أدب

خاطرة: ابنتي المسافر

د. عمر قزيحه \ لبنان \

قد سافرْتِ يا ابنتي، وتركْتِ أهالا خلفكِ ووطنا، سافرتِ وتركتِ قلوابا تبكي، وأعينا تهمي داما لا دمعا،

فإلى أين تهاجرين؟ وأيَّ أفئدةٍ تحطَّمَتْ بهمسِ اسمكِ إذ تغادرين؟ يا طفلة من القلبِ كان مولِدُها، وفي

الصدر ظَلَّ موئِلُها؟

أأدركْتِ يا ابنتي يواما أنَّ السفر ما هو إلا سيف؟ سيف يغَُوصُ في أفئدة الآبًء

ليمزِقها قطاعا متناثرة لا يجمع بينها شيء من بعدها، إلَّا الذكريات الحزينة البائسة.

سافَرَتِ ابنتي، غادَرَت بيتا فيه قد نشأت، تَرَكَتْ وطنا في أرجائه ترعرعت، ونَسِيَتْ مدرسة فيها تعلَّمت،

من أنهار العلم والأدب هناك قد غَرَفَتْ، وأمام عيونٍ ترنو إلى جمال صباها في دروب الحياة انطلَقَتْ،

واليومَ إلى مجاهل الدروب قد تَرَكَتْ حِماهَا وانطلقَتْ! ذَهَبَتْ بجسمها تاركة في قلوبنا روحَها، لتمشيَ

على أرض مدعاس، قد ذاقَ مُرَّ كأسِها كثيرٌ منَ الناس، وتتغرَّب داعثةا في تلك البلًدِ البعيدةِ حتََّّ

تتمكَّن من العيش الكريم، ولكن لم يبقَ لها إلَّا رسائل لا يمكن لها أن تُطفِئ نيران الاشتياق المتبادلة بين

الطرفين، ولا تستطيع أن تخفِفَ من جذوة لهَبَِ الحُب في القلوب الحائرات شيئاا!

وهل بقي لي، يا ابنتي، ما أقوله لكِ؟ أيُّ كلًام يُعبّر عن اشتياقي إلى رجوعكِ؟ أيُّ معانٍ أكتبها لتقنعكِ

بالعودة؟ في قلبي كلامٌ طويل، وفي قلمي حِبْرٌ قليل! فلا أجدُ يا حورِيَّةَ الغيابِ وبلسمَ الكيانِ ونبضَ

الوجدانِ، ما أقوله لكِ سوى:

أَيَا طِفْلَتي ارْجِعِي وهذا ندَائِي

فَأَنْتِ حَبِيْبَتي وتِلْكَ بِلًادِي

في اللغة: المدعاس: كلمة فصحى، وهي الطريق التي يكثر المرور عليها، ويقال دعس الأرض بمعنى وطأها. الدعث:

كلمة فحصى، وتعني وَطْءَ الطريق بِشِدَّة. بيت الشعر موزون وفق بحر الطويل، وهو من نَظْمٍ شخصي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى