مقالات

هل أصبح زيلينسكي هو “تشرشل” العصر الحديث فِعلًا؟ ومن الذي أطلق عليه هذا اللّقب ولماذا؟ وهل الوقائع على أرض أوكرانيا تُؤكّد ذلك؟

عبد الباري عطوان
أن يَصِف جورج دبليو بوش الرئيس الأمريكي الأسبق نظيره الأوكراني مولوديمير زيلينسكي بأنّه “تشرشل العصر” خلال اتّصال هاتفي قصير بينهما أمس الأوّل الجمعة، فهذا لا يُشَكِّل إهانة لرئيس الوزراء البريطاني (تشرشل) الذي قاد بلاده إلى النّصر التّاريخي على النازيّة في الحرب العالميّة الثانية، وإنما إهانة أيضًا لكُل معايير القِياس للقادة والرّموز التاريخيّة الأخرى، وفوق هذا وذاك يُعيد التّأكيد مجددًا على غباء الرئيس الأمريكي الأسبق وسذاجته وضحالة ثقافته السياسيّة والتاريخيّة، وتربّعه على عرش العالم ولفترتين مُتتاليتين نقولها في الحلق مرارة.
زيلينسكي، أو “تشرشل زمانه” اختير بعنايةٍ من قبل الدّولة الأمريكيّة العميقة، التي جاءت أيضًا ببوش الابن في لحظةِ تزويرٍ غير مسبوقة، لإعادة إحياء اليمينيّة النازيّة في بلاده أوكرانيا، واستِفزاز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وجرّه إلى الحربِ العالميّة الثّالثة ابتداءً من الأرض الأوكرانيّة، تمامًا مثلما سيطر اللوبي الصهيوني على الرئيس بوش الابن نفسه، واستخدمه كدُمية لغزو العِراق واحتِلاله وتدميره، وقتل أكثر من مِليونيّ عِراقي، وبِما يَصُبّ في النّهاية في إضعاف العرب، خدمةً لمشاريع الهيمنة الإسرائيليّة على المِنطقة.
***
الطّيور على أشكالها تقع فعلًا، والعقل الباطِن لبوش، أو نظريّة الإسقاط المعروفة في علم النّفس، هو الذي دفع به لإطلاق هذا التّوصيف على مثيله زيلينسكي الذي يُشَكِّل امتِدادًا للعِصابة الصهيونيّة نفسها التي وقفت وحرّضت على تدمير العِراق، ولاحقًا كُل من ليبيا وسورية واليمن، في إطار مشروع الفوضى الخلّاقة.
من يَحكُم أوكرانيا حقًّا هي الولايات المتحدة، ودولتها العميقة، وزيلينسكي مُجرّد أداة وواجهة وشاهد زور، وبات يقضي مُعظم أوقاته خلف “الزوم” لإلقاء الخِطابات في البرلمانات في مُختلف أنحاء العالم، مُكَرِّرًا العبارات نفسها المكتوبة له، أيّ أنه ليس لديه أيّ وقت لإدارة المعارك، ولهذا من السّفه والإهانة للحدّ الأدنى من الذّكاء مُقارنته مع نظيره تشرشل الذي عمل بالجيش البريطاني، وتولّى وزارة الدّفاع، وعمل مُراسِلًا حربيًّا، وانتُخِبَ لرئاسة الوزراء مرّتين، مَرَّةً أثناء الحرب العالميّة الثانية، ومَرَّةً ثانية في الخمسينات لقيادة عمليّة البناء والإصلاح، وفاز بجائزة نوبل في الأدب، وبيعت مجموعة من رسومه عام 2014 بأكثر من مِليون يورو.
نحن هُنا لا نُمَجِّد بتشرشل صاحب التّاريخ الاستعماري الأسود، وإنما للكشف عن “ذكاء” بعض حُكّام أمريكا السّابقين والحاليين، وفضح فُصول المُؤامرة التي تُحاك حاليًّا في الغُرف المُغلقة في واشنطن، وتل أبيب، وبعض العواصم الأوروبيّة والغربيّة لقِيادة العالم إلى حربٍ عالميّة ثالثة، ربّما تتطوّر إلى نوويّة، على أمَلِ بقاء الزّعامة الأمريكيّة، العسكريّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة، والحيلولة دُونَ انتِقالها لموسكو أو بكين.
دولة يقودها “مُهرّج” قبل أن يتحوّل إلى دُمية، لا يُمكن أن تنتصر في هذه الحرب، وإذا كان أدولف هتلر، ونابليون فَشِلا في هزيمة روسيا في حقبتين مُختلفتين من التّاريخ، فهل يستطيع هذا الزيلينسكي أن يهزمها بخِطاباته، واستِعراضاته التلفزيونيّة؟
***
الشعب الاوكراني الذي نتعاطف معه ومأساته بقُوَّةٍ، ونرفض كُل أنواع الاحتِلال، هو الضحيّة الأكبر لهذه الحرب المِصيَدة الدمويّة التدميريّة التي أوقعه فيها رئيسه زيلينسكي وهو مفتوح العينين، نقول ذلك نحن الذين كُنّا وما زِلنا ضحايا مِصيَدة غربيّة صهيونيّة مُماثلة في فِلسطين، ومثلما دفعنا كعَرب وفِلسطينيين ثمن النازيّة الألمانيّة تشرّدًا وضَياعًا وجُوعًا وحِرمانًا، فإنّنا نرى بأعيننا على شاشات التّلفزة كيف يدفع الشعب الأوكراني ثمن النازيّة الجديدة في بلاده، ومعه كُل الشعوب الأوروبيّة الأخرى التي تتدفّق أموالها لدعم هذه الحرب بطَريقةٍ أو بأُخرى من عرقها وجُيوبها وضرائبها.
تعثّر العُقوبات حتى الآن، وارتفاع نسبة التضخّم، وغلاء فاحِش لمُعظم السّلع والخدمات، وتراجع أسعار العملات الأوروبيّة والأمريكيّة، وتواتر الأنباء عن سُقوط المُدن الواحدة تِلو الأخرى في يد الروس، بينما يرتفع الروبل الروسي في المُقابل إلى مُستوياتٍ قياسيّة، وتزدحم الخزينة الروسيّة بالمِليارات الإضافيّة النّاتجة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز والقمح والحُبوب، وما زال البعض يعتبر زيلينسكي بطلًا يُقارنه بتشرشل.. إنها أحد علامات السّاعة، وربّما نهاية العالم أيضًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى