مراسلون صحافيون اسرائيليون في قطر يتحدثون بمرارة عن “كراهية ” اسرائيل في العالم العربي “المشكلة ليست مع الحكام وانما مع الشعوب”

سمير جبور
فلسطين كانت ولا تزال حاضرة في قطر بصورة لم يسبق لها مثيل. وقد تجسد هذا الحضور ، بين امور اخرى، بالتأييد العارم للحق الفلسطيني والغضب الجارف من قبل الشعوب العربية على الإحتلال الأسرائيلي وقسوته . وكانت اللقاءات في قطر فرصة سانحة للإعراب عما يجيش في نفوس المواطنين العرب من نقمة على ألإحتلال وممارساته. وربما هذه هي المرة الأولى التي يعبر فيها مواطنون عرب عن سخطهم على اسرئيل بهذا الزخم.
وقد انعكس هذا التعاطف العربي الجارف مع عدالة القضية الفلسطينية سلبيا على المراسلين الإسرائيليين الذين وفدوا الى قطر لتغطية احداث المونديال. فقد اعرب الكثير منهم عن احباط وخيبة امل مما واجهوا من جفاء ورفض من قبل جميع المواطنين العرب من دون استثناء..
وفيما يلي نعرض بعض انطباعات المراسلين الإسرائيليين مما واجهوا في قطر كما قمت باقتباسها من مصادرها العبرية الأصلية لما لها من دلالات على مستقبل النزاع الفلسطيني –الصهيوني:
” لا يشرفنا إجراء مقابلات مع اسرائيليين”
سجل مراسل اسرائيلي بعض اللقطات على “تيك توك” اثناء وجوده في قطر لتغطية مباريات كاس العالم. وحاول اجراء مقابلات مع مواطنين عرب من مختلف ألأقطار العربية ، ولكنه لم يوفق باجراء مقابلة واحدة. واليكم بعض التفاصيل:
منذ اليوم الأول لأنطلاق المونديال في قطر، أظهرت الشعوب العربية موقفها الحر الثابت تجاه ألأحتلال..مشجعون عرب رفضوا التحدث مع مراسلين من اسرائيل .
” في اللحظة التي يدركون فيها اننا من اسرائيل تتغير المعاملة 180 درجة …ليس لكم مكان بيننا”.
“يللا يللا يللا اسرائيلي بّرا براّ
مواطن قطري :”أنت من أسرائيل…لا اريد التحدث معك”.
المراسل ألإسرائيلي يسأل مواطنا مصريا ..”هل انتم مبسوطين هنا؟ الجواب “تعيش فلسطين “. مستنكرين تسميتها إسرائيل.
” مواطن لبناني يسأل المراسل الإسرائيلي : هل أنت من لبنان ؟ كلا أنا اسرائيلي ! اللبناني ادار ظهره له وواصل طريقه قائلا عن بعد :شو جابك هون فلسطين مش اسرائيل” .
مواطن كويتي: “هذا من اسرائيل ؟. لا يشرفنا اجراء مقابللات مع اسرائيليين .الكويت ديرة العز ديرة الفخر هده . كل عمرنا مش راح نطبع مع اسرائيل ، خلي اسرائيل تطبّع مع نفسها ” .
“أدركنا ونحن في قطر مدى كراهية العالم العربي لإسرائيل”
كان هذا العنوان الرئيسي الذي تصدر صحيفة “يديعوت أحرونوت” ( 26/11/2022) التي نشرت بعض التفاصيل كما اوردها مراسلا الصحيفة راز شخنيك وعوز موعلام . ويقول شخنيك انه ” بعد قضاء عشرة ايام في قطر لا بد لنا الا ان نشارككم بما نواجهه هنا….اننا نشعر بأننا مكروهون ، محاطون بالعداء . غير مرغوب فينا . ماذا قال لنا قطري من النظرة الأولى عندا سالنا عن هويتنا وقلنا له نحن من اسرائيل ؟ أجاب ،” كنت اود ان اقول لكم اهلا وسهلا. ولكن في الحقيقة أنتم غير مرحب بكم . أغربوا عن وجوهنا باسرع وقت ممكن”.
“المونديال هو تجربة عظيمة وحلم شخصي ..اذ تسنىّ لنا ان نتواجد هنا لتغطية مباريات كرة القدم”. ، بيد ان العداء في شوارع الدوحة جعل مراسيليننا يتوصلون الى استنتاج : ان هذا ( العداء) ليس من نصيب الحكومات او الحكام ، بل ان كراهية اسرائيل هي من نصيبب الناس في الشارع “….
ويضيف شخنيك “فيما نحن نغطي المونديال في الشارع يلاحقنا فلسطينيون، وايرانيون وقطريون ومراكشيون واردنيون وسوريون ومصريون ولبنانيون وهم يرمرقوننا بنظرات مشحونة بالكراهية “. ولما كنا نعرّف عن أنفسنا بأننا اسرائيليون وجدنا ان هذا يفرض علينا خوض مواجهات صعبة مع العرب ، لدرجة توجيه الشتائم النابية …عندها قررنا ان نعرف على انفسنا باننا من
الإكوادور. ” ويتابع شخنيك ان البعض نصحنا بانه ” لا يوجد اي إحتمال بأنهم سيتكلمون معنا.. وكلما كنا نحاول التقاط بعض الصور مع البرازيلين، كان الفلسطينيون يضربون طوقا حولنا ، وهم يلوحون بالأعلام .كانوا يصرخون في وجوهنا ويضايقوننا , وخلال جميع هذه الأوضاع كان فلسطينيون وقطريون يأخذون الصور مستهزئين بنا” .
ويعبر المراسل عن “صحوته” بكلمات ممزوجة بالحسرة وألألم ،يعترف شخنيك، “صحوت لأول مرة . كنت دائما رجل وسط، ليبرالي انشد السلام . كنت اعتقد دائما ان المشكلة تكمن في الحكومات ، في الحكام و فينا ايضا. ولكنني ادركت اثناء وجودي في قطر مدى ما يكن لنا الناس في الشارع من كراهية “.
ثم يخلص مراسل “يديعوت” الى القول:”الناس في الشارع هم الذين يكنون لنا الكراهية . وكم هم راغبون في محونا عن وجه البسيطة . وكل ما يتعلق باسرائيل يبعث في نفوسهم كراهية شديدة…”.
آسي مامين وغيدي ليبكين ،مراسلا “القناة ألإسرائيلية الأولى” في قطر(27/11/2022) افصحا عن خيبة امل شديدة مما اختبروه في قطر .
يقول احدهما :”في حال اقترابك من مواطن عربي في قطر وقدمت نفسك بأنك اسرائيلي ، ففي احسن الأحوال يستقبلك بوجه عبوس وبجملة تقول ” أنت غير مرغوب فيك هنا”. ربما يكون ذلك مخيبا للآمال اذ لا يستقبلونك بحرارة …ويقول آخر”الجدير بالذكر اننا لم نتوقع سلفا ان يستقبلوننا بالأحضان وبفرح شديد. والمعروف انه لا توجد اتفاقية سلام بين الدولتين. بل على العكس، فان قطر هي دولة معادية وآلة ضخ الأموال للفلسطينيين ولنظام حماس في غزة لم تتوقف” .
وقال آخر ” شعرنا للحظة اننا في خطر ، وواجهنا ذلك بصورة طبيعية، لأنه كان من الواضح لنا أننا غير محبوبين هنا.
ولم تتم الموافقة على دخولنا الى قطر الا في اللحظة الأخيرة وذلك بفضل الضغط الذي مارسته فيفا على اعتبار اننا مزمعون على حضور حدث دولي …”
وحاول المراسل ان يجد عزاءا لما واجههوه في قطر بقوله: ” العداء للسامية قائم في كل مكان في العالم ، وليس هنا فقط. ولكن خلافا لما يحدث في العالم ، فانه من حسن حظنا ،لم تسجل في قطر اية حادثة اعتداء جسدي ونامل الا يحدث ذلك . وبدلا من الإستمتاع بالمونديال ، فان البعض منا تعمّد..”ازعاج “المواطنين المحليين بتوجيه اسئلة لهم في محاولة لإستكشاف ما ستكون ردود افعالهم … ” لا يوجد شيْ اسمه اسرائيل وانما فلسطين:”
“رفض مشجع سعودي في منطقة للمشجّعين في الدوحة، الردّ على سؤال لمراسل قناة “كان” الإسرائيلية مواف فاردي، وصاح فيه بالإنكليزية “ليس هناك إسرائيل، هناك فلسطين فقط”، وتابع “ليس مرحبا بك هنا”. وقال فاردي “نجد صعوبة بالغة في العمل هنا”، لكنه أضاف: “الأمر مفهوم”. وقد حاز مقطع فيديو التقطه صحافي في وكالة فرانس برس على أكثر من خمسة ملايين مشاهدة على تويتر.
ألإسرائيليون يحتجون
في ضوء ما تعرض له المراسلون الإسرائيليون من رفض ونفور من قبل المواطنين العرب ، قام الطاقم الدبلوماسي الإسرائيلي التابع لوزارة الخارجية ، والذي يمكث مرقتا في قطر، ابالإحتجاج أمام السلطات المحلية، وأيضاً أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم [الفيفا]، على تعامُل القطريين مع الطواقم الإعلامية الإسرائيلية، ومع المشجعين من إسرائيل في المونديال.
وأضافت قناة التلفزة أن الرسالة التي قام الطاقم المذكور بإيصالها إلى القطريين، فحواها أن مسؤولية ما حدث، وما سيحدث، في دولتهم تقع عليهم، وأن التوقعات الإسرائيلية هي السماح للطواقم الإعلامية بالعمل بحُرية صحافية كاملة، والسماح للمشجعين الذين وصلوا لمشاهدة المباريات بالتجوّل بصورة آمنة.
ووفقًا للقناة، يأتي هذا على خلفية تسجيل عدد من حوادث التهجم على مشجعين إسرائيليين، وأيضاً تعرُّض صحافيين إسرائيليين جاؤوا لتغطية المباريات لعدد من المواقف تمت خلالها مهاجمتهم لفظياً ومعاملتهم بشكل عدواني وهجومي من جانب مشجعين ومواطنين وسكان قطريين وعمال في الملاعب وغيرهم.
وأوضحت القناة أن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي أجرى خلال الأيام الأخيرة نقاشات متواصلة بعد مشاهد شرائط الفيديو التي وصلت من قطر بشأن التعامل مع الإسرائيليين، وتناولت النقاشات إمكانية تحديد التعليمات للإسرائيليين الموجودين في الألعاب، وما إذا كان هناك حاجة لتشديد التحذير من السفر.
وقد ذهب بعض المعلقين الإسرائيليين الى التعقيب على الإنطباعات التي عاد بها النراسلون الإسرائيليون من قطر.
لماذا يكرهون إسرائيل في قطر؟
يقول الصحافي روعي شفارتس (هآرتس”، 27/11/2022)
· المفاجأة الكبرى في المونديال حتى الآن، إذا حكمنا من التقارير الكثيرة للصحافيين الإسرائيليين في قطر، هي أن الناس هناك لا يحبون إسرائيل. غريب! كيف يمكن لمواطنين في دولة ليس لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أن يكونوا مُعادين لنا. وصادم أن دولة تعبّر عن تأييدها للنضال الفلسطيني ضد القمع الإسرائيلي لا تستقبل بمودة أولئك الذي يرمزون إلى الاحتلال.
· لكن ما هو ذنب الصحافيين؟ هم جاؤوا إلى قطر، فقط لتغطية الحدث، واستُقبلوا بـ”مونديال الكراهية”، بحسب العنوان الأول في “يديعوت أحرونوت” في الأمس. راز شاخنيك، موفد الصحيفة وصاحب الخبر، كتب في نهاية الأسبوع على وسائل التواصل الاجتماعي: “كنت أعتقد دائماً أن المشكلة هي مع الحكومات، ومع الحكام. وربما لدينا. لكن في قطر، تعرفت إلى حجم كراهية الناس في الشارع.”
· هل كراهية العرب عموماً غير موجودة لدى شرائح من الناس في الشارع عندنا؟ يبقى أن نشرح من أين أتى الذين انتخبوا أعضاء الكنيست الذين لا يريدون حل النزاع مع الفلسطينيين؛ ويشجعون بناء المزيد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، ويعمّقون القمع وإدامة ظلم الاحتلال؟ هل هم مخلوقات من كوكب آخر؟ هل هم مواطنو دول معادية؟ وربما القطريون أنفسهم؟
· لكن يجب ألا نذهب بعيداً من أجل حل اللغز، أو بكلمات أُخرى من أجل دحض الادعاءات بأن المقصود فقط حكومات، وليس مواطنين، وأن الجو العام لا علاقة له بالجمهور. مَن أعطى صوته للإنجاز الكبير الذي حققه اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة؟ مَن هم هؤلاء الذين يصرخون “الموت للعرب” في مدرجات ملاعب كرة القدم، وفي المؤتمرات السياسية؟ مَن هم هؤلاء الذين ينتظرون لمعرفة ما إذا كان القتيل يهودياً أو عربياً من أجل تعزية العائلة، ومَن هم غير المقتنعين بالحاجة إلى قيام دولة فلسطينية، وفقاً لاستطلاعات الرأي؟
· هل من المحتمل أن كل هؤلاء لا يفرّقون فعلاً بين أفعالهم وبين الوضع الفعلي؟ وبين معتقداتهم وبين البطاقة التي وضعوها في صناديق الاقتراع؟ وبين يوتوبيا إسرائيل الكاملة – من البحر إلى النهر – وبين الواقع في المناطق؟
· ربما هم ببساطة، لا يعلمون ولا يريدون أن يعرفوا ماذا يجري وراء جدار الفصل. وإذا كانوا من الإعلاميين، الجهل ليس أقل من تقصير؛ وهو فشل في فهم أن احتلالاً مزدوجاً لمدة 55 عاماً مترافقاً بعدم مبالاة عامة من الجمهور لا يساوي حباً بلا حدود…؟
خلاصة القول ان هذا السخط الشعبي العربي على ألإحتلال يتزامن مع اتساع مساحة التاييد الدولي للحقوق الفلسطينية وازدياد التنديد باسرائيل كدولة عنصرية . وتعتبر ألإنطباعات التي خرج بها المراسلون الإسرائيليون افضل رد على التطبيع. وربما يتوصل ألإسرائيليون الى استنتاج ان استمرار الإحتلال للأراض العربية والفلسطينية سيؤدي في النتيجة الى عزلة اسرائيل التامة على الساحتين العربية والدولية. ونترك للقاريء الكريم استخلاص المزيد من العبر من هذه التجربة التي مر بها المراسلون الإسرائيليون.
كاتب فلسطيني ميسيساجا
