مقالات

كيف يُدار عالمنا اليوم ..؟!

بقلم : منير مزليني \

هذا السؤال ليس كشبيهه المباشر: من يحكم العالم اليوم ؟ الذي يصب مباشرة في نظرية المؤامرة ، ولكنه يتقاطع معه في النظرة المركزية للعالم، كما يتداخل معه في عدة نقاط حيوية يفرضها هذا النظام العالمي الجديد، الذي بات العالم في ظله قرية صغيرة لا اعتبار فيها للحدود الجغرافية التي أضحت مجرد خطوط مرسومة بقلم رصاص على خريطة العالم، يعاد محوها ورسمها من جديد وفق خريطة طريق تضعها القوى المهيمنة بحسب مصالحها وأهدافها الحيوية المسطرة مسبقا، لا سلطة تقف في وجهها ولا سيادة مزعومة غير سيادتها!

لكن هذا التصور التحليلي للعالم الذي يطلق عليه النظام العالمي الجديد أو العولمة، أو حتى الأمركة كما يفضل البعض، لا يزيح الغموض عن كيفية سير هذا العالم، ولا كيف يُدار ويُحكم.

نعرف أن العالم منذ القديم وهو يدار أو يحكم بثلاثة قوى: الدين والسلاح و المال. لكن السؤال الذي يطرح نفسها هنا، كيف كانت تحكم ؟ هل تحكم بشكل متوازي أو بشكل خطي مستقيم؟ أم ماذا..؟

باستقرائنا للتاريخ، يمكننا أن نكتشف أن هذه القوى كانت تحكم دوما، ولكن الطريقة والأسلوب هو الذي كان يختلف ويتغير من عصر لآخر. وبما أنه كان دوما يُرمز للحضارة بالهرم، فإنني أتصور أن هذه القوى لم تكن تُسير لا بشكل متواز ولا بشكل خطي أفقي ، وإنما كانت دوما تتوزع على زوايا الهرم الثلاثة بشكل ترتيبي معين ومتغير، فمرة تكون إحدى هذه القوى في القمة فيما يتوزع الآخران على نقطتي القاعدة، وأخرى تتحول فيها القوة الأخرى من القاعدة إلى القمة، وفق الأشكال التمثيلية التالي:

الدين – السلاح – المال

السلاح المال – الدين المال – السلاح الدين

فمرة يعتلي القمة الدين ويستعمل السلاح و المال في إدارة شؤون الحكم، ومرة يعتلي القمة السلاح ويستعمل الدين والمال لحكمه، وأخرى يعتلي فيها المال السلطة ويستعمل الدين والسلاح كأداتين لإدارة حكمه.

ووفق المعطى التاريخي المثبت، فقد نضع التصور الأول(نموذج الحكم الديني) في العهود القديمة السابقة، أيام كان الإمبراطور أو الحاكم أو السلطان يحكم باسم الدين فيستعمل السلاح والمال لنشر هذا الدين تحت راية الصليب كما فعل الصليبيون سابقا، أو نشره تحت راية ” لا إله إلا الله ” كما جرى في الفتوحات الاسلامية المعروفة، وفي هذا النموذج تستعمل قوى السلاح والمال لخدمة الدين والعمل علىنشره وتبليغ رسالته السماوية لا يشاركه في ذلك شيء، وإن كان النموذج يختلف من حاكم لآخر، ومن دين لدين غيره، ومن عصر لعصره آخر. فالحكم في ظل الديانات الوثنية ليس كما هو في الديانات الموحدة أو السماوية ، كذلك في ظل هذه الديانات الموحدة فهو يختلف من دين إلى دين، فالحكم في ظل الدين اليهودي ليس هو في ظل الدين المسيحي، أيضا ليس هو في ظل الدين الاسلامي. بل قد نذهب بعيدا لنقول أن الحكم كان يختلف في ظل الدين الواحد، فليس هو في الاسلام واحد، ولا هو في المسيحية واحد، ولا هو كذلك في الديانات اليهودية القديمة الأخرى واحد أيضا. و أظنني في حلّ من ضرب أمثلة على ذلك لأن الشواهد التاريخية التي تعج بها المراجع كثيرة، ولا تعدّ ولا تحصى.

