مقالات

هل سمعتم بآخر نكتة أوكرانية؟

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف \

في الواقع هي ليست نكتة بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنه أمر يدعو حقاً لعاصفة من الضحك: أوكرانيا تفرض عقوبات على شركة صينية لاستثمارها في الاقتصاد الأوكراني 700 مليون دولار أمريكي.
يصبح الوضع أكثر مدعاة للضحك إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري لأوكرانيا بعد روسيا (إذا ما تضمن ذلك الغاز الروسي).
منذ الانقلاب الذي وقع في أوكرانيا عام 2014، عندما أطاحت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، من خلال دعم المتشددين النازيين، بالرئيس الشرعي فيكتور يانوكوفيتش، أصبحت أوكرانيا تعاني باستمرار من أزمات مالية.
وعقب تنصيب نظام دمية عميل، يعمل بأوامر سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في كييف، تمضي أوكرانيا بثبات وإصرار نحو قطع علاقاتها الاقتصادية مع روسيا، وهو ما يتسبب عملياً في تدمير صناعتها، لأنها أصبحت محرومة من المورّدين الروس والأسواق الروسية.
وعليه فقدت أوكرانيا فعلياً قطاعات صناعية هامة مثل الطاقة النووية، والصواريخ (العسكرية والمدنية)، وبناء الطائرات والسفن (كانت أوكرانيا في ظل الاتحاد السوفيتي تبني حتى حاملات الطائرات)، وصناعة السيارات، بينما تحاول صناعة الدبابات وغيرها من الصناعات العسكرية البقاء على قيد الحياة في الأشهر الأخيرة.
وحتى وقت قريب، ظلت شركة «موتور سيتش» Motor Sich، عملاق الصناعة السوفيتية، التي تنتج محركات الطائرات والمروحيات، تحافظ على كيانها. ومع ذلك، وبدون السوق الروسية، فإن الشركة قد أصبحت معرّضة للانهيار، خاصة بعد أن بدأت روسيا فعلياً بإنتاج نفس المحركات، التي كانت تنتجها في السابق أوكرانيا.
واستناداً إلى ذلك، وللمساعدة في الحصول على بعض الأموال على الأقل لإنقاذ هذه الشركة، لجأت أوكرانيا لبيع «موتور سيتش»، وتم العثور على مشترٍ في الصين.
وفي عام 2016، اشترت شركة «سكايريزون» Skyrizon الصينية 56%من أسهم «موتور سيتش». ثم قام ائتلاف تجاري، يتضمن عدداً من الشركات الصينية، بزيادة الحصة إلى 75%، وأخذ المستثمرون الصينيون قرضاً من البنوك الصينية بمبلغ 3.5 مليار دولار، ذهب منهم 575 مليون دولار لدفع ثمن شراء 56%من الأسهم، وتم استثمار جزء من الأموال في تطوير المصانع في أوكرانيا، وجزء آخر في بناء مصنعين في الصين، كان من المقرر أن يعملا بالتعاون مع «موتور سيتش». كذلك وعد الصينيون بالتبرّع بنسبة 25% المتبقية من أسهم «موتور سيتش» لشركة الصناعات الدفاعية الأوكرانية «أوكراوبورون بروم» Ukroboronprom، واستثمار 100 مليون دولار في صناعة الطائرات بأوكرانيا، وقد تم تضمين هذه الأموال في موازنة الدولة لعام 2019.
تمت الصفقة، وتم تحويل الأموال عام 2019.
مع ذلك، أثارت تلك الخطوة غضباً في واشنطن، التي تبذل قصارى جهدها لمنع التقنيات الحديثة من الوصول إلى الصين. وبناء على طلب الأمريكيين، تم تجميد الأسهم. حاول المستثمرون الصينيون حل المشاكل باللجوء إلى المحاكم الأوكرانية، وخاصة لإلغاء تجميد الأسهم، وتلقي الأرباح، والسماح بالوصول إلى إدارة أصولهم، لكن المحكمة الأوكرانية «المستقلة» رفضت كافة نقاط النزاع.
في 28 يناير الماضي، فرض الرئيس زيلينسكي عقوبات لمدة 3 سنوات ضد ائتلاف الشركات الصينية التي تمتلك شركة «موتور سيتش». وأعتقد أنه في غضون الثلاث سنوات، إذا ما بقيت الولايات المتحدة الأمريكية موجودة، سيتم تمديد العقوبات مراراً وتكراراً.
ومع ذلك، سوف يكون المصير الحتمي للشركة الأوكرانية، على الأرجح، الإفلاس، حيث أنها الآن غير مربحة.
ولمزيد من الإذلال الذاتي، أصدر مجلس الأمن القومي الأوكراني، في الفقرة الخامسة من القرار الخاص بالعقوبات تعليماته لوزارة الخارجية الأوكرانية بتقديم تقرير إلى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بشأن فرض العقوبات ضد الصينيين.
السؤال المطروح هنا: لماذا لا يمكن فسخ الصفقة مع الصينيين وكفى؟
لأنه بمساعدة العقوبات، من الممكن عدم إعادة الأموال إلى الصينيين.
ولا يحظر مرسوم الرئيس زيلينسكي الأسهم والتعامل معها فحسب، وإنما يحظر أيضاً سحب الأموال من الدولة من قبل الشركات الخاضعة للعقوبات.
اسمحوا لي بالتذكير هنا بأن أوكرانيا سبق وأن رفضت في السابق سداد ديون روسيا.
لكن فرض عقوبات على شركات، تستثمر حوالي 700 مليون دولار في اقتصادك، وبموافقة قيادات الدولة، وعلاوة على ذلك فرض عقوبات ضد هذا القرار بالذات – أظن أن أوكرانيا وحدها هي من يستطيع الإتيان بمثل ذلك..
أتساءل عمّا إذا كان هناك مستثمر حول العالم يمكن أن يثق ويرغب في الاستثمار في أوكرانيا بعد ذلك؟
لقد أصبحت أوكرانيا منذ فترة طويلة مستعمرة أمريكية، وتتحول بشكل متزايد إلى دولة فاشلة. في عام انهيار الاتحاد السوفيتي، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا أعلى من نظيره في روسيا. الآن أصبح أقل بثلاثة أضعاف. ووفقاً لبعض التقديرات تعتبر أوكرانيا الدولة الوحيدة في العالم التي لم ينمُ ناتجها المحلي الإجمالي منذ عام 1991، بل انخفض. كذلك انخفض عدد سكان أوكرانيا منذ عهد الاتحاد السوفيتي بمقدار الثلث على الأقل، ووفقاً لبعض التقديرات أكثر من ذلك. في الوقت الذي يقيم فيه النظام الحاكم هناك نصباً تذكارية للنازيين الأوكرانيين، ممن تعاونوا مع هتلر، ويمنع نصف سكان البلاد من التحدث بلغتهم الأم – الروسية.

ليس من المستغرب إذن أن يكون هذا النظام وأربابه قد قادوا البلاد نحو الحرب الأهلية. فالبلد يحتضر بشكل مؤلم. وأعتقد أن أوكرانيا ستستمر في التفكك، وأن شظايا هذا البلد ستنضم إلى روسيا، التي سيتعين عليها حينئذ إعادة إعمار ما دمّرته الولايات المتحدة الأمريكية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى