب الحقوق, وان دستورها يقوم على يهودية الدولة وبدون حدود جغرافيه مرسومة او معروفة.
الأمم المتحدة تقر طلب فلسطين فتوى قانونية حول ماهية الاحتلال
وفي مواجهة ذلك تلجأ السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس عباس ,التي لا حول لها, الى المنظمات الدولية للاستغاثة بها , حيث تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا قراراً يطالب محكمة العدل الدولية بالنظر في مسألة الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ فلسطينية، وكان الاحتلال يحتاج الى فتوى لمواجهته مع ان الغالبية العظمى من الدول الأعضاء في الجمعية العامة تقر ان إسرائيل دولة احتلال . وحاز القرار تأييد 87 صوتاً واعتراض 26 وامتناع 53 عن التصويت، وسط انقسام الدول الغربية حول القضية وعارضته الولايات المتحدة التي هددت السلطة الفلسطينية من مغبة اللجؤ للمنظمات الدولية.
ويطلب القرار رأي محكمة العدل بشأن تدابير الاحتلال الرامية إلى إحداث تغيير ديمغرافي بالقدس. ويدعو المحكمة الدولية إلى تحديد «العواقب القانونية لانتهاك إسرائيل المستمر لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير»، بالإضافة إلى إجراءاتها «لتغيير التركيبة الديموغرافية لمدينة القدس وطابعها ووضعها».
ويأتي هذا القرار، بعد نحو أسبوعين من تصويت الجمعية الأممية ( التي لا تملك سلطة التنفيذ كما مجلس الامن) بأغلبية ساحقة على قرار يؤيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وقد وصف السفير الإسرائيلي القرار بأنه «وصمة عار أخلاقية للأمم المتحدة»، مضيفاً «لا يمكن لأي منظمة دولية أن تقرر ما إذا كان الشعب اليهودي مُحتلًّا في أرضه», كما وصف رئيس الوزراء نتانياهو القرار «بالحقير «. وقال في شريط مصور “القرار الحقير الذي صدر اليوم لن يكون ملزما للحكومة الإسرائيلية”.
الاحتلال يرد بقوانين عنصرية
قيادة الاحتلال ردت بشكل فوري على تحركات السلطة في الأمم المتحدة بفرض مجموعة عقوبات سريعة, تمثلت باقتطاع حوالي 45 مليون دولار من التحويلات المالية, وتجميد خطط بناء للفلسطينيين في المناطق ج، وسحب بطاقات vip والتسهيلات التي تُمنح لكبار مسؤولي السلطة بما فيهم وزير الخارجية رياض المالكي، والمندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور، وزياد أبو عمرو والعالول ، لكنها لم تطال الرئيس محمود عباس أو حسين الشيخ أو ماجد فرج.
كما صادق الكنيست على 7 مشاريع قوانين لسحب المواطنة أو الإقامة من أسرى فلسطينيين بزعم تلقيهم تعويضات من السلطة الفلسطينية مقابل تنفيذ عمل «إرهابي, و محاربة العلم الفلسطيني ومنع رفعه خاصة في الأراضي المحتلة عام 1948 والقدس, والبحث كذلك في اقتراح قدمه بن غفير لاعدام الاسرى الفلسطينيين, ومنح الحصانة المطلقة لجنود وضباط قوات الاحتلال لقتل الفلسطينيين دون خوف من اية عواقب.
السلطة الفلسطينية تجد نفسها أمام سيناريوهات في غاية الخطورة، اما الخنوع ومواصلة لعب الدور الذي يحدده الاحتلال لها كجهاز اداري امني يدير شؤون الفلسطينيين في الضفة الغربية وينسق مع قوات الاحتلال ، ومنعها من أي تحركات على المستوى الدولي ضد دولة الاحتلال، عبر استخدام عصا سحب المزايا الشخصية لقادة السلطة، واقتطاع الأموال، وإدخالها في أزمات متتالية، أو المواجهة وتحشيد الجماهير في مواجهة الاحتلال وهو امر مستحيل على رومزها, او حل السلطة برمتها خلق فراغ يخشى الاحتلال منه كونه سيعيده الصدام المباشر مع الجماهير الفلسطينية وسيفيد مجموعات المقاومة .
ومن هنا فان المستويان الأمني والعسكري في كيان الاحتلال يرى أهمية استمرار السلطة الفلسطينية، بسبب تأثير غيابها في المشهد الأمني في الضفة الغربية، وزيادة تكلفة العمل الأمني وإمكان زيادة العمل المقاوم هناك، وتحوله إلى حالة عامة أكثر تنظيماً. ولهذا، يعارض العسكريون والأمنيون توجهات حل السلطة وإنهائها، ويدعون إلى تقوية السلطة لتقوم بدورها الأمني، على نحو يخفف الأعباء التي دفعت جيش الاحتلال إلى نشر أكثر من 55% من قوّاته في منطقة الضفة.
وفي نفس القوت ستراقب حكومة الاحتلال نشاط السلطة الفلسطينية وستعمل على إحباط أي عمل تقوم به في الجانب السياسي، بما في ذلك التحرك الدولي، وفي المحاكم الدولية. وستعمل على منع أي محاولات للمصالحة الفلسطينية الداخلية، انطلاقاً من أنها تمثل تهديداً ببناء كيان سياسي للفلسطينيين. وبناء عليه، لن تسمح حكومة الاحتلال بإجراء أي انتخابات تتعلق بمنظمة التحرير أو الرئاسة أو المجلس التشريعي، بل ستعمل على أن يكون خليفة الرئيس عباس أكثر طواعية وأكثر قبولاً للواقع الذي تراه.فهل ستسير الأمور وفقا لاهواء نتانياهو وحكومته الفاشية ام ان هناك قولا اخر للمقاومة والشعب الفلسطيني؟ وفي النهاية نقول ان بن غفير ليس فقط نقمة للفلسطينيين بما سييرتكبه من مجازر بحقهم وزيادة القمع ومصادرة الأرض والمزيد من الاستفزازات, ولكنه قد يكون وائتلافه نعمة , كونه يكشف حقيقة هذا الكيان الفاشي للراي العام العالمي, ويلهب حدة الانقسام فيه وتسريع انهياره .