ويمكن أن نضع التصور الثاني، أي حكم السلاح ونضعه في نموذج الحكم الديكتاتوري التسلطي بأشكاله المختلفة وعبر مختلف العصور ، ولكنه حسب المراجع التاريخية جاء في مرحلة ما بعد مرحلة الحكم الديني، أين تسلط الحكام أو الأباطرة على رجال الدين أو دور العبادة أو الكنيسة واستعملوهم لصالحكم فحكموا الناس بقوة الدين والسلاح . طبعا مع الاشارة إلى بعض الاختلافات والتحفظات الواجبة، حسب كل حاكم أو دين أو عصر. ولعل هذا النوع من الحكم مازال قائما إلى عهد قريب لاسيما في دول العالم المتخلفة أو ما يعرف بالعالم الثالث. وأيضا لا أرى داع من ذكر الأمثلة لأنها محفوظة عن ظهر، قلب خصوصا لدى شعوب دول العالم الثالث. ولكنه لا مندوحة من ذكرة أمثلة تاريخية للتوضيح ورفع الالتباس ، ولا أرى خير مثال من الفوهرر (أدولف هتلر) الذي حكم بقوة السلاح في فترة ما بين 1933 – 1945 باسم الحزب النازي، والذي كان يتخذ مبدأ القوة شعارا له، بمرجعية فكرية تتخذ فلسفة (فريدريش نيتشه) عقيدة لها ، والتي ترى بأن الدين أفيون، والمال سلاح، لنشر هذه العقيدة الساعية وراء إيجاد الانسان الخالد.

أما التصور الثالث والذي يعتلي فيه المال رأس هرم الحكم، فهو المقصود في هذه السياق لأنه يمثل وضعية عصرنا الحالي، ويوضح الجواب عن السؤال الذي طرحناه في بداية المقال. والذي نقصد من خلاله كيفية توظيف الدين والسلاح لخدمة سلطة المال، وفق سياسة مالية مدارة من قبل أصحاب رؤوس الأموال الضخمة. ولكن قبل الشروع في تفصيل هذا الأمر، لا بد من توضيح بعض النقاط حتى لا يختلط علينا الأمر بين سلطة الوسيلة وسلطة الغاية. إذ أحيانا تضطر الظروف أو السياسة المتخذة رفع راية الأداة واظهارها بمظهر الغاية للتظليل وكسب التأييد ، وغالبا ما كانت ترفع راية الدين (الأداة) كغاية لكسب المؤيدين وتبرير السياسات والتصرفات على الأرض. وهو الذي لا يجعلنا نستغرب من مقولة أن (نابليون بونبارت) أثناء حملته على مصر 1798 ادعى اعتناق الاسلام للتسهيل على حملته في الأراضي الاسلامية وبسط نفوذه عليها.

وعلنا لا ننسى الشعار الديني المختلط (المسيحي اليهودي) الذي رفعه الرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن) بعد أحداث 11 سبتمبر 2011 لضرب أفغانستان والعراق ومدّ نفوذه في منطقة الشرق والعالم الاسلامي تحت ذريعة مكافحة التطرف الديني (الارهاب). أين يُستعمل الدين بوجهين مختلفين: الايجابي والسلبي، فيرفع راية الدين (المسيحي اليهودي) ايجابيا لكسب تأييد المجتمع الغربي، واستعماله سلبا في الشرق والشرق الأوسط تحت اسم (الارهاب الاسلامي) لغزو العالم الاسلامي. لكن الغاية الحقيقية والتي لا يجهلها أحد هي الاستحواذ على الثروات الطبيعية بالمنطقة (الغاية المالية)، أي أنه كان يستعمل قوة السلاح و قوة الدين لخدمه الغاية المنشودة وهي قوة المال.

وبإحلال هذا النظام العالمي الجديد، وارساء قواعد العولمة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، صار العالم في قبضة أصحاب رؤوس الأموال الكبير، وفي يد حفنة من كبار المضاربين المتاجرين بالعملات والأوراق المالية. وبات كل ساسة العالم وقادتها مجرد منفذين لسياسة هؤلاء المضاربين، الأمر الذي يؤكد عليه رئيس هيئة الأمم السابق بطرس غالي في إحدى تصريحاته بقوله: ” إن القادة والسياسيين لم يعودوا يمتلكون الكثير من مجلات السيادة الفعلية التي تمكنهم من اتخاذ القرار، إلا أنهم يتصورون بأنهم قادرون على حلّ المسائل الرئيسية. إني أقول، إنهم يتوهمون، إنهم يتخيلون، أن هذا بوسعهم ” . كتاب فخ العولمة ص 330 .

أو كما يقول مُراجع كتاب (فخ العولمة) أ.د. رمزي زكي، على لسان مؤلفيه (هانس ـ بيتر مارتن) و ( هارلد شومان) شارحين الوضع الحالي للعالم : “فما يحدث الآن على ساحة الأسواق النقدية والمالية، هو النتيجة الطبيعية والمنطقية للسياسات والقوانين التي شجعتها وأقرتها حكومات الدول الصناعية الكبرى، تخت ما يسمى بـ ((تحرير الأسواق المالية والنقدية)) ، وهي العمليات التي سرعان ما أحبر صندوق الانقد الدولي مختلف دول العالم على تطبيقها ، بإطلاق سعر صرف عملتها ، وانفتاحها التام على السوق المالي العالمي. وهذا الانفتاح يجبر هذه الدول على التنافس في تخفيض الضرائب وتقليص الانفاق الحكومي، وخصخصة مشروعات الدولة، والتضحية بالعدالة الاجتماعية. وكل ذلك يتم الترويج له على أساس أنه ينسجم مع المصلحة العامة كلية.”

وما دامت سلطة المال تتربع على رأس هرم الحكم لعالم اليوم ، فإن كل السياسات الحالية تصب في خدمة هذه الأيديولوجية المالية الصارمة، وتعاقب كل مخالف لأوامرها أو خارج عن طاعتها أو مسارها. وبالتالي أضحت كل دول العالم تعاني من هذه الضغوطات التي تمارسها تلك المؤسسات المالية والمنظمات الدولية المطبقة لسياسة الانفتاح المعولم. وبات الحديث عن السيادة الوطنية والسلطات المحلية مجرد خطابات سياسوية مدمغجة تقرأها نشرات الأخبار على أسماع المتقاعدين والماكثين بالبيوت للتسلية وتمضيت الوقت. إلا أن الحكومات الداخلية لم تجد بدا من الانصياع لسياسة الانفتاح الاقتصادي والمالي المعولم. ثم تبعها في ذلك الأمر أرباب العمل وأصحاب الثروات لتلك الدول وأثرياؤها، وسارعوا للتطبيع مع سياستها وتطبيقها لأجل التكسب والربح، وهو ما أشار إليها مؤلفا كتاب ( فخ العولمة) بقولهما : ” حينما يبدأ البلد في الانصياع لتلك السياسات، والخضوع لمنطق اسواق النقد والمال العالمية، ينضم الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال من أبناء البلد قائمة المقيّمين للسياسات الاقتصادية في بلدهم، وكيف لا يحدث هذا، وهم الآن بوسعهم استثمار أموالهم في أي مكان في العالم؟ “

هذا الأمر، الذي يفسر ما يقع من فساد مالي ضخم على أعلا مستوى في العديد من دول العالم المتخلف، ويوضح الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء الساسة والقادة الفاسدين وهم يطبقون سياسة الانفتاح المعولم المفروضة من القوى الضاغطة و المؤسسات المالية والمنظمات العالمية الكبرى، لقد أرادوا أن يجمعوا بين الثروة والسلطة في آن واحد، وبدل أن يدعموا رجال أعمال حقيقين لهم تاريخ وباع في هذا الميدان، دعموا أرباب أعمال مفبركين أو لنقل أنهم وكلاء مسيّرين، إلا أنه ليس لديهم تاريخ ميداني عملي في قطاع الصناع أو التجارة أو غيرها، بل هم مجرد فقاقيع منتفخة مفضوحة لا تمتلك أي رصيد عملي أو تاريخ مالي. أثرياء خلقوا بين عشية وضحاها، استفادوا من قروض خيالية من البنك الوطني المركزي المحتكر عليهم دون غيرهم، ثم تدخلهم السافر في المجال السياسي وبشكل مستفز ساذج، الأمر الذي شدّ الانتباه إليهم ، وأدى إلى تفجير غضب الشارع فيهم، فكانوا كبش فداء لسياسة فاشلة، ولساسة مبتذلين. ففي مثل كذا عالم تحكمه سلطة المال، لا تُكسر فيه غير الدُّمَى المتخشبة، أما الأثرياء الحقيقيون فهم على

الدوام يحركون الخيوط ، ويكتبون سيناريوهات الأعمال الاقتصادية والمخططات المالية الناجحة. كيف لا والسيد “ميشال كامديسو” البيروقراطي الفرنسي الشهير المدير السابق لأكبر المؤسسات المالية في العلم ( صندوق النقد الدولي) لا يعدوا أن يكون إلا مجرد أداة أو دمية تحركها أصابع يد مجهولة، أو كما يقول عنه المحللون :” تحول وهو المدير المتسلط المهيمن على مقدرات أكبر مؤسسة مانحة للقروض في العالم، إلى دمية تحركها أصابع لا يعرفها هو نفسه.” فخ العولمة ص 89.

لقد بات العالم فعلا قرية في قبضة أصحاب رؤوس الأموال الضخمة والمضاربين الماليين المسيطرين على كل المؤسسات المالية والمنظمات الدولية الفاعلة الواضعة لسياسات العالم، وكما يشير مؤلفا الكتاب بأن (هناك 378 مليارديرا في العالم يملكون ثروة تضاهي ما يملكه 2.5 مليار من سكان المعمورة، أي ما يزيد قليلا على نصف سكان العالم . وأن هناك 20{dd6ac4e94045eac4f8f9aace8cea690184c32c8e57a2256faefd65b98058e921} من دول العالم تستحوذ على 85{dd6ac4e94045eac4f8f9aace8cea690184c32c8e57a2256faefd65b98058e921} من النتاج العالمي الاجمالي ، وعلى 84{dd6ac4e94045eac4f8f9aace8cea690184c32c8e57a2256faefd65b98058e921} من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85{dd6ac4e94045eac4f8f9aace8cea690184c32c8e57a2256faefd65b98058e921} من مجموع المدخرات العالمية .. في حين تعيش أغلب السكان على الهامش.) فخ العولمة ص 11 .

لقد آن الأوان لأن تستفيق شعوب دول العالم بما فيها شعوب الدول الصناعية المتقدمة، لأنهم معنيون أكثر من غيرهم، وهم أول الضحايا وأقربهم للهلاك، بعد أن حولوهم إلى مستعبدين ومرتهنين لدى أرباب العمل والمضاربين الماليين وأصحاب البنوك الربوية القارضة، إنهم يعيشون رفاهية مزيفة مرتهنة ومستعبدين مستغلين من قبل أرباب العمل وأصحاب الشركات الكبرى. إن شعوب العالم اليوم معنية بأن تستيقظ من سباتها، وتستفيق من غفلتها، وتقف متحدة لمواجهة هذا الخطر العالمي المتغول المستوحش، المصاص لدماء الشعوب والمستنزف لثرواتهم وأموالهم. هذا المتغول الجبار عدو الانسانية والبيئة والعدالة الاجتماعية. إنهم حفنة من مصاصي الدماء باتوا يتحكمون في مصير شعوب العالم من خلال السيطرة على الثروات وعلى الاعلام وعلى كل ما هو حيوي وقوة في هذا العالم، لكن إرادة الشعوب لا تقهر إذا ما أرادت أن تتحرر من قبضة هؤلاء (الأرباب) المجرمين، لقد أسسوا عالهم الجديد على نظام ديمقراطي مزيف، أساسه تحرير الأسواق المالية واستعباد الانسانية. لقد أخرجوا الناس من عبادة الأديان إلى عبادة الأموال، ومن عبادة رب العباد إلى عبادة رب الأموال.

ولم يبقى للبشرية إلا الخروج عليهم، وضرب نظامهم ومقاطعة أسواقهم، إن دينهم وعقيدتهم هي المال والثروة، كما أنها قوتهم وسلاحهم. وما على البشرية إلا أن تكفر بهذا الدين وهذه العقيدة المزيفة ومقاطعتها والرجوع إلى فطرتها وطبيعتها البشرية السليمة، فتوازن بين الأشياء، فتعبد ما يُعبد، وتحيى ما يُحيى، وأن لا تخرج عن المسار الصحيح للطبيعة والحياة.

عنابة في : 18/11/2020

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى