مقالات

مؤرخ وخبير فرنسي في شؤون الشرق الاوسط يحدد الرابحين والخاسرين من الحرب على غزة

التطبيع العربي الإسرائيلي في أحسن الأحوال لا يؤدي إلى حل النزاع وفي أسوأ الأحوال يزيد الأمر سوءًا

وأوضح أستاذ دراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية بباريس جان بيير فيليو أن الجولة الأخيرة من الاشتباكات الإسرائيلية الفلسطينية، بين 10 و21 مايو/أيار الحالي، أدت إلى مقتل 273 فلسطينيا -بينهم 25 في الضفة الغربية- و12 إسرائيليا، وشكلت مأساة أخرى بالنسبة لمليوني إنسان في قطاع غزة المحاصر منذ 15 عاما، وفاقمت صدمة حروب: 2008-2009 و2012 و2014، حتى إن الأمين العام للأمم المتحدة قال إنه “إذا كان هناك جحيم على الأرض فهو في حياة أطفال غزة”، كما أحيت هذه المواجهة صراعات إقليمية ودولية على السلطة، بين “الرابحين” و”الخاسرين”.

الفائزون الثلاثة الكبار

وفي حديثه عن الفائزين، قال فيليو إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن -عند منتصف نهار العاشر من مايو/أيار الحالي- أكثر من رئيس وزراء موقوف عن العمل وغير قادر على تشكيل حكومة جديدة، ويواجه لائحة ثلاثية بتهمة الاحتيال والفساد وخيانة الأمانة، بالإضافة إلى إهانة لاذعة تسببها له التعبئة السلمية للفلسطينيين في القدس الشرقية التي أرغمته على إلغاء الاحتفالات الإسرائيلية “بإعادة توحيد” المدينة المقدسة.

غير أن رشقات الصواريخ التي أطلقتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحلفاؤها من قطاع غزة أتاحت لنتنياهو استعادة دوره المفضل، وهو دور المدافع عن أمن إسرائيل في مواجهة “الإرهابيين”، وفي وجه أي شكل من أشكال التدخل الخارجي، سواء أكان دبلوماسيا أم إنسانيا أم إعلاميا، حتى إن قاعدته اللامشروطة أشادت بقصف مكاتب الإعلام الأجنبي في غزة، من دون أي دليل على وجود حماس في المواقع المستهدفة.

وفي الوقت نفسه -كما يقول فيليو- قررت حماس اختطاف الانتصار الرمزي للمتظاهرين في القدس الشرقية، بوصفها “المدافع” عن المسجد الأقصى، ثالث أقدس الأماكن الإسلامية؛ وبالتالي استفادت من المشاعر الهائلة التي أثارها التدخل الإسرائيلي في أوساط السكان الفلسطينيين الأكثر إثارة للصدمة، لأنها حدثت خلال شهر رمضان المبارك، مما أدى إلى تهميش الرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته، الذين اعتقدوا أنهم يديمون سيطرتهم على جزء من الضفة الغربية من خلال تأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر إجراؤها في 22 مايو/أيار الحالي إلى أجل غير مسمى، كما هي الحال دائما منذ تأسيس السلطة عام 1987؛ وعليه فإن حماس هي الفائز الآخر في هذه المواجهة.

ومن ناحيته، نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -حسب فيليو- في إظهار نفسه كأهم زعيم للعالم الإسلامي “يتعرض للهجوم” في وجه تدخل إسرائيل في المسجد الأقصى وقصفها لقطاع غزة، وذلك بعد أن أكسبته انتقاداته للهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2009 شعبية هائلة في تركيا وخارجها، لخروجه عن الصمت المحرج الذي التزمه أقرانه العرب، خاصة إذا أضيف إلى ذلك موقفه من تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي دافع فيها عن “الرسوم الكاريكاتيرية” المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

الخاسرون الثلاثة الكبار

أما في حديث البروفيسور فيليو عن الخاسرين، فقد أوضح أن الرئيس الأميركي جو بايدن خرج من أزمته الدبلوماسية الأولى أضعف مما كان، إذ إن العالم بأسره توقع منه أن يخالف الأحادية التي مارسها سلفه دونالد ترامب، ولكنه رغم ادعائه أنه يسيطر على القضية الإسرائيلية الفلسطينية، انتظر 9 أيام طويلة قبل أن يدعو إلى مجرد “وقف التصعيد”.

وعلق الكاتب بأن هذا المزيج الضار من الأحادية والسلبية لا يمكن أن يشجع إلا على استمرار الأعمال العدائية، ويهمش “المعتدلين” في المنطقة، ويزيد إذلال الأمم المتحدة التي منعتها الولايات المتحدة من التعبير طوال الأزمة، حتى إن واشنطن هددت وراء الكواليس باستخدام حق النقض ضد قرار فرنسي في مجلس الأمن يدعو إلى وقف إطلاق النار، وبالتالي فإن بايدن أظهر أنه لا يزال متأثرا بفشل الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما المرير في هذه القضية، ناهيك عن فشله في تبني نهج جديد أكثر انفتاحًا على حلفائه.

وبدا الاتحاد الأوروبي -كما يقول فيليو- منقسما وعاجزا، لم يتجاوز مرتبة المتفرج، في مواجهة صراع له عواقب متعددة على أراضيه، ومن ثم فهو يدفع ثمن خطئه الجسيم بقبوله تخريب عباس العملية الانتخابية الفلسطينية، وقد كان من الممكن أن يجبره -بصفته الداعم الرئيسي للسلطة الفلسطينية- على عرض ولايته التي انتهت عام 2010 للتصويت.

وفي الوقت الذي وفر فيه فك الارتباط الأميركي فرصة تاريخية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، لم يجتمع وزراء خارجية الاتحاد إلا بعد 8 أيام طويلة من بدء الصراع، وحتى البيان “التافه” الذي اعتمدوه في هذه المناسبة أدانته المجر، مما يثبت أن الاتحاد يفقد كل شيء.

من ناحيتها -يقول فيليو- أثبتت دولة الإمارات -وهي ثالث أكبر الخاسرين- أن معاهدة السلام التي أبرمتها في سبتمبر/أيلول الماضي مع إسرائيل كانت ثنائية فقط، ولن يكون لها تأثير إيجابي على القضية الفلسطينية، ليبقى تحول “الشرق الأوسط الجديد” الذي كان من المفترض أن تروج له “الاتفاقيات الإبراهيمية”، معها ومع البحرين والمغرب والسودان، مجرد عملية علاقات عامة

وهكذا -يضيف فيليو- كان على أبو ظبي عندما حانت لحظة الجد أن تترك الوساطة بين المتحاربين لمصر والأردن، وهما الدولتان العربيتان اللتان لا تحظر عليهما معاهدة السلام مع إسرائيل إقامة علاقات مع حماس.

وختم فيليو بأن الدرس المستفاد من ذلك أن التطبيع العربي الإسرائيلي في أحسن الأحوال لا يؤدي إلى حل النزاع، وفي أسوأ الأحوال يزيد الأمر سوءًا؛ وبالتالي فقد “حان الوقت لتدويل القضية الفلسطينية”، كما قال الكاتب الصحفي آلان فراشون في “لوموند”.

المصدر : لوموند
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى