الرئيسيةمقالات

الفاعلية الحضارية في العلاقة بين العروبة والاسلام

د. ساسين عساف*

في سياق وعينا للعلاقة التاريخية بين العروبة والاسلام وفي ضوء المقاربتين الفقهية والتاريخية نجد أنّ العلاقة بين العروبة والإسلام قائمة بدون أن تتحوّل العروبة الحضارية إلى عروبة دينية ومن دون أن يتحوّل الإسلام إلى دين قومي. فالعروبة الحضارية مع الإسلام ظلّت للعرب وغير العرب، للمسلمين وغير المسلمين. والإسلام مع العروبة ظلّ للعرب وغير العرب ودعوة للعالمين..
الإسلام ضخّ في العروبة منظومة قيمه الإنسانية والأخلاقية فارتقى بها عن العنصريات القومية، والعروبة قدّمت الإسلام للناس منهج رحمة وعدل ومودّة وسلام فانماز بها عن «إسلامات» الإنحراف والتزييف.
بفضل هذه العلاقة التبادلية اعتزّت العروبة «بالإسلام النقي» واهتزّت يوم هزمه «الإسلام المزيّف»، واعتزّ الإسلام بالعروبة الحضارية واهتزّ يوم هزمتها «شعوبيات غازية» إنتزعت منها راية الإسلام.
هذا، والمنهج الفكري الذي اعتمدناه في النظرة إلى هذه العلاقة يميّز بين «الإسلام العربي» كما عرفناه في عهد النبي والعصر الراشدي من جهة، وبين «الإسلام الآخر» الذي عرفناه في العصور اللاّحقة وذلك في مستوى النصّ والإجتهاد (عقائد ومبادئ وتعاليم واعتبارات قيمية) ومستوى التاريخ والممارسة (وقائع وأفعال وأنماط وسلوكات ونماذج تطبيقية.)
باعتماد المنهج الفكري الفارع بين «إسلامين» أو أكثر نميّز كذلك بين فقه الثابت في النصّ وفقه المتحوّل في التاريخ. فقه النصّ يبرز العلاقة بين العروبة والإسلام في أشدّ الأواصر، وفقه التاريخ (مسار العلاقة) يظهر كمّ التباينات بينهما. فالإسلاميون الذين يجسّدون الإسلام حركة في التاريخ طالما ناصبوا العداء للعروبيين الذين يجسّدون بدورهم العروبة حركة في التاريخ، والعكس صحيح.
لذلك لكي تستوي العلاقة بين الطرفين لا بدّ من تجدّدها انطلاقاً من فقه النصوص في جانب ومن فقه اللحظتين النبوية والراشدية في جانب آخر حيث يتعذّر الفرع بين النصّ والتاريخ، أو بين النصّ والسيرة ومسرد الأحداث ومجرى الوقائع..
التجدّد في العلاقة يعني حكماً تجدّداً في العروبة والإسلام.
ما طبيعة هذا التجدّد؟
إنّه بدون شكّ من طبيعة حضارية: الإنسانيات، الأخلاقيات، الإيمانيات، العقلانيات، القيميات… هنا يصحّ القول العروبة هي فعلاً عروبة حضارية بالإسلام، والإسلام هو فعلاً إسلام حضاري بالعروبة.. وهكذا يتوافر لمشروع النهوض العربي تجدّده الحضاري..
الأمّة العربية هي فعلاً أمّة بالإسلام القرآني لا الحركي، فالإسلام الحركي السوسيولوجي (السياسي) مزّق الأمّة وشرذمها وأضعف دينامية تجدّدها الحضاري بعد أن كان الإسلام القرآني النصّي (الديني) قد وحّدها تحت راية رسوله. هنا الأمّة لا تضيرها العلاقة بالإسلام بل تغني هوّيتها الحضارية (العروبة)
وعلى قاعدة الربط بين العروبة والإسلام (العروبة كهوية للأمّة والإسلام كعامل أساس في تكوين شخصيّتها) نفهم أنّ الدين الحركي (كما يمارسه أتباعه) يفرّق ولا يوحّد ويغذّي الهويات الفرعية (الطائفية والمذهبية) على حساب الهوية الجامعة هوية الأمة (العروبة)
إنّ للإسلام خصوصية في علاقته بالعروبة: رسالة إنسانية تنهض بها أمّة مخصوصة تسديها لسائر الأمم. مخصوصيّة الأمّة العربية تجاوزت حدّها الديني/الرسالي إلى المجال السياسي فسقط دورها الحضاري الإنساني الموكول لها إصطفاء ونصّاً.
إنّ إرتباط الدين بالأمّة العربية مسألة تكوينية وعضوية.
خصوصية هذه العلاقة ضاعفت للعروبة غناها الحضاري ومداها الانساني. فالعروبة لم تنشأ مع الإسلام إنما الإسلام نشأ في كنفها ومنحها هذا الإمتياز الخاص. وهي سابقة عليه كهوية حضارية للعرب قبل أن يعتنقوه.
تعلّم أنتروبولوجيا الشعوب أنّ هويّاتها الحضارية لا ترتبط بنشوء الأديان، والعروبة في رأينا لا تشكّل إستثناء في هذا السياق السوسيو/ثقافي.
لو كان عكس ذلك صحيحاً لما كان للعرب هويّة ووجود قبل الإسلام. وهذا ما يعاكس حقيقة التاريخ فالعرب كانوا موجودين بكلّ ما لهذا الوجود من مظاهر حضارية ثقافية وأدبية ودينية (وثنية ويهودية ومسيحية) وقيمية، وعمرانية حضرية وعادات وتقاليد بدوية. ما فعله الإسلام في هذا الوجود تنقيته من كلّ المظاهر اللاّإنسانية واللاّأخلاقية من جهة، وتنظيمه، من جهة ثانية، في مؤسسّة حكم (الدولة الإسلامية) لها دستور حضاري متقدّم في زمانه بأشواط عمّا تطرحه اليوم بعض حركات الإسلام السياسي.
هذا الدستور الحضاري يؤسّس للتفاهم بين مكوّنات المجتمع العربي، وللحقّ في التمايز، ولعروبة الإنفتاح والحوار والاعتراف بالآخر. وهذا ما يؤكّد بوضوح تام أنّ الإسلام أخرج العروبة من «عصبيات الجاهلية» وأدخلها في مصالحة و «سائر الأمم» المسالمة. وأقام منها أمّة تحتضن جميع المؤمنين «لا فضل فيها لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى». فالإسلام فوق القوميات والعنصريات كافة، ومصطلح الأمة في الاسلام، بمعناه الديني والثقافي والاجتماعي والتنظيمي، يعادل مصطلح الكنيسة في المسيحية. أي إنّه يعني «الجماعة المؤمنة.»
الأمّة في الاسلام كما الكنيسة في المسيحية هي جماعة المؤمنين بعقيدة واحدة وتشريع واحد وتعليم واحد وعبادة واحدة. وهي لا تعني قطعاً أبناء قومية واحدة بالمعنى الإتنولوجي أو السوسيو/ثقافي أو الأنتروبولوجي للكلمة. وعليه،
خارج «أفهوم الجماعة المؤمنة» لا يستقيم في رأينا كلام على «أمّة قومية بالاسلام.»
العلاقة بين الإسلام والعروبة إذاً ليست «علاقة دين بشعب» بل «علاقة دين بالجماعة المؤمنة» على تعدّد منابتها أو انتماءاتها الدينية القومية. خلاف ذلك يعني أن العرب غير المسلمين وأنّ المسلمين من غير العرب هم خارج الأمّة.

إنّ إسلاماً فوق القوميات وعروبة فوق العصبيات والعنصريات هما المعبر الإلزامي لأيّ تجدّد حضاري مطلوب في مشروع النهوض العربي.
الإسلام النقي والنظيف من لوثة التوظيف السياسي والفقهي المتزمّت يمدّ العروبة بأسباب تجدّدها الحضاري لأنّ الدين بوجهيه النقي والمشوّه يتمتّع بقوّة فعل هائل في التاريخ، تاريخ الشعوب وتاريخ الأفكار.
الشعوب تحدث تجدّدها إمّا بقوّة الإيمان الديني وتعليمه وأحكامه وإمّا بقوّة معاشها والضرورات (عصبيات نشوئية، دفاعات ذاتية، صراع من أجل البقاء) وإمّا بالإثنتين معاً.
ليس من باحث علمي مدقّق ينكر فاعلية الاسلام في نقل العرب من «جماعات طبيعية» (من الأنتروبولوجيا) إلى «جماعة مؤمنة» (إلى الإيديولوجيا) وليس من ينكر ما للإيمان أو العقيدة أو الايديولوجيا من فعل في جمع الجماعات وتنظيمها وشدّ وثاقاتها المعنوية والمادية وتثقيل حضورها الحضاري في التاريخ. وهذا ما كان شأن الإسلام العقدي في تاريخ العرب. أمّا أمرهم مع الإسلام الحركي أو السياسي فأمر مختلف.

لقد نجح الإسلام دينياً وروحياً في إنشاء «الأمة المؤمنة.» ولكنّه فشل سياسياً في إنشاء أمّة العرب السياسية. والاسلام هنا ليس هو أصل العلة، بل العلة هي ما فعله المسلمون العرب وغير العرب بالإسلام. والنقص هنا ليس في الإسلام القرآني بل في الإسلام الحركي.
وخلاصة رأينا هي الآتية: القول إنّ أمّة عربية، بالمعنى الأنتروبولوجي والسوسيو/ثقافي (الأمة السياسية، القومية، العروبة) ما كانت لتنشأ لولا الاسلام فقول يحتمل الكثير من الجدل في ضوء التفريق الذي أقمناه بين الجماعة القومية والجماعة المؤمنة وفي ضوء ما نشأت عليه وفيه بعض الأمم والقوميات القديمة والحديثة خارج الفعل الديني.

إنّ مقولة «أمّة عربية (سياسية قومية عروبية) بالإسلام «لا تشهد لها الوقائع بالصحّة والثبوت والرسوخ في التاريخ فالإسلام واقع إيماني وشرعي وعبادي موجود في حياة العرب المسلمين ولهم منه قوّة معنوية مقيمة في أذهانهم ومواجدهم ، لذلك فهم «أمّة مؤمنة» حقيقية راسخة في التاريخ، أمّا الأمّة العربية بالمدلول السياسي كما أرادها الإسلام فأمّة إفتراضية.
والإسلام، على فاعليّته الدنيوية (بالمعنى التنظيمي القائم على التشريع) والمعنوية، لم يتمكّن من جعل هذه الأمّة تعبّر عن نفسها بشكل «الدولة القرآنية» تمييزاً لها عن الدولة الإسلامية التي أقامها المسلمون كلّ وفق تفسيره واجتهاده.
الإسلام التاريخي (الحركي بكلّ إتّجاهاته، بما فيه الإتّجاه الإجتهادي) بواقعه وآفاقه لن يقيم للأمّة العربية دولتها. لماذا؟ لأنّه لا إسلام سياسياً واحداً في الوطن العربي بمقدوره توحيد «إسلامات» الأمّة.
هل الإسلام الحركي (السياسي) هو من كوّن الأمّة التركية؟
هل الإسلام الحركي (السياسي) هو من كوّن الأمّة الإيرانية؟
وهل هو، تالياً، من كوّن الدولة/الأمّة لدى الأتراك والإيرانيين؟
ألم يقم العرب دولاً وممالك قبل الإسلام؟
ألم تكن لهم أشكال من أشكال التنظيم الإجتماعي والسياسي؟
ألم يكن العرب أهل حضارة؟
هل أنزل الإسلام في منطقة «الفراغات الحضارية»؟
ألا تؤسّس هذه الأسئلة لطرح ينطوي على إشكالية كبرى مختصرة في سؤال: من أنتج من؟ العروبة أم الاسلام؟
إنّه منتجها من وجهة نظر لاهوتية إلى التاريخ. فهو الذي صنع من الجماعات أمّة وهو الذي أقام للأمّة دولة وهو الذي أدخل العرب في التاريخ الحضاري وأوكل إليهم مهمّة نشره في بقاع الأرض دعوة للعالمين.
ولكن، من وجهة نظر تاريخانية/ أنتروبولوجية / سوسيو/فينومينولوجية إلى الدين يختلف الجواب: العروبة هي التي أنتجت الإسلام، هي التي ترجمت النصّ الإلهي إلى واقع، إلى حركة في التاريخ، إلى ظاهرة إجتماعية/ثقافية/سياسية.
المقاربة اللاهوتية لوقائع التاريخ فهماً لنشوء الأمّة العربية تنطلق من أحكام تيولوجية أمست على امتداد تاريخ العرب السياسي بدائه ومسلّمات مبرمة. لذلك،
وفي ضوء مقاربة أخرى تقرأ الدين في فحص التاريخ،
وخارج أفهوم «الجماعة المؤمنة» للأمّة،
نسأل عن أمّة عربية من نوع آخر. ونسأل هل الإجتماع الديني هو في أصل الإجتماع السياسي؟
الرابطة الدينية فعلاً صاغت الأمّة القرآنية (الدين) ولكن أين هي من صياغة الأمّة التاريخية (السياسة)؟ الأمّة القرآنية كما أرادها الإسلام شيء، وهي لم يعرف لها شكل ومضمون إلاّ في عهد الرسول وخلفائه الراشدين، والأمّة التاريخية التي تعدّدت أشكالها ومضامينها بتعدّد الحكّام واجتهادات فقهاء السلطة والسلاطين، الأمّة التاريخية تلك هي شيء مختلف.
ما أراده الإسلام للعرب ومنهم شيء وما أنجزه عرب مسلمون لهم وللإسلام شيء آخر.
لذلك، وفي ضوء قراءتنا للوقائع وليس للرغبات، نسأل: هل شكّل الإسلام من «الجماعات العربية» (القبائل) متّحداً إجتماعياً عضوياً هو في رأينا المكوّن الأوّل لنشوء الأمم؟!
هل قضى الإسلام نهائياً، إجتماعياً وثقافياً وسياسياً، على أشكال العصبيات كافّة؟!
إسلام الدعوة نعم تطلّع إلى ذلك وأراده وغيّر الكثير الكثير في منظومة القيم والمعارف الجاهلية وقواعد الإجتماع السياسي. ولكن إسلام أهل الدعوة (العرب) جاء نقضاً لأصله. (الأصل هو إسلام الدعوة لا إسلام أهل الدعوة)
قوّة النصّ الديني، في رأينا، لم تتغلّب بما فيه الكفاية، على قوّة القانون التاريخي المادي الناظم للجماعات. والعرب لا يشكّلون الإستثناء لهذا القانون الحتمي.
الدين يمنح الجماعة الإجتماعية قوّة وعي الهويّة (الأنا الجمعي) وقوّة الشعور بالتمايز عن «الآخر.» هذا صحيح، ولكن باعتباره، أي الدين، عنصراً من عناصر «ثقافة» الجماعة وليس كلّ عناصرها. وعليه،
نسأل: ألم يكن للعرب عناصر ثقافية أخرى منحتهم قوّة وعي الهويّة والشعور بالتمايز؟
ألم يكن للعرب تاريخ حضاري وثقافي سابق أسهم في تمكين الإسلام من جعلهم أمّة مؤمنة؟
هل الإسلام هو الذي «صنع « للعرب ثقافتهم أو هو الذي منح هذه الثقافة أبعاداً قيمية ومعرفية وإنسانية جديدة؟
إنّ حقائق التاريخ لا تقبل أن يمارس عليها أيّ إكراه ناتج عن «هوس لاهوتي» لا يعني لأصحابه تاريخ العرب الحضاري قبل الإسلام شيئاً، أو هو ناتج عن «هوس إيديولوجي» لا يعترف بما قدّم الإسلام من دفع حضاري في تاريخ العرب.
إنّ البحث عن تاريخ لهذه الأمّة قبل الرسالة له شروطه ومداخله الأنتروبولوجية والسوسيو/ثقافية واللسانية. ومن أولى موجباته حدّ مصطلح « الأمّة « جماعة إجتماعية تنماز بثقافتها. وهو حدّ مختلف عن حدّ الأمّة جماعة مؤمنة تنماز بدينها. (الدين عنصر من عناصر الثقافة)
المجال الثقافي لتحديد الأمّة أوسع وأشمل من المجال الديني. لذلك،
في رأينا، واجب علمي الإعتراف بما كان للقبائل العربية من تاريخ حضاري سابق صحّح الإسلام مساره وأدخل فيه منظومات تعليمه وتشريعه وقيمه.
أن يكون العرب قد ولدوا ولادة جديدة معرفية وإيمانية وأخلاقية وقيمية وتنظيمية مع الإسلام، وأن يكون الإسلام قد بات عندهم منهج حياة (على اختلاف أشكاله باختلاف التفسير) فحقائق لا ينكرها باحث أو دارس. ثمّة تلازم عضوي قائم تاريخياً بين العروبة والاسلام في تحديد هويّة العرب الحضارية. أمّا العلاقة بين العروبة السياسية والإسلام السياسي فشأن آخر..
العروبة السياسية التي جسّدتها سلطة بني أمية وقعّدتها على عصبية الجماعة بجعل الخلافة ملكاً عضوضاً وحكماً وراثياً سلالياً ليس لها علاقة بالإسلام بما فيه الإسلام السياسي الذي، بدوره، جسّدته حركات وسلطات سياسية وقعّدته على عصبية الدين بجعل السلطة الدينية فوق الهويات القومية ليس له علاقة بالعروبة بما فيها العروبة السياسية.
الإسلام والعروبة في المستوى الحضاري هما في حركة تفاعلية مستمرّة. أمّا الإسلام السياسي خصوصاً «المتخلّف والمغالي والمتوحّش» والعروبة السياسية بعناوينها الإيمانية والليبرالية والعلمانية فمساران مختلفان لا يلتقيان. هذا من جهة التطرّف والغلوّ الديني، أمّا من جهة «الإسلام السياسي الطوراني» القائم على العصبية القومية ألم تقم في وجهه حركات عروبية سياسية مناهضة وداعية للعدل والإعتدال والمساواة في إدارة شؤون الخلافة الإسلامية؟ بعد ذلك ألم تتحوّل تلك الحركات إلى قومية عربية بوجوه دينية وعلمانية فتخوض معركة الإستقلال عنها؟ ألم تخرج أصوات عربية إسلامية سياسية تدعو إلى استرجاع الخلافة؟
ألم يكن «الإسلام السياسي الطوراني» من أسباب الوعي السياسي القومي العربي بدءاً بإرهاصات قومية وردت لدى الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي؟
فالطهطاوي (1801- 1873) هو أوّل من وضع الروابط القومية فوق الروابط الدينية.
والكواكبي (1849- 1903) كان أوّل الدعاة للنزعة القومية.
بدورها الحركة المهدية في السودان التي أسّست في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ألم تتّخذ من قتال الأتراك شعاراً لها؟
دعوة محمّد علي لبناء وطن عربي كبير، ألا تعتبر بداية إنفصال عن السلطنة العثمانية؟
كلام إبنه إبراهيم باشا: ما أنا تركي بل أنا ابن مصر وإنّ شمسها قد غيّرت دمي وجعلتني عربياً قحّاً، ألا يعدّ صرخة قومية في وجه «الإسلام السياسي العثماني»؟ ألم تنشأ الفكرة القومية العربية من نضالات حركات سياسية إستقلالية مناهضة لهذا «الإسلام السياسي»؟
ألم تقم في شمال سوريا إنتفاضات شعبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تريد الإنفصال عن السلطنة العثمانية وإنشاء دولة عربية جديدة؟
ألم تشارك نخب مسيحية متنوّرة، بحكم انتمائها العروبي، في إيقاظ الوعي القومي العربي من دون أن يكون لهم أيّ حرج في اعتبار الإسلام جزءاً من ثقافتهم وهويتهم الحضارية؟
الإنتماء إلى دائرة الاسلام الحضاري هو الجامع بين مكوّنات الأمّة العربية. ولا يضير المسيحيين العرب في شيء بأن يكون هذا الإنتماء الأساس في بناء الإجتماع العربي (الأمّة) أمّا بناء الإجتماع العربي السياسي (الدولة) على أساس ديني، على ما في هذا الأساس من تعدّد وجوه واجتهاد وأنماط حكم، فمسألة يدور فيها نقاش حول ما اذا كان هذا البناء يتّسع للمسيحيين العرب أم لا.
منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أدرك المسيحيون القوميون العرب موقعهم داخل أمّة إسلامها ثقافي/حضاري فأسهموا في صياغة مشروع نهضتها إلى جانب إصلاحيين مسلمين أدركوا أهمية تجديد صورة الإسلام العربي الحضاري بعد أن شوّهتها «الممارسات الأعجمية». فكان أن أصبح للأمّة مشروع نهضوي عماده عروبة حضارية وإسلام متجدّد يتواكبان ويتفاعلان، لا ينفصلان ولا يندمجان، وهذا ما يرتاح له العروبيون مسيحيين ومسلمين.
أن تكون صلة الاسلام بالعروبة صلة تاريخية فهذا واضح ومفهوم. أمّا أن تكون عقيدية فأمر فيه نظر: اذا كانت العروبة هي الاسلام والاسلام هو العروبة، بهذه المعادلة الإختزالية، ففي هذا الكلام خطر على العروبة والاسلام. فالعروبة ليست قومية دينية والاسلام ليس ديناً قومياً. وإلا جاز لنا أن نسأل: ما الفرق في العلاقة بين الصهيونية واليهودية من جهة وبين العروبة والاسلام من جهة ثانية؟ فالصهيونية حركة سياسية/ دينية، أساسها الايديولوجي هو التوراة (الوعد الإلهي، الشعب المختار) فهل العروبة حركة سياسية/ دينية أساسها الإيديولوجي هو القرآن (كتاب فصّلت آياته قرآناً عربيّاً لقوم يعلمون، خير أمّة أخرجت للناس).
كاتب لبناني وعميد سابق لكلية الآداب والعلوم الانسانية في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى