الرئيسيةمقالات

السيسي يدفع مصر إلى الثورة من جديد

زكريا محمد \ فلسطين \

أشارت الاضطرابات في الريف المصري بدءا من 20 سبتمبر وحتى نهايته إلى الوضع المأزوم في مصر.
وقد أكدت خطابات السيسي المتتالية في الأسابيع الأخيرة هذا التأزم. فقد كان هدفها تحذير المصريين من مخاطر الذهاب إلى ثورة جديدة. وهو ما يعني أن السيسي بدأ يحس بالغليان القادم من الأسفل.
ويمكن لي، وبناء على متابعتي، ان اقول أن سياسة السيسي الاقتصادية كانت كارثية على مصر وشعبها. ويمكن وصف هذا السياسة بأنها سياسة الأوليات الخاطئة. فهي تذهب إلى مشاريع ليست منتجة، مما يؤدي إلى استهلاك موارد الدولة والبلد من دون الحصول على عائدات ومردودات. وهناك مثلان كبيران على هذه السياسة:
الأول: قناة السويس الثانية، او التفريعة كما تسمى
فقد أقيم هذا المشروع الاستعراضي من دون قراءة جيدة لحركة التجارة العالمية، ومن دون معرفة عميقة بالتحولات التي التي حصلت في خطوط النقل وطرقه، بدءا من طريق الحرير، وانتهاء بالخط القطبي الشمالي. هذا أدى إلى أن مشروع التفريعة، الذي كلف عدة مليارات من الدولارات، لم يدر على مصر أي دخل جديد. لقد استهلك النقد المتوفر من دون أن يكون له عائد. وحين افتتح السيسي التفريعة أعلن أنه يقدمها (هدية للعالم). لكن العالم لم يكن مكترثا بهديته هذه.
زد على ذلك، أن تسليم جزيرتي تيران وصنافير مقابل بضعة مليارات سعودية، ادى إلى فتح باب تصدير النفط الخليجي عبر إيلات وعسقلان على الساحل الفلسطيني. وهذا يعني أنه جرى ضرب قناة السويس في الصميم. فالقناة أساسا شريان نفطي خليجي. وإذا صدر النفط الخليجي عبر خليج العقبة، أي عبر إسرائيل، فستموت قناة السويس عمليا. وهذا يعني أن التفريعة التي كلفت المليارات لم يعد لها ضرورة اصلا.
ثانيا: العاصمة الإدارية
كلفت العاصمة الإدارية ما بين 200-300 مليار جنيه مصري. أما مردوداتها فلا شيء تقريبا. ومنذ البدء كان التفكير بإنشاء عاصمة إدارية في بلد يقف على حد الجوع مشروعا جنونيا أصلا. فقد كان المصريون بحاجة إلى ضخ مليارات هذه العاصمة في عروق الاقتصاد المصري، صناعة وزراعة. لكن فكرة العاصمة هذه لم تكن اقتصادية من الأساس، بل كانت أمنية اولا وأخيرا. ذلك أن ما استخلصه النظام من دروس ثورة يناير هو التالي: الخطأ الأكبر هو إبقاء الدولة، أي مؤسساتها القيادية، وسط الناس، وسط الجمهور. فهؤلاء يمكنهم السيطرة على مفاصل الدولة عند لحظة محددة. لذا يجب نقل (الدولة) إلى مكان آخر. ومشروع العاصمة الإدارية هو مشروع نقل الدولة من وسط الناس. فعلى (الدولة) أن تعيش بين أبناء الطبقة الغنية التي لا تهدد بالثورة ولا تثور، لا قريبا من الأحياء الشعبية أو في وسطها. بالتالي، فالعاصمة الإدارية هي (أجهزة الدولة) التي تعيش وسط الأغنياء.
هذان المشروعان قضيا على جزء كبير من موازنة الدولة، التي اضطرت للاستدانة من الداخل والخارج لإكمالهما. وزاد الطين بلة أنه جرى بناء سلسلة من الطرق والكباري الجديدة التي هدفت إلى تحويل الحركة إلى العاصمة الإدارية الميتة. وهكذا تضاعفت المصاريف غير المنتجة، وتضاعفت الديون.
وبعد أن تبدد الاحتياطي النقدي، وتبددت القروض، لم يعد لدى الدولة المصرية شيئا كي تسدد فوائد القروض، وكي تكمل المشاريع المتهورة الفاشلة. فكان الحل هو المزيد من الضرائب على مصر التي تقف على خط الجوع. وقد أخذت هذه الضرائب أسماء عديدة. لكن الأشهر بينها هو الضريبة على الأبنية المخالفة. فقد تنبه السيسي، ذو الخزانة الفارغة، إلى أن هناك مئات الآلاف من الأبنية المخالفة. لذا قرر أن يجعل أصحابها يدفعون غرامة المخالفة. وقد ظن أن هذا سيأتيه بمئات المليارات من الجنيهات. لكن هذا كان وهما. فقد أصابت ضريبة المخالفة هذه عشرات الآلاف من أسر الريف التي لم تكن تملك ما تدفعه. وهكذا انفجر الناس في الأرياف. لقد احسوا بأن السيسي يمد يده إلى القروش الأخيرة في جيوبهم. وهذا ما فتح الباب أمام يناير جديد آخر.
وأمام الخطر تراجع السيسي بضع خطوات: خفف الغرامة وضاعف الوقت المحدد لدفعها. لكن هذا لم يحل المشكلة. فخزينته فارغة، ولا توجد طريقة للحصول على المال إلا بالضرائب. والآن فإن هناك من يغريه ببيع الأصول المصرية، أي ببيع ممتلكات الدولة المصرية، من شركات ومصانع وغيرها. بل إن هناك من يتحدث عن بيع هضبة الأهرام بشكل ما.
إذن، فقد جرى تبديد الإمكانات القليلة المتوفرة لمصر على مشاريع استعراضية هوجاء، فحلت الأزمة التي تبدو بلا مخرج. والرجل لا يعرف ما يفعل الآن. عليه أن يحصل على المال، لكن المال غير موجود. وهذا هو الصاعق المتفجر.
والحقيقة أن مشاريع السيسي تشبه مشروع (جهاز الكفتة الشهير). فقد كان هناك واحد مشعوذ اسمه (اللواء إبراهيم عبد العاطي) كان يعمل، وقت جيء السيسي للحكم، على جهاز سحري يقضي على فيروسات الإيدز والتهاب الكبد، بل وعلى البلهارسيا حتى، ويحولها إلى (كفتة). ولم تكن المشكلة في عبد العاطي هذا، بل في أن السيسي وقف علنا ودافع عن عبد العاطي وجهازه، وقال إنه كان يتابعه من البدء.
كل مشاريع السيسي في الواقع مثل جهاز كفتة عبد العاطي. التفريعة كفتة. والعاصمة الإدارية كفتة. وتيران وصنافير كفتة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى