مقالات

لم ولمن نكتب؟

بقلم: منير مزليني

لِمَ ولمَنْ، حرفان أو أداتا استفهام بسيطتان ولكن عندما نضيف إليهما كلمة (الكتابة) أو كلمة (الإبداع) لتصبحا، ِلمَ نكتب أو نبدع؟ ولِمَنْ نكتب أو نبدع؟ سوف تشكلان سؤالين كبيرين جدا، تستقرأ فيهما مسائل عميقة، وتنبثق عنهما أسئلة شائكة عديدة. حيث أن السؤال الأول مرتبط بالماهية والغاية، فيما يرتبط السؤال الثاني بالمتلقي أو المقصود بهذا الخطاب أو الإبداع. ولذا أرى من الضروري الفصل بين السؤالين ومعالجة كل واحد منهما على حدة، آخذين بعين الاعتبار روابط وتفضيلات كل سؤال أو إشكال.

لم نكتب أو نبدع؟

لم أو لماذا، مثل هذا السؤال الكبير قد يحملنا إلى عوالم عدة ويأخذنا إلى طروحات مختلفة، منها الذاتي الغائر في اغوار النفس ومنها الموضوعي المتشعب الأطر والنظريات.

طرح الذاتية:

أما الذاتية فيتعلق بالذات المبدعة ونظرتها للحياة ومدى فهمها للإبداع وكيف تنظر إليه، وهي بالتالي تعبر عن شخصية المبدع بما جبلت عليه فطريا وما اكتسبته تجريبيا وعمليا، إذ الإبداع في النهاية يعبر عن شخصية صاحبه، فهو هو ثقافة واعتقادا وعادات وعقدا وأحلاما وطموحات وأفراحا وأحزانا وجملة من العناصر الأخرى التي تتشكل منها الشخصية كل ذلك ينعكس سلبا أو إيجابا في إبداعه بقصد شعوري أو بغير قصد لاشعوري، كما أن كل ذلك يتحكم في رؤيته للإبداع نفسه وأي اتجاه فيه يختار. هل يكتب أو يبدع للذات أو بالذات؟ أما الأول فيكون لمجرد التنفيس أو لإثبات الذات وتحقيق الشهرة أو لملء الفراغ واستكمال النقص أو لتحقيق الأحلام التي عجز عن تحقيقها في أرض الواقع وغيرها… أما الإبداع بالذات، فهو توجيه الاهتمام للخارج والآخر، فيستعملون الإبداع للدفاع عن القيم والأفكار ويهتمون بالآخر وبمحيطهم الصغير والكبير، الضيق المحلي القومي أو الواسع العالمي الإنساني. ولذا نجد الأول يركز في الإبداع على “الحرية” مذهبا و”الكيف” توجها، في حين أن النوع الثاني يركز على “الالتزام” مذهبا و”الماذا” توجها. أي أن الأول غارق في مشاغل الذات منحبس داخلها، لا يرى ولا يهتم إلا بها أو من خلالها، فهو العالم والعالم هو. وغالبا ما تجده يركز في ابداعه على ضمير المتكلم أو يحوم من حوله، فإن كتب شعرا لا يقول إلا:

أراني ومن حولي العالم هائم

لا مرآ لغير رؤاي

آه، يا أنا الهائم في رباي

أراني واحدا في سواي..

وإن رسم لوحة: فلا تجد فيها غير صورته التي يحب أن يكون عليها أو يعبر تجريديا بألوان وخطوط متداخلة لا يحس بها إلا هو ولا يفهمها إلاه! وهكذا هي أحوال كل المبدعين الغارقين في محيط الذات وأغوارها في كل الألوان والأنواع الإبداعية الفنية. لا يهتمون إلا بذواتهم وإن ادعوا الإنسانية ولا يعبرون إلا عن أنفسهم وعقدهم وإن ادعوا الغيرة أو الصوفية. كل ذلك تحت غطاء الحرية والتوجهات النقدية الحديثة التي تقوم عليها.

أما الثاني الموضوعي، فاهتماماته غيرية وأفكاره إنسانية وانشغالاته اجتماعية سياسية، وهم أقرب للنثر منه إلى الشعر، وأميل إلى الواقعية منه إلى الخيال، ومن الرمزية منه إلى التجريد وهكذا.. وأغلب الروايات الناجحة لأصحاب التوجه اليساري الاجتماعي.. من مثل (ليو تولستوي) الروسي صاحب الأعمال الإبداعية الشهيرة ” الحرب والسلم” و ” أنا كارنينا” ، و(ميلان كونديرا) الفرنسي / التشيكي صاحب المؤلفات ذائعة

الصيت ” كائن لا تحتمل خفته” و ” كتاب الضحك والنسيان” ، وعربيا الروائي العالمي / المصري ( نجيب محفوظ) الحائز على جائزة نوبل، صاحي الثلاثية الشهيرة ( السكرية ، قصر الشوق ، بين القصرين) .

ودون تسبيق الأحكام التفضيلية بين هؤلاء وهؤلاء، بين أنصار (الكيف) وأنصار (الماذا)، أو بين أنصار (الشكل) وأنصار (الموضوع)، فإن المسألة تتجاوز المفاضلة وقضية الاختيار إلى ما هو واقعي وعقلاني ونافع للإنسانية. فمهما اختلفت نظرتنا للإبداع، وتباينت رؤانا حول فلسفة الجمال فإن الواقع والموضوعي هو الفاصل. وهذا ما يقودنا للشق الثاني من السؤال.

الطرح الموضوعي:

يتعلق هذا الطرح بماهية الإبداع في حدّ ذاته وفي غايته ودوره وفعاليته في هذه الحياة. إلا أن أخطر وأهم ما يواجهنا في هذا السياق تلك الرؤى المختلفة ولا أقول النظريات لكون هذه الأخيرة تتحقق بالتجربة المخبرية بعد الرؤية الفرضية. وهو الأمر الذي يصحب تحققه في الفنون والعلوم الإنسانية جملة لطبيعة المدروس أولا وصعوبة اخضاعه لتلك التجارب المخبرية. ولذا ظلت مجرد أراء وطرحات نسقية وذهنية تتجاذبها الأفكار المتعددة والأراء المختلفة والتي تنساق هي بدورها إلى خلفيات أيديولوجية على الأغلب تطرحها فلسفات محددة.

ولذا فالطرح الذاتي والموضوعي مرتبطان من ناحية الخلفيات الفكرية والأيديولوجية والعقائدية التي تتحكم في رؤيتنا للإبداع. فهناك من يبنيه من زاوية الحرية بتدرجاتها المتنوعة، وهناك من يبنيها على عقيدة الالتزام بتدرجاته وتنويعاته المتعددة أيضا. وكل هذه الأمور هي التي تتحكم في رؤيتنا للأشياء وبالتالي تحديد ماهيتها وغايتها. ففي الثقافة الغربية مثلا الرؤية قائمة على الأيديولوجيا الليبيرالية الغالبة، وهي الحرية والديمقراطية والتي تقوم عليها البنى النقدية للفن والإبداع، فيما الثقافة الشرقية كانت ولازالت إلى حدّ كبير تقوم على مرتكزات الأيديولوجيا اليسارية الاجتماعية، ومنها الثقافة العربية والإسلامية، حيث أن الثقافة العربية الصرفة تقوم على القومية العربية، في حين أن الثقافة الإسلامية تقوم على مبدأ الآية : (ن والقلم وما يسطرون) والتي جرت حولها تفاسير عدة منها ما رواه ابن عساكر ، عن أبي عبد الله مولى بني أمية ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” إن أول شيء خلقه الله القلم ، ثم خلق ” النون ” وهي : الدواة . ثم قال له : اكتب . قال وما أكتب ؟ قال : اكتب ما يكون – أو : ما هو كائن – من عمل ، أو رزق ، أو أثر ، أو أجل . فكتب ذلك إلى يوم القيامة ، فذلك قوله : ( ن والقلم وما يسطرون ) ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة ، ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت” .

بغض النظر عن تلك التفسيرات الشرعية، فما توحيه الآية دلاليا من الناحية اللغوية، خصوصا في كلمتي (ما يسطرون ) فدلالة الحرف ” ما ” لغير العاقل تدل على السؤال على الشيء المراد تسطيره أو كتابته أي ” “الماذا” ، ثم تأتي كلمة ” يسطرون ” ولم يقل ” يكتبون ” والتحديد هنا مقصود وهو مختلف عن الكتابة فالتسطير يوحي بالتخطيط والتفكير المسبق وإخراج المجهول للمعلوم هذا من ناحية دلالة المعنى أما الشكل فالتسطير فيه الدقة والفنية والصنعة، وكأن الدلالة تقول أو تجمع بين “الماذا” و”الكيف” في عبارة واحدة (وما يسطرون) وهذا ما نجده عمليا في منطق وشكل الكتاب ” القرآن ” حيث لا توجد كلمة أو حرف موضوع فيه إلا وله قصد ومعنى محدد، إضافة إلى الإعجاز البلاغي والجمالي الذي فاق وأعجز كل خطيب.

ولهذا السبب تعددت رؤى وتعريفات النقاد والأدباء والفنانين للإبداع بشكل عام، من شعر وقصة ورواية ومسرح ورسم وموسيقى وغيرها. ليبقى الفاصل والمعيار الحقيق بين تلك التوجهات والرؤى المختلفة هو الواقع واقبال المتلقي. وهذا ما يحملنا للسؤال الثاني من المقال والذي نرجئه للجزء الثاني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى