أدب

لغة السماء والأرض !

بقلم:منير مزليني\ عنابة الجزائر \

لم تعجز اللغة العربية في السابق عن ترجمة الفلسفة اليونانية القديمة ونقلها مع الشرح والتحليل والنقد وهي ما هي عليه من عمق وتعقيد ، فكيف تعجز اليوم عن مواكبة العصر وقد بات فيه العلم رموزا وأرقاما، لا دخل فيه للغة بقدر ما يتعلق الأمر بقدرة الفرد أو عجزه ! وبدل القاء اللوم على الرجل العربي الذي بات عاجزا عن اثبات وجوده وحماية هويته ومقوماته الحضارية والثقافية، راحت الأصوات الناعبة توجه أصابع الاتهام للغة العربية وترميها زورا وبهتانا بما ليس فيها وبما لا يليق بمقامها الرفيع ومكانتها العالية التي حباها بها ربّ الكائنات وشرفها بمحكم تنزيله. أو كما قال الشاعر:

رموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدت ولمّا لم أجد لعرائسي *** رجالا وأكفاء وأدت بناتي

وسعت كتاب الله لفظا وغاية *** وما ضقت عن آيٍ به عظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء لمخترعات

إن هذا الافتراء الكاذب والصارخ على اللغة العربية لخليق بأن يكون وليد الأقلام المأجورة والعقول المأسورة والضمائر المقبورة والنفوس المستعبدة التي طالما ظلت تحن لمستعبدها الذي ظل ماسكا بأغلالها المشدودة إلى أعناق عقولها وأرواح أفكارها، فلا ترى إلا ما يأمرها به سيدها ويخدم مصالحه ومآربه. وي كأنهم من الاخلاص كلاب لا تغدر بصاحبها ولا تحيد عن طاعته، وقد تعض أمهاتها وأخواتها إن لزم الحال وأمر السيد. فكانت أول الطعنات في صدر اللغة الأم لصالح الضرة وخليلة السيد مبتدعين فيها أبشع الخاذلات وأكذب النعوت، وللضرة أجمل الأوصاف وأرفع الشيم وما هي إليهم بمرضعة وما كان لحليبها في فمهم طعم. أو كما قال الشاعر :

عجبٌ!! ما بال قومي أدبروا وجروا *** يرجون ساقطة الغايات والهَمَلا

لم يأخذوا من ديار الغرب مكرمة *** من القناعة أو علما نما وعلا

لكنهم أخذوا ليَّ اللسان وقد *** حباهم الله حسن النطق معتدلا

اللغة ليس وعاء للفكر ولا وسيلة للتواصل فحسب، بل هي الفكر ذاته والتواصل عينه، فأنت تظل تفكر عربيا وإن جرى لسانك بلغة أجنبية مهما بلغت قدرتك فيها وتمكنك منها، لأن الروح التي تسكنك عربية وعقلك المفكر فيك عربيا، والناس عقول وأرواح لا أجساد وأصوات. واللغة شعور، وقد لا يسرك في ديار الغربة ويبهج روحك أكثر من سماع أحدهم ينطق بكلماتها ويشنف سمعك بأنغامها ولكناتها. اللغة هوية وانتماء وإن لم تكن أنت فلن تكون غيرك ولو خرجت من جلدك. أو كما قال الشاعر:

هذه الفصحى التي نشدوا بها *** ونحيي منْ بشجوها شدا

هو روح العرب من يحفظها *** حفظ الروح بها والجسدا

اللغة العربية إيمان وهدى ، فبها نؤمن وبها نتشهد مهما كان جنسك وكيفما كانت لغتك و، وفي ذلك حكمة ورسالة حملنا إياها رب العلا وشرفنا وأمرنا أن ننشر بها العدى ونعلي السنا، أو كما قال الشاعر:

ما أصفاك الله فينا عبثا *** لا ولا اختارك للدين سدى

أنت من عدنان نور وهدى *** أنت من قحطان بذل وفدا

لغة قد أنزل الله بها **** بينات من لدنه وهدى

أما عن تميز اللغة العربية عن بقية اللغات الأخرى السامية وغر السامية ، فقد شاع بالخطأ أو بالافتعال أن الزمن والوقت عند العرب ليس له أهمة وقيل أن العرب بدو رحل لا أهمية للوقت لديهم ، وأن مثل هذه الأهمية إنما تكون لدى أهل الحضر والحضارات الراقية. ولذا فقد شاع في عصرنا الحالي من الأقوال ما يمثل هذا المعنى ، فأصبع تخلف المرء عن موعده فيقال عنه أنه (موعد عربي ) ، كما أصبح الوقت لا يصلح لشيء، فيقال دعنا نضيع الوقت بالدردشة أو لعب الورق أو ما شابه . في حين أن اللغة العربية في ذاتها تفند هذه الادعاءات وتكذب هذه الصفات الذميمة، إذ لا توجد لغة معروفة من بين اللغات الراقية اليوم تعرف للوقت أهمية وتعطيه تفصيلا أكثر من اللغة العربية فقد قسم العرب قديما الوقت والزمن وأفردوا له أوصاف ومفردات تفيد الزمن والحركة في الزمن والفعل ومنها قولهم في تقسيم اليوم : ( البكرة والضحى ، الغدوة، والظهيرة، والقائلة، والعصر والأصيل والمغرب، والعشاء، والهزيع الأول من الليل، والهزيع الأوسط، والموهن، والسحر، والفجر ، والشروق) وهي تقسيمات تكاد تعد الليل والنهار بالساعات كما يقول العقاد ولا يوجد لها مثيل في بقية اللغات، كما توجد كلمات تفصيل بحب قصر أو طول المدة قولهم : ( ففيها اللحظة أو اللمحة للوقت القصير ، والبرهة والردح للوقت الطويل ، والفترة للمدة المعترضة بيت وقتين ، بل وجد فيها الحين للزمن المقصود المعين الذي يحين ، والعهد للزمن المعهود المقترن بمناسبات ، والزمن للدلالة على جنس الوقت كيفما كان ، والدهر للمدة المحيطة بجميع الأزمنة والعهود والأحيان، فمثل هذا الاحساس بالزمن لا تصوره لغة من اللغات التي نفهمها أو نفهم عنها على صورة أدق من هذه الصورة، ولا أدل على الأجزاء فيما بينها) .. كما أن تصريف الأفعال في الزمن عند العرب له أهمية الدلالية والنحوية والفلسفية، إذ يرتكز الفعل في اللغة العربية على الزمن الماضي ثم يشتق منه الحاضر، فالمستقبل في صيغة الأمر فيقال: ( بحث، يبحث، ابحث ) في حين تعتمد اللغات الأخرى على الحاضر ثم يضاف إليه حرف أو تتغير العبارة بالإجمال للدلالة على الماضي أو للدلالة على المستقبل، مثل قولنا باللغة الفرنسية : ( je cherche – j’ai chercher _je chercherai )

أو بالغة الانجليزية قولنا : (( I search _ I searched _ I will search ، وهذا له دلالاته المنطقية إذ أن الزمن في الحقيقة كما يقول المختصون، ينقسم إلى ماض ومستقبل، أما الحاضر فما هو إلا فاصلة هندسية لا وجود لها في الأصل لأنها تدل على الاستمرارية فهي غير ثابتة أو محددة ، في حين أن الماضي ثابت ومعروف ويمكن الاعتماد عليه لبناء أي فعل أو شروع فيه، وعليه فالأصح الانطلاق في الزمن من الماضي ثم المرور بالحاضر فالمستقبل.

فاللغة العربية على غير حال أهلها اليوم، فهي صامدة بفضل قوتها المستمدة من طبيعتها وقواعدها، ومن المغالطة والظلم ربطها بتخلف أهلها أو المنتسبين إليها. فاللغة العربية بطبيعتها أزلية أبدية وفيها من

الأسرار ما لا يعد ولا يحصى، ومن الإعجاز البلاغي ما لا ينضب ولا يبلى، رغم جحود الجاحدين، وحقد الحاقدين. فاللغة العربية مقرونة بالسرمدية والتحضر والرقي والفن والجمال والابداع وإن تخلف عنها أهلها و خذلها أبناؤها. فالقوة أصيلة فيها والبلاغة سحرها وجمالها.

لكن، هل يعني هذا أن نكتفي نحن أبناؤها بالوقوف على الأطلال والتغني بسحر لغتنا وجمالها؟!

نظرا للارتباطات العميقة للغة بهوية المجتمع وثقافته ودينه وحضارته فإنها كانت دوما محلا استهداف من قبل القوى الاستعمارية والثقافات المهيمنة والتي ما انفكت تحيك لها شتى المكائد وتنصب لها جل أنواع الفخاخ، لكن هيهات تفعل ! فها هي فرنسا احتلت الجزائر 130 عاما، لم تدخر فيها جهدا ولا وسيلة إلا وقامت بها من أجل طمس هوية الشعب الجزائري وقبر لغته ومحو دينه، إلاّ أنها باءت بالفشل الذريع وما اسطاعت أن تسلخ الشعب الجزائري عن أمته وحضارته وثقافة العربية الأمازيغية الاسلامية رغم ما تركته من جروح نازفة وغربان ناعبة وكلاب ناهشة! فالهوية الأصيلة والثقافة الرصينة واللغة القويمة والدين القيم لا خوف عليه من أي محتل أو مستعمر مهما بلغت قوته أو تعاظم جبروته، لكن الخوف كل الخوف من عقوق أبناء الداخل وخيانة أهل الدار، وكما يقول المثل الشعبي المعروف ( علة الفولة من جنبها ! ) ، فاللغة التي يهملها أهلها ولا يستعملونها أو يسيئون إليها أكيد أنهم سوف يقضون عليها بالفعل وإن ظلت موجودة بالقوة. فليس هناك أسوء وأذل من أن يتكلم أو يستعمل المسؤول لغة المحتل في التواصل مع أهله وشعبه، والأسوأ منها والأذل أن يستعملها مع الآخر تمثيلا عن شعبه ووطنه تحت أي ظرف كان وبأي حجة كانت، والأمر منها أن يستعملها الأبناء تباهيا وتفاخرا تحت وطأة عقدة التمدن والتحضر والفرنسية لا تساوي شيئا خارج حدود فرنسا وخارج سياج مستعمراتها القديمة المتخلفة ، بل إنها وصمة عار وعلامة استعباد على جبين المستعمَرين والمستعبَدين نفسيا وعقليا ! فالابن العاق لا يصلح لأن يكون متبنى جيد، والأم المتبنية وإن ازرقا عيناها وأشقر شعرها فلن تملأ حضن الأم الأصيلة كيفما كانت ، فما بالك إن كانت اللغة العربية بحلالها وجمالها ، اللغة التي حباها الله وفضلها واللسان الذي شرفنا به وكرمنا ، هذا اللغة التي غاصت في أعماق الفكر والفلسفة ، وأبحرت في فضاء الفلك والنجوم ، وجابت أغوار العلوم والطبيعة من فزياء و كيمياء، وابدعت في علم الحساب والهندسة والجبر، ناهيك عن سحر جمالها واعجاز بلاغتها في الأدب والشعر والفن. وما الغزالي وابن رشد والفرابي والبيروني والرازي وابن سينا وابو مروان وابن النفيس والزهراوي والغافقي وابن البيطار والكندي وابن الهيثم والخازن وابن خلدون وغيرهم، وغيرهم.. إلا بعض لألئها التي تملأ سماء العلوم بمختلف أنواعها وتصنيفاته. وفي الأدب والشعر امرئ القيس وجميل بن معمر وزهير وعنترة والمهلهل والنابغة والجاحظ والخليل وابن قتيبة وابن ابن الرشيق ، وجرير والفرزدق وأبي تمام والمتنبي وابو نواس والبحتري وليلى الأخيلية والخنساء وأبو العتاهية والأصمعي وابن زيدون وابن خفاجة وابن عربي والحلاج وصولا إلى شوقي وطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ والبشير الابراهيمي والشابي ونزار ومحمود درويش ،وغيرهم، وغيرهم الكثير ممن حبلت بهم هذه اللغة وأنجبت، ولازالت تحبل بهم إلى يوم الناس هذا.

وإني لا أجد اليوم منطقا للذين يتهمون هذه اللغة العربية بالجهل والتخلف والجمود إلا أن يعترفوا بأنهم جاهلون بها والناس أعداء لما جهلوا، أم أنهم عبيد لأسيادهم في زمن انعدم فيه عبيد الرق وظهر فيه عبيد الفكر، لا يرون ولا يقولون إلا ما يرى سيدهم ويقول ! وليس لهم حجة في ذلك ضرب الأمثلة بواقع الأمة العربية المزري، في مقابل الواقع الغربي المتطور المتقدم ! لكن هذه حال كل الحضارات عبر كل العصور ، تقوى وتضعف بحسب قوة وضعف حكامها وإيمان واخلاص شعوبها. لكن هذا الضعف والوهم ليس اصيل في الأمة العربية وما كان ولا ينبغي للغة العربية أن تكونه. والشيء بالشيء يذكر ،كما تعرف

الأمور بأضدادها ، فما هذا التكالب والتهجم على اللغة العربية وعلى الثقافة العربية وتراثها ودينها إلا دليل على قوة هذه اللغة وهذه الثقافة وهذا التراث وهذا الدين.

والسؤال الذي يظل يطرح نفسه ويلح على كل مفكر ومثقف عربي في عصرنا الحالي يقول : ما السبيل للخروج من عنق هذه الزجاجة؟ وما الحل للنهوض بالأمة وحضارتها؟ سؤال كبير ، ولكنه ليس بالغربيب عن عقل عربي عرف الحضارة وخبر السيادة وقاد العالم ذات يوم. وكما تقول القاعدة الطبية ” تشخيص الداء قبل وصف الدواء.” إلا أن هذا التشخيص لا يجب أن يكون ظاهريا ويعتمد على الأعراض الخارجية ، بل يجب اجراء تحاليل مخبرية ومجهرية لمعرفة الأسباب الحقيقية المباشرة وغير المباشرة.

فعلا إن الأمة العربية تعاني التخلف والجمود وهذا هو الداء، وأعراضه ومظاهره كثيرة ومعروفة، لكن ما سبب عدم الامتثال للشفاء بعدما قدمه التراثيون والحداثيون من دواء وحلول ؟! فدعاة الأصالة التراثيون يدعون إلى استعمال الأعشاب والوصفات القديمة متكئين في ذلك على مقولة ” لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. أما الحداثيون فلا يرون عن الحداثة الغربية بديلا وحجتهم في ذلك التفوق الغربي وتقدمه الحاصل على أرض الواقع. لكن ما غاب عن ذهن هؤلاء وهؤلاء، أن التراثيون واصحاب الأصالة أهملوا عامل الزمان ودوره في تدبير وتكييف الأحكام ، اما دعاة الحداثة الغربية فقد أهملوا عامل المكان ودوره في تدبير وتكييف الأحكام أيضا. في حين من أساسيات المقولات العقلية والمنطقية، مقولة الزمان والمكان وأنه لا يمكن الفصل بينهما أو تصور شيء دنيوي واقعي خارجهما. إذا مشكلة هؤلاء وهؤلاء تكمن في التقليد الأعمى والاستنساخ المتكرر للأنا وللآخر مع اهمال عاملي أو مقولة الزمان والمكان، وفي الجمود الفكري وعدم استقلا لية العقل والايمان به كقدرة فطرية طبيعية على الفهم والتدبر . وعلّ أول مشكلاتنا هو عدم إيماننا بذواتنا وباستقلالية عقولنا وحرية إرادتنا في اتخاذ قراراتنا.

ولأن هذا الموضوع كبير وواسع جدا ، وحتى لا نخرج عن سياق حديثنا عن اللغة العربية ، دعونا نكتفي بتسليط الضوء على هذه النقطة من خلال هذا السياق، ولنتفق بداية أن اللغة العربية في حدّ ذاتنا قد خبرت الحضارة بجميع علومها وفكرها وأنها تمتلك القدرة كما لها استعداد على التكيف مع أي وضع حضاري أو علمي طارئ ، وهذا بالنظر إلى طبيعتها كلغة ولودة ومولدة ولها قدرات اشتقاقية كبيرة ومجالاتها نسقية لا تعرف الحدود وهذا ليس كلام انشائي وانما استقراء واستنباط دلالي مبني على تجارب مخبرية علمية .

ثانيا: ماذا قدمت الفرنسية مثلا كلغة لمستعمليها الفرنكفونيين من المستعمرات السابقة غير المزيد من التخلف والتبعية والجمود . بل إن الفرنسية ذاتها وفي عقر دارها تعاني غزو لغوي انجلوسكسوني وأن رسائلها العلمية المتقدمة تقدم باللغة الإنجليزية. ثم ما موقع الفرنسية من خريطة اللغات العالمية والسامية من الناحية العلمية ونسبة الاستعمال عالميا؟

ثالثا: اللغة هوية وتمثل شخصية المجتمع فمن لا يمتلك لغة لا يمتلك شخصية أو أنا مستقلة، وبالتالي لا يمكنه الدخول في حوار حضاري وثقافي متبادل ، واعتماد لغة الغير كلسان تعتبر انطماسا للهوية وسحقا للذات ولا يمكن اعتباره حوارا بقر ما هو تبعية واستسلام ، ولا حوار بين مستعبَد ومستعبِد أو مستعمَر ومستعمِر إلا بالسياط . ولن تكون هناك حتى مقاومة لأن هذه الأخيرة لتكون إلا لمن آمن بذاته واستقلاليته.

فالحوار الذي تقيمه الدول العربية اليوم مع الآخر لا يمكن أن نسميه حوارا ولا مقاومة لأنه مبني على مفاهيم الآخر ومصطلحات الآخر وبلغة الأخر ، فما لديك أنت مقاومة لديه هو ارهاب، وأنت مضطر لأن تسميه كذلك حتى تجلس على طاولة الحوار الكاذب !

وعليه فامتلاك لغة خاصة والمحافظة عليها ضرورة حتمية لأجل الكينونة والتواجد ، لأنه لا وجود ولا كيان وحوار مع من لا لغة له، ولنحمد لله على أننا ننتمي إلى هذه اللغة العربية العظيمة، لغة السماء والأرض .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى