أدبالرئيسيةمقالات

خاطرة: أطباء ولكن …

دلال عيسى \ ميسيساجا \

في الحقيقة لا أعلم أيّهما وُجد أولاً الطبّ أم الأدبّ ؟! أمْ هُما يا تُرى خُلقا توأمان متلازمان يحيا أحَدهُما بوجود الآخر ؟!
لو نظرنا إلى علاقة الطبّ بالأدبّ لوجدناها علاقة أزليّة قديمة تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى يومنا هذا ، فما من مرّة إقترن فيها الطبّ بالأدبّ إلا وقد تمخّض عن روائع أدبية خالدة وقطع فنيّة بديعة ، حلّق فيها الطبيب الأديب بخياله الخصب ، فقام بخلق أكواناً مختلفة وعوالم متغايرة تراقصت فيها الكلمات على أنغامالمشاعر والأحاسيس ففاضت رقة وعذوبة وحُسناً وظُرفاً .
«الطب زوجتي والأدب عشيقتي ، عندما أتعب من أحدهما أقضي الليل عند الآخر « هكذا وصف سيد القصة القصيرة ورائدها (أنطون تشيخوف) علاقته بالطب والأدب .
برع (تشيخوف) الطبيب الشاب البالغ التهذيب ، خفيف الظل ،المحب للحياة ،في تصوير أحاسيس الإنسان ورصد إنفعالاته وتجسيد آلامه المختلفة في قصصه ، فكان صاحب الأسلوب السهل الممتنع والمعنى العميق في ذات الوقت …
فمن رائعته (المغفلة) التي تروي حكاية كل ضعيف مستكين إرتضى بالظلم وسكت عن سرقة قوته …
ليزورنا بعدها ب(الألم) لنتذوق طعم الندم الذي يمزق القلوب ويسكن الأرواح عندما يرحل الأحبة قبل أن تسنح لن االفرصة بالتعبير عن حبنا لهم …
ثم ماذا عن الرعب الذي يعترينا من أصحاب السلطة والنفوذ ؟ ومن أبرع من تشيخوف ليجسّد تلك المشاعر؟! لتكون تُحفته (وفاة موظف) …
في الواقع … هذا غيْضٌ من فيض وجزء لا يكاد يُذكر من إرث الطبيب الأديب الإنسان (تشيخوف) فالمقام هنا لا يتسع لإنصافه كأديب !!!
«لن تكون متديناً إلا بالعلم … فالله لا يُعبد بالجهل»
هذا ما قاله الطبيب والمفكر والفيلسوف العبقري والأديب (مصطفى محمود) بعد رحلة طويلة أمضاها في التأمل والتفكير والمعاناة والشك والنفي والإثبات في البحث عن الله !!!
كان نتاج هذه الرحلة المضنية ( حوار مع صديقي الملحد ) و ( رحلتي من الشك إلى الإيمان) ( لغز الموت ) و ( لغز الحياة).
إتّسم أسلوب (مصطفى محمود) بالعمق والجاذبية والمنطق السليم …
وتجاوز عدد مؤلفاته ما بين كتب علمية وفلسفية وإجتماعية وروايات ال ٨٩ مؤلف وله في رصيده أكثر من ٤٠٠ حلقة مصوّرة من برنامجه الشهير العلم والإيمان .
للأسف …بعد حياة طويلة حافلة بالإنجازات قُوبلت وفاة الطبيب والأديب والمفكر الكبير بالتجاهل من قبل وسائل الاعلام!!!
« أريد أن يُكتب على قبري جعل الشباب يقرأون»
هذا ما كان يحلم به العرّاب ( أحمد خالد توفيق ) أول كاتب عربي طرق باب أدب الرعب فكتب فيه ، والأشهر في مجال أدب الشباب والفانتازيا والخيال العلمي .
صاحب الأسلوب السهل البسيط في السرد ، الممتع والمشوّق ،خفيف الظلّ ،الأقرب لقلوب الشباب ونبض الشارع ، عننفسي … ما من مرة قرأت له فيها ، إلا وشعرت بأنه يتكلم بلسان حالي يعبّر بدقة عن خلجات نفسي وبنات أفكاري ومايدور في خاطري …
رحم الله الطبيب والروائي العظيم الذي أضاف الكثير للمكتبة العربية من روايات طويلة وقصص قصيرة وسلسلاتأدبية والعديد من المقالات وبعض المؤلفات المترجمة .
القائمة قد تطول والمقام لا يتسع لذكر أسماء جميع الأطباء الأدباء ولكن على سبيل المثال لا الحصر أذكر منهم …
شاعر الأطلال ناجي إبراهيم، علاء الأسواني، أحمد خيري العمري ، نبيل فاروق ، أمير وملك القصة القصيرة يوسف ادريس ،آرثر كونان دويل، سومرست موم ، نوال السعداوي وغيرهم الكثير ..
ويبقى التساؤل المحيّر عند ذكر إسم أيٍ منهم أَهُم أطباء بمرتبة أدباء أم أدباء بمرتبة أطباء ؟!
الطبّ والأدبّ … ذلك الثنائي المتناغم الرائع …
ما اجتمعا يوماً إلا وكان نتاجهما ساحراً .. آسراً .. أخآذاً …
عندما يُبدع الطبيب، فيشرّح بقلمه المشاعر الإنسانية كيفما يشرّح بمقصه أجساد مرضاه !!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى