الرئيسيةمقالات

كيف علمت بالحرب على العراق قبل عامين.. ولماذا كان اغتيال الحريري ذريعة لتدمير سورية؟ وهل كان عبد الكريم قاسم بريطاني الهوى؟

علي الزعتري \

ذكر فاروق مسؤول الدائرة السياسية في منظمة التحرير خلال محاضرة في بلغراد  عام 1975،  أن الرئيس السادات قال لوفدٍ فلسطيني أن حرب رمضان كانت للتحريك لا للتحرير. وفي  صيف 1988 أثناء سفري إلى منطقة البحيرات الخمس بشمال ولاية نيويورك أسَّر لي زميل دراسة الماجيستير عقيد بالجيش الأمريكي أنه يتدرب في الصحراء الأمريكية على غزو دولة عربية! سألته أي واحدة فقال أنه لا يستطيع البوح بهذا. وفي غمرة القصف الأطلسي لبلغراد في التسعينات وخلال حفل استقبال دبلوماسي بطرابلس الغرب قلت للصديق الأديب الدكتور علي الحديثي سفير العراق أن ما يجري في السماء اليوغوسلافية ما هو إلا تمرين للقادم على العراق. ساعتها ردد بلا سمح الله. وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري بشباط ٢٠٠٥ وتوالي الضغوط على سورية أبديتُ لشخصيةٍ سوريةٍ رفيعة المستوى أن ما يجري يشبه السيناريو العراقي لأخذ سورية للهاوية. وفي السودان بعدَ حوالي العقد من الزمان استمعت للوزير إبراهيم حامد يسألني عن جدوى إقامة علاقات مع إسرائيل فقلت له أنها الخطيئة بعينها. وفي ذروة التقدم السوري بغطاء روسي بدرعا والجولان وخلال لقاء تنسيقي نظمته الإدارة السياسية بالأمم المتحدة صرحت ممثلتها أن إسرائيل جاهزة لتقديم المساعدات الإنسانية من حيفا للمعوزين السوريين عبر الحدود. قلت لها ولمن يسمع أن الجولان محتل ولا وجود لحدود بل خط هدنة. لكن فكرة ترويج حيفا والمساعدات العابرة غاصت بفكري ونظرتي للآتي. كنتُ أسمعُ وأقرأُ وأحاولُ تلمس مصيرنا الذي تحول بالتدريج منذ بداية الثمانينات لسلسلة تدمير ممنهج للمؤسسة الرسمية والشعبية. غرق بعضنا بالبلايين المقنطرة وسبل هدرها فخراً زائفاً وبعضنا بدوامات الفقر التي تتوالد وشبابنا منفطرٌ بين شوقٍ الهجرة و أحلام الانعتاق و معتقدات خوارجيه مميتة مارست دموية لا تغفر و آخرون اندفعوا للتعلق بالتهافت المريع على قضم قشور الحضارة التي تفرض عليهم و بعضنا بالطبع ليس من أي فريق سوى فريق الرجاحة المجتمعية والعلمية والوسطية الدينية و التوق للحرية المسؤولة. لكننا جميعنا انسحبنا للأسوأ بحكم الحكمة أن الصالح يؤخذُ بجريرة الطالح. نظرية مؤامرة؟ نفيها لا يزيد ولا يقلل التأكيد برجاحة الفرضية: إن لم تكن مؤامرة فما هي إذاً؟

المصيبة أننا نحن جمهور المتابعين غير المنخرطين بالحكم والمؤسسة الرسمية نستنتج المؤامرة التي تثبتها الأحداث. ومن هم في الحكم والعالمين بالدواخل؟ هل يتجاهلونها؟ أم هم قصداً مكوناتها؟ أم هم مغلوبون على أمرهم ويدورون الزوايا والانحرافات لتقليل وطأة الخسارة؟

جدليٌ الدكتور عبدالله النفيسي منذ بدأ برنامجه في السبعينات من القرن الماضي بتلفزيون الكويت “المائدة المستديرة” و هذه الأيام يزيد الجدل بذكرياته التي يبثها تلفزيون الراي ببرنامجه “الصندوق الأسود” بإدارة حوار فذة من عامر التقي. قال النفيسي أن السفير البريطاني ببغداد أيام حكم عبد الكريم قاسم كان صديقاً حميماً لقاسم و قال السفير له، أي للنفيسي، أن قاسم كان رجل بريطانيا بالعراق و أن تصريحه عام ١٩٦١ بتبعية الكويت للعراق لم يكن سوى قرصة أذن بريطانية للكويت لتبتعد عن قومية جمال عبد الناصر.  وبالشأن العراقي، و بعد ثلاثة عقود كتب رامزي كلارك، المدعي العام الأمريكي أيام ليندين جونسون و المناصر للعراق منذ التسعينات، بكتابه “النار هذه المَرَّة”، و بتسلسل الأحداث الذي عرضه في المقدمة، أن انقلابا بعثياً بمساندة وكالة الاستخبارات الأمريكية جري عام ١٩٦٣. قاسم رجل بريطانيا وصدام رجل أمريكا! هل ننسى ما قالته إيبريل غلاسبي أن صدام أساء فهم كلماتها و قدر أن واشنطن لا تمانع غزوة الكويت؟ هل نقيس على ذلك مدى تغلغل النفوذ بقادة و حكومات المنطقة؟ هل حقاً نعتقد أن عقيداً متواضع المركز و بجيشٍ متواضع يستولي على الحكم بوجود قاعدتين لبريطانيا و أمريكا بليبيا عام   ١٩٦٩؟ ثم يمضي يزرع فوضى غير خلاقة ببلده و المنطقة بل و العالم و بهذيان المتجبر المتخدر؟ ثم يُقتل أشنع قتلة و ترث بلاده فوضى عارمة لم تستطع المبادرات وضع حد لها. وكيف نفسر صعود آخر بالسودان يقوم بنقل الفلاشا بعد سنوات عبر أراضي وأجواء السودان ثم اليوم عسكريٌ سودانيٌ وراء آخر يسعون للتطبيع مقابل ثمن؟ هل نعقل أن شاهاً كان للغرب حليفاً يُسقطه إمامٌ لجأ للغرب ثم أتى من فرنسا لطهران تحت سمع و بصر الغرب؟ رغم احترامي لثورة الشعب على الطاووس. و كيف نقيم معاهدة سلام مع إسرائيل سُحِبَ فيها الأردن، على سبيل المثال و المعيشة و المعرفة، لا للرفاه المتأصل بالقدرات الذاتية الموجودة عند الأردنيين والمنافسة المشروعة لهم و هم القادرين عليها بمجالات الطب و العلوم و التقانة  لتضاعف الدخل القومي و ترفع عموم مستوى المعيشة، و لكن لدوامة مُجتمعٍ استهلاكي  يعيش على ديون داخلية و معونات خارجية و ضيق مجتمعي و رغبةٌ للهجرات يجاهر بها المواطن رغم وعي المؤسسة و محاولاتها الإبحار باستقلال. أليس من بديهيات السلام عموم الرخاء؟ لكننا نراه يتحدانا بوقاحة و يدفعنا دفعاً لليأس و البؤس. كيف كذلك نبرر كون على الأقل عشرة بلدان عربية تصنف دوليا تحت وطأة أزمات إنسانية في اليمن و العراق و سوريا و الأردن و فلسطين و لبنان و الصومال و السودان و ليبيا و تونس؟ كنا منذ ١٩٤٨ نعرف لاجئاً واحداً هو الفلسطيني، فأضحينا بلاجئين و نازحين عرب من كل الأعراق و على إمتداد الرقعة بعد ٧٢ عاماً و حسابات الأمم المتحدة لعام ٢٠٢٠ في وثيقة لمحتها الإنسانية التي صدرت قبل أيام أتت بهذه الأرقام الخيالية لهذه الدول:

بها، هذه الدول، ٦٠ مليون إنسان كانوا عام 2020 ينتظرون المعونة الخارجية و المقدرة ب ١١ بليون دولار و المسدد منها تقريباً النصف. هذا غير المطلب الإقليمي للاجئين السوريين ببلدان الجوار المقدر تعدادهم مع المجتمعات المضيفة ١٠ مليون شخص يحتاجون ٦ بليون دولار وصل منها أقل من ٢ بليون. أما مطلب العون للتعامل مع الكورونا بالأردن و لبنان فقط فهو تقريباً ١٩٠ مليون دولار لعدد سكان يصل إلى ٧ مليون.

 أما لعام 2021 فهناك 64.5 مليون معتاز بمنطقتنا و لكن النظام الإنساني الدولي لن يصل إلا ل 47 مليونا فقط! و المطلوب لهذا الوصول مبلغ 11.5 مليار دولار لا غير. للعلم أن الدول المستهدفة تشمل العراق و ليبيا و فلسطين و الصومال و السودان و سوريا و اليمن. أما أزمة اللاجئ السوري الموزعة بين الأردن و لبنان و تركيا و العراق فتتطلب 5.8 بليون دولار لعشرة ملايين لاجئ.

هذه هي أرقام الأمم المتحدة.

أنقرأُ هذه الأرقام بجديةٍ أم ماذا؟ كارثةٌ عربية تعصف بالمنطقة و الجمعُ العربي يستهلك و يهدر مقدرات هائلة فهو إما غير مكترث أو يشعر أنه غير مأزوم؟ إنه في الواقع تحت نوعٍ من إنكار المصيبة، كمن يدخل نوبة ضحك خلالها ثم يلطم و يبكي.  فلنبكِ كثيراً بهذا؛ ها هي نفقات التسليح العربية و بعضها يطلب المعونة الإنسانية وغيرها من أشكال الدعم و التي قدرها موقع Globalfirepower.com لعام ٢٠٢٠ بالمليارات: السعودية 67.6 ؛ الإمارات 22.7 ؛ الجزائر 13؛ مصر 11.2؛ المغرب 10؛ عمان 8.686؛ الكويت 6.831 ؛ قطر 6؛ ليبيا 3 ؛ الأردن 2.6 ؛ لبنان 2.5 ؛ السودان 2.47 ؛ سوريا 1.8 ؛ العراق 1.73 ؛ البحرين 1.415 ؛ اليمن 1.4 ؛ و لتونس بالمليون 550 ؛ الصومال بالمليون 62.2 ؛ و موريتانيا بالمليون 50.25 . المجموع هو تقريبا 165 بليون دولار.  لا أحد يجادل بحق الدول حيازة السلاح و الدفاع عن نفسها لكننا نرى إنفاقاً لا يتخيله عقل مع عازة لا تتحملها روح إنسان و أنا لم آتِ هنا بنفقاتٍ متعددة أُخرى و كمالية للدول العربية التي تشكو من الأزمات. حقاً، ليست الأمور بالمثالية هذه و لسنا بدولة أفلاطون لكننا ننعى و أقولها واعياً إدراك مسؤول يبخل على قطاعات التعليم و التربية و الصحة و المجتمع و يفضل الصرف على راجمة صواريخ.

لسنا بوعينا مطلقاً حين تُشن حرب اليمن و تأكل الأخضر و اليابس منذ عام ٢٠١٥، و في سوريا التي حربها دخلت عقدها الثاني أو ليبيا المعضلة التي تشبه روما نيرون و جنس الملائكة.  لسنا بوعينا بتاتاً حين تُفتح بوابات الأقصى والقيامة للقادمين العرب بالطائرات العريضة و تحت ناظرهم يمنع نفس الجندي الصهيوني الذي يبتسم و يهش باشاً لهم لولوج البوابات المقدسة للتصوير، إخوانهم أم أعدائهم الفلسطينيين من دخول المسجد و الكنيسة و الحارة و الحياة.

لقد قادت السياسة الفردية الأنانية الخرقاء لكل هذه الأخطاء الكارثية التي أنتجت هذه الأزمات. وهي لعبت مع مخططٌ مرسومٌ ينفذه مُجمَّعٌ كونيٌ و يشترك به بمعرفة أو بسذاجة مكونٌ محلي مستفيد لخلق ظروف مثل تشريد الفلسطينيين المتواصل منذ عام ١٩٣٦ و تسريب الشباب لفلسفات هدامة و تجذير فتن طائفية. حرب اليمن الستينية ثم حرب  إيران و العراق و الاجتياح العراقي للكويت والدولي الأمريكي للعراق و اندلاع الربيع العربي  كانت لإلقاء ملايين العرب و الأقليات المواطنة منذ مئات العقود في أتون الحروب و المجاعات و المخيمات و كلها أمثلة و دروس قيلت علناً و سراً لمن يسمع و يقرأ. ألم يقل جيمس بيكر للعراق أنها ستعود للقرون الوسطى؟ و قالها كولين پاول لسوريا فإما التخلي عن الممانعة و إما ما نراه بها اليوم. ألا ننظر بريبة لعداء خامد لكن مشتعل تحت الرماد الصحراوي بين المغرب و الجزائر؟ ألا نرتاب لإقصاء لبنان الإقتصادي وإبقائه سلة حروب بالوكالة؟ ألا نرتاب من حَجْرِ مياه النيل عن مصر؟ من تتريك شمال سوريا؟ أو توالد دويلات الأقليات بدعم بشمال العراق و سوريا؟ ألم يبشرنا الإسرائيلي أوديد ينون في الثمانينات بتقسيم العالم العربي لكيانات إما طائفية و إما عرقية ؟ ألا نقرأ؟

ليست القرون الوسطى هي عودتنا لركوب الدواب و لكنها عودتنا للطائفية و الإثنية و أمرائها، ورمينا تحت رحمة المانحين وغلبة الديون وسقيم المرض وضيق الآفاق ودفعنا بقسوة راعي البقر لزاوية قبول المحتل الصهيوني لأنه سيبدو لنا طوق النجاة. أليس هذا أمل السودان الذي يهرول لإسرائيل كي تغفر له أمريكا؟ ألن يتندر الصهر الترمپي جاريد كيشنير بمغامراته و هو يناور هذا و ذاك من أجل صفقة قرن و صلح بين جارين و تطبيعٌ مع الصهيونية تماماً كما فعل عرَّاب حروب الخليج ثم رئيس الرباعية و الآن مستشار التنمية توني بلير؟ حتما سيفعل و ربما سنقرأ المزيد عن ذكائه و مبادراته عندما يعود بعد أسابيع مستشاراً لدولنا مثلما فعل غيره. دائرة تؤامريةٌ مؤلمة واقعية ويزي بلا نهاية وشيكة. و من يقل غير هذا فليعطنا برهاناً علنا نتعلم!

منسق الأمم المتحدة السابق للشؤون الإنسانية في سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى