النتائج الأولية لانسحاب القوات الروسية من منطقة خاركوف - جريدة مشوار ميديا
مقالات

النتائج الأولية لانسحاب القوات الروسية من منطقة خاركوف

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

لا يمكن إنكار أن “إعادة تموضع القوات الروسية” في منطقة خاركوف، على حد تعبير وزارة الدفاع الروسية، كان مفاجأة غير سارة للغاية بالنسبة للمجتمع الروسي.

مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في أهمية هذا الحدث، فلا السيطرة على هذه الأراضي، ولا فقدانها هو ما يحدد نتيجة الحرب.

في الربيع الماضي، عندما تم سحب القوات الروسية من منطقة كييف ومناطق أخرى غرب خاركوف، كان بإمكان الجيش الروسي التوقف في أي مكان، بما في ذلك مغادرة منطقة خاركوف. كان من الضروري حينها توفير منطقة عازلة لضمان أمن جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، حيث أن تلك أولوية سياسية، وكان من الضروري الوفاء بهذا الشرط. لكن المكان المحدد لمرور خط الجبهة على وجه التحديد، ما إذا كان أقرب أو أبعد بـ 50 كيلومترا، ليس بالأمر شديد الأهمية.

وإذا كنت أتخيل خطط الرئيس بوتين بشكل صحيح، فإنها تتلخص في تحرير أوكرانيا من النظام النازي نتيجة الاستسلام السياسي للنظام (وهو ما يتحدث عنه نائب رئيس مجلس الأمن القومي، دميتري مدفيديف)، بينما يفضل الكرملين تجنب خيار قتال الجيش الروسي على طول الطريق حتى الحدود الغربية لأوكرانيا، ما سيؤدي إلى بلد مدمر وخسائر فادحة على كلا الجانبين.

وفي إطار هذا النموذج، لا تهم كثيرا السيطرة على منطقة خاركوف في هذه المرحلة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود تداعيات سلبية، بعد انسحاب القوات الروسية، حيث بدأت القوات الأوكرانية في تطهير السكان المحليين، وقتل أو اعتقال أي شخص كان ينظر إليه على أنه متعاطف مع روسيا أو يتعاون مع القوات الروسية. لم يتسن لجميع من لديه الرغبة في المغادرة نحو روسيا فعل ذلك.

كذلك فإن التصويت على الانضمام إلى روسيا قد تأجل على أقل تقدير.

قد أكون مخطئا، لكن هدف بوتين، إذا ما كنت أفهم استراتيجيته على نحو صحيح، هو أولا وقبل كل شيء، اتخاذ تدابير اقتصادية لإجبار الغرب على الاعتراف بمصالح روسيا، وأوكرانيا على الاستسلام.

أي أنه من المفترض أن تكون المواجهة طويلة وبطيئة أو حتى تتوقف كليا أو على العكس تتصاعد، في الوقت الذي تلعب فيه التدابير الاقتصادية الدور الرئيسي. كما يمكن تقسيم العملية العسكرية إلى مراحل، ولا يهم في ذلك كثيرا أن تبسط روسيا سيطرتها على تلك المنطقة الصغيرة أو غيرها في أوكرانيا.

لكن الوضع فيما يخص منطقتي زابوروجيه وخيرسون يختلف، حيث يمتد بطولهما الطريق البري المؤدي إلى شبه جزيرة القرم، إضافة إلى أن قناة تزويد شبه جزيرة القرم بالمياه تبدأ من الروافد السفلية لنهر دنيبر في منطقة خيرسون. كما أن نهر دنيبر هو عقبة صعبة للغاية، وجسر العبور على الضفة اليمنى في منطقة خيرسون له أهمية استراتيجية.

علاوة على ذلك، فقد لا تنتظر بريدنيستروفيه (ترانسنيستريا) انهيار نظام زيلينسكي، وتتعرض المنطقة لهجوم من قبل القوات الأوكرانية في أي لحظة، ويصبح نشر القوات الروسية من منطقة خيرسون ضروريا على الرغم من أي خسائر محتملة.

لهذا تركز موسكو جهودها في الحفاظ على خط المواجهة في الجنوب، وقد تحقق هذا الهدف الآن.

تجدر الإشارة هنا إلى أن نجاح القوات الأوكرانية لم يكن ليتحقق لولا الإمداد الهائل من الأسلحة الغربية، وتدريب القوات الأوكرانية من قبل الدول الغربية، وتوفير المعلومات الاستخباراتية، والقيادة المباشرة للقوات الأوكرانية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.

فقد انتقل الغرب إلى مستوى أعلى من التصعيد، ما دفع موسكو إلى توسيع رقعة الصراع، على الرغم من عدم اهتمام موسكو بذلك، لأن كل خطوة تالية في التصعيد تزيد من احتمالية مشاركة دول “الناتو” الأخرى، وقد تنتهي بنزاع نووي.

في الوقت نفسه، هناك تصعيد في الاتجاه الآخر، فقد دمرت أوكرانيا من خلال القصف المدفعي المستمر البنية التحتية لمحطة الطاقة النووية في زابوروجيه، ما دفع إلى إغلاق جميع المفاعلات ونقص الكهرباء في إنيرغودار.

وردا على ذلك، قصفت القوات الروسية، مساء الأحد الماضي، 11 سبتمبر، أربع محطات للطاقة في أوكرانيا، ما أدى إلى إغراق نصف البلاد في الظلام.

في المجتمع الروسي، تتعالى المطالبات بضرب البنى التحتية الأوكرانية. ومع ذلك، فالأرجح أن هذه الهجمات على محطات الطاقة الأربع ليست سوى تحذير لأوكرانيا من استمرار قصف محطة الطاقة النووية في زابوروجيه، ومحطات الطاقة في دونباس، والهجمات الإرهابية ضد شبكات الكهرباء في المناطق الحدودية الروسية.

لست متأكدا بعد من أن موسكو قد وافقت على الانتقال إلى مستوى أعلى من التصعيد، حيث من المرجح أن يكون ذلك مصحوبا بمزيد من الإمدادات الغربية لأوكرانيا من أنواع أسلحة ثقيلة وبعيدة المدى. نتيجة لذلك، سيزداد حجم المعارك والخسائر، وبعد فترة ستواجه روسيا مرة أخرى الحاجة إلى الانتقال مرة أخرى إلى مستوى أعلى من التصعيد، ما سوف يتطلب جهدا أكبر، ومحفوف بمخاطر أكبر، بما في ذلك زيادة عدد الدول المنخرطة في الصراع.

فكما أسلفت، أعتقد أن الكرملين يحاول كسب الحرب بالوسائل الاقتصادية وسيحاول قدر استطاعته تجنب التصعيد في العمليات القتالية.

وبالتالي، فإنني لا أتوقع ضربات روسية جديدة على محطات الطاقة الأوكرانية في الأيام المقبلة، اللهم إلا إذا بذلت أوكرانيا جهودا إضافية بهذا الصدد، وما لم يصبح الوضع على الجبهات مرة أخرى معقدا بالنسبة للجانب الروسي، وسيضطر إلى التحول من نظام العملية الخاصة إلى الحرب الشاملة.

في غضون ذلك، فمن المتوقع أنه في خضم نشوة النجاحات الأولى، ستواصل أوكرانيا محاولاتها لشن هجوم مضاد في قطاعات جديدة من الجبهة.

كما ستبدأ الأمطار في غضون ثلاثة أسابيع، وستصبح حركة العربات المدرعة الثقيلة خارج الطرق المعبدة صعبة للغاية، وليس أمام الطرفين أكثر من شهر واحد لتغيير خط جبهة المواجهة، بعد ذلك سيتم تعليق الأعمال القتالية حتى الشتاء، لتخرج إلى الواجهة الجبهة الرئيسية للمواجهة الروسية الأمريكية: الاقتصاد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

We use cookies to give you the best online experience. By agreeing you accept the use of cookies in accordance with our cookie policy.

Privacy Settings saved!
Privacy Settings

When you visit any web site, it may store or retrieve information on your browser, mostly in the form of cookies. Control your personal Cookie Services here.

These cookies are necessary for the website to function and cannot be switched off in our systems.

In order to use this website we use the following technically required cookies
  • wordpress_test_cookie
  • wordpress_logged_in_
  • wordpress_sec

We track anonymized user information to improve our website and build better user experience.

Decline all Services
Accept all Services