مقالات

لن تسكتوا اصواتنا وسيبقى صوت شيرين يخلخل اساس كيانكم

د. نزيه خطاطبة

«إلى جنين« .. آخر ما كتبته الصحافية المقدسية شيرين أبو عاقلة على صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي قبل لحظات من إعلان استشهادها في مخيم جنين الذي عانقت ترابه وعايشت ونقلت للعالم معاناته ويعرفها فيه كل طفل وكاهل ومقاتل .

استشهدت شيرين أبو عاقلة ، الصوت الحر الذي اسمع صوت فلسطين للعالم عبر الجزيرة ، كانت في المقدمة دوماً ، لا تخشى الرصاص والاشتباكات والقصف والهدم ، كانت تتنقل بين كل ربوع فلسطين كطيرٍ حر تحمل معها هموم وأوجاع شعب يعاني ويلات احتلال غاصب ،  تتنقل بين بيوت هدمها الاحتلال وعائلات منكوبة  بالشهادة او الاسر، تلتقي الامهات والاطفال, وتشارك بالجنازات وكان صوتها يصدح عاليا لإيصال الحقيقة التي يحاول الاحتلال طمسها .

يوم الاربعاء, يوم حزين للصحافة في العالم، والصحفيين في فلسطين, يوم سقطت شيرين برصاصة جندي اسرائيلي حاقد تلقى تعليمات من قادته باغتيالها لاسكات صوتها وانذار الصحفيين الاخرين بانه لا حدود لفاشيتنا واجرامنا ولا حرية لاحد منكم حتى لو حمل الجنسية الامريكية او الكندية او غيرها فانتم فلسطينيون في نظرنا ومكانكم تحت الارض.

الاف الفلسطينيين شاركوا شيرين وداعها الاخير على طول الطريق من جنين الى القدس مرورا برام الله حيث اقيمت لها جنازة عسكرية مهيبة تليق بها ودورها , بمشاركة الرئيس محمود عباس ولفيف من القيادات السياسية والأمنية الفلسطينية، وممثلو الفصائل، ورجال دين ،. حيث لُف جثمانها بعلم فلسطين، وغُطي رأسها بالكوفية كباقي الشهداء الذين سبقوها على الدرب ونقلت رسالتهم .

قادة الاحتلال الذين رضعوا حليب الفاشية والعنصرية والقتل والاجرام وورثوه عن اسلافهم، حاولوا وبكل وقاحة التنصل من مسؤوليتهم عن الجريمة باتهامهم مقاتلين فلسطينيين بالتسبب بها, الا ان روايتهم سرعان ما تهاوت وبدأوا يقرون  بفشلهم في تسويقها لدى اطراف في السلطة الفلسطينية ولا حتى محليا.  فالرئيس الفلسطيني محمود عباس حمل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية الاغتيال مؤكدا الذهاب للمحكمة الجنائية الدولية لمعاقبة المجرمين ورفض التعاون معهم في تشكيل لجنة تحقيق.  وفي كلمة له خلال مراسم تشييع وتكريم الشهيدة بمقر الرئاسة في رام الله، قال عباس «رفضنا ونرفض التحقيق المشترك مع السلطات الإسرائيلية، لأنها هي التي ارتكبت الجريمة، ونحن لا نثق بها». وأجرت السلطة الفلسطينية تشريحا لجثمان الشهيدة  شيرين، وقال مدير معهد الطب العدلي ريان العلي إنه تم استخراج جزء من الرصاصة التي أدت إلى مقتل شيرين بعد إصابتها بالرأس.

ونقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عما وصفتها بتحقيقات رسمية أن وحدة تابعة للقوات الإسرائيلية تحمل اسم «دوفدوفان» كانت قد أطلقت رصاصها باتجاه الموقع حيث كانت شيرين أبو عاقلة لحظة إصابتها, وأن الرصاصة التي أصابت شيرين من عيار 5.56 ملم وأطلقت من بندقية من طراز M16.

يقول  الصحفي الاسرائيلي اليساري جدعون ليفي في صحيفة هارتس إن إسرائيل تحاول التملص من كونها  هي من قتلت أبو عاقلة، موضحا أن هذا هو دين الدعاية الإسرائيلية التي تبدأ بإثارة الشكوك ثم يسارع الإسرائيليون في جعل روايتهم هي الحقيقة ويسعون في تبريرها، وذلك على الرغم من أن العالم لا يصدقهم. وكمثال على ذلك، استحضر ليفي محاولة الدعاية الإسرائيلية بعد مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة عام 2000 طمس هوية قاتليه، لكنها لم تتمكن أبدا من إثبات روايتها ولم يصدقها أحد.

وأضاف ليفي أن الجنود الذين قتلوا أبو عاقلة هم أنفسهم الذين قتلوا قبل شهر من الآن الشابة حنان خضور وقد كانت تتنقل بسيارة أجرة من مدرستها الثانوية باتجاه منزل ذويها في مخيم جنين. التجارب السابقة تظهر أن أولئك الجنود لديهم الروح نفسها، ولا يجدون حرجا في إطلاق النار كما يحلو لهم، ولأنهم لم يعاقبوا على قتل حنان فإنهم، بقتلهم شيرين، يواصلون نهجهم.

شيرين قتلت على ايدي قادة حكومة الاحتلال  التي تتلقى تمويلا ودعما غير مشروط من قبل الولايات المتحدة التي تحمل شيرين جنسيتها ولم تشفع لها.

اغتيال شيرين سفضح حالة الضعف والانهيار في كيان الاحتلال ويعيد ابراز جرائم الاحتلال مجددا الى الواجهة والراي العام العالمي الذي اصبح لا يثق بدولة الاحتلال ولا يصدق رواياتها .

دولة الاحتلال الاسرائيلي التي تعيش هذه الايام اسؤا ايامها  بفعل سياسة التخبط والارتباك والازمات الداخلية وسيطرة اليمين الاستيطاني المتطرف والقوى الفاشية , وفشل نظرية الامن التي تفاخرت بها بفعل هجمات الفلسطينيين الاخيرة , والتهديديات الخارجية التي تحاصرها من الخارج وخاصة من قبل محور المقاومة , تحاول وبمساعدة اذرعها المنظمات الصهيونية المنتشرة في العالم  ومنها في كندا, قمع الاصوات التي تنقل حقيقة ما يجري في فلسطين , وارهاب المتضامنين مع فلسطين وشعبها في العالم عبر اطلاق عليهم تهم معدة مسبقا بمعاداة السامية وحتى تهديدهم والتضييق عليهم في عملهم ومنع ترشحهم لمناصب مهمة او لعضوية البرلمان وقيادة الاحزاب .

لن تسكتوا اصواتنا وسوف يبقى صوت شيرين يصدح قويا  كالرعد يخلخل اساس كيانكم الذي اقيم على معاناة ومأساة ملايين الفلسطينيين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى