أدب

التلوث الثقافي..!

بقلم :منير مزليني \

ارتبطت كلمة التلوث بالبيئة فصارت مفهوما علميا وفلسفيا تقام له المؤتمرات وتنعقد له الاجتماعية الموسعة والضيقة، وتجرى فيه البحوث وتسن له القوانين، وتعقد له المعاهدات والاتفاقيات لما صار عليه من أهمية وما انجر عنه من مخاطر على حياة البشرية وعلى كوكبها المهدد بالزوال والاندثار. فأصبح هذا المفهوم شغل السياسيين الشاغل وهاجسهم المروع إلى درجة أن بات مسقطا لكبار الرؤوس ومهددا لبقاء حكومات، كيف لا وقد وصل الأمر في الأخير إلى طريق مسدودة ومواجهة خطيرة بين قوتين متضاربتين، بين مصالح أصحاب الثروات الضخمة وأرباب الشركات الكبرى المديرة للاقتصاد العالمي والمتحكمة في أسواقه المفتوحة المتحررة، وبين مصالح بل وبقاء شعوب العالم التي باتت مهددة بالتلوث الهوائي والمائي والتربوي والضوضائي والضوئي.

ولم تكتفي هذه الكلمة ـ التلوث ـ على خطورتها بالارتباط بالبيئة فحسب، بل انتقلت في العهد الأخير إلى مفاهيم أخرى، كشف عنها الفلاسفة المعاصرون والمفكرون المحللون، فظهر ما يعرف بالتلوث الاجتماعي والتلوث الفكري. وقد لا أجد بدا هنا من اتطرق إلى مفهوم جديد آخر، و لا أعلم بالضبط ما ان كان قد تعرض له الدارسون والمهتمون من قبل أم لا ؟! وإن كنا نسمعه يتردد من حين لآخر على ألسنة بعض المتكلمين على سبيل المجاز أو التشبيه المرسل، دون قصد معرفي أو إدراك علمي اصطلحي. وهو الاشكال الذي نريد أن نناقشه ونعرضه في هذا السياق، لما رأيت فيه من أهمية بالغة، وخطورة داهمة لا تقل شأنا من أهمية التلوث البيئي وخطورته.

ونقصد به “التلوث الثقافي”، قد لا تبدو أهمية هذا الأمر وخطورته لأول وهلة لدى المتلقي، خصوصا لدى الشعوب المتخلفة أو الأقل حظا من التقدم، لأن مفهوم الثقافة لديها لازال هزيلا وضعيفا، بل قد يكون منعدما في بعض الأحيان والأماكن مقارنة بمفهوم الهواء والماء والتراب لديها، وذلك راجع لأن هذه المفاهيم قوية وظاهرة ولا تحتاج إلى اعمال فكر ولا بحث ولا تمعن، فهي أشياء حسية ظاهرة في الطبيعة يشترك فيها الانسان مع الحيوان وبقية الكائنات الأخرى سواء بسواء، في حين أن المفاهيم المعنوية كالفكر والدين والجمال والفن والثقافة فهي مفاهيم انسانية يسمو بها الانسان عن الحيوانية ويرتفع بها عن الدونية إلى درجات الرقي والتقدم والتحضر. وبالتالي فإن ادراك مثل هذه المفاهيم العقلية والمعنوية تتطلب رقيا في الفكر وتدرجا في سلم العلم والمعرفة. بل إن مفهوم الثقافة لدى علماء الحضارة والفكر بات معيارا لمدى تقدم الشعوب وتخلفها، على أساس أن الثقافة هي كل تلك المكتسبات التي يحصل عليها الانسان عن طريق التعلم و احتكاك الناس بعضهم ببعض، ومدى تفاعلهم مع ببيئتهم. وبالتالي يكون ما هو مصيري وجوهري لدى بعض الأمم، لا تكون له قيمة أو أهمية لدى بعض الأمم الأخرى، وهذا ما تستشفه في مدى ادراكهم لأهمية بعض أنواع الحقوق والحريات.

ولأن التلوث البئي كما يعرفه المختصون هو (ارتفاع كمية المواد بأشكالها الغازية ، أو السائلة أو الصلبة أو اضافة أحد أشكال الطاقة، مثل: الطاقة الصوتية، والحرارية، والنشاطات الاشعاعية، وغيرها داخل البيئة مما يجعلها غير قادرة على تحليل هذه المواد والطاقة، أو تبديدها، أو تخفيفها، أو اعادة تدويرها، كما تصبح غير قادرة عن تخزين المواد وأشكال الطاقة المختلفة بأشكال غير ضارة.)

ويمكن من خلال هذا التعريف الأكاديمي المفصل أن نستخلص تعريفا عاما يمكن أن نسقطه على كل أنواع التلوث، وعليه يمكن القول أن التلوث هو ادخال عناصر أجنبية عن الشيء محل التلوث لا يمكنه

التفاعل أو الانسجام معها بأي شكل من الأشكال، كما لا يمكن مجابهتها أو التخفيف من حدّتها أو التطبع معها، فتسبب هلاك الشيء أو افساده.

وبإسقاط هذا التعريف على مفهومنا محل النقاش، حتما سنحصل على تعريف للتلوث الثقافي يكون بالشكل التالي:” هو ادخال عناصر أجنبية عن الحقل الثقافي بطبيعتها (لا ثقافية) أو بفاعليتها (غير ثقافية)، فلا يمكنه الانسجام أو التفاعل معها إيجابيا، أو مجابهتها أو الحدّ من تأثيرها أو التطبيع معه، مما ينجم عنه الاضرار بالحقل أو افساده.”، ولأن الثقافة هي المكون الرئيس للفكر أو العقل ونوعيته والذي هو بدوره المكون لها، كما تحدث بذلك المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري في طرحه لمسألة العلاقة بين الفكر والعقل، والتفريق بين (العقل المكون) بكسر الواو، و(العقل المكون) بفتحها، وبالتالي فإن أهمية الثقافة من أهمية العقل والفكر، وهي المؤشرة له والدالة عليه، فأهميتها من أهميته، وخطورتها من خطورته. ومن الاطناب هنا التذكير بأن اهمالها أو الاستخفاف بها من اهمال العقل والاستخفاف به.

مظاهر التلوث الثقافي

الزيف الثقافي: ليس هناك أبشع من صدمة الزيف حينما تنكشف حقيقة الشعارات التي يرفعها المزيفون

في الساحة الثقافية بغية تغطية حقيقة الواقع الثقافي واعطاء صورة مزيفة كاذبة عنه، بقصد تحقيق أغراض سياسية أو مصلحية ما، والظهور أمام الأخر بوجه كاذب مزيف، الأمر الذي يتولد عنه عنصر ملوث آخر وهو الوهم الثقافي.

الوهم الثقافي: هو نتاج واقع ثقافي مزيف فاسد استولى عليه الجاهلون بحقيقة الثقافة، فكرسوا شعارات

حماسية مغرية تستجيب لطموحات أشباه المثقفين وتفتح الأبواب للمهوسين بالشعارات الثقافية والألقاب المزيفة، الأمر الذي يتولد عنه وهم الثقافة المفضية إلى ثقافة وهمية مزيفة.(كتاب مزيفون، فنانون مزيفون، مطربون مزيفون، ممثلون مزيفون …الخ) في الأخير ثقافة مزيفة، فكر مزيف، مجتمع مزيف !

الانبهار الثقافي: أكيد الواقع ا لثقافي المزيف يولد مثقفا مزيفا واهما بالثقافة، لا يستطيع الوقف أمام مرآة

الحقيقة لمواجهة واقعه الصادم، الأمر الذي يولد لديه حتما الشعور بالنقص وعدم الثقة بالنفس، فيكون لقمة سائغة للثقافات المهيمنة الوافدة، فيميل إليها ويتعصب لها بحماس شديد ضد ثقافة الداخل، لتغطية واقعه الثقافي الصادم وزيفه الواهم بها. وهنا نقع في لوث آخر هو التعصب الثقافي.

التعصب الثقافي: التعصب يعمي البصيرة ويغيب العقل ويتستر على حقيقة الواقع كيفما كان شكل هذا التعصب أو نوعه، سواء أكان هذا التعصب للثقافة المحلية أو للثقافة المهيمنة الوافدة، بل إن كثيرا ما تنشق الساحة الثقافية وتنقسم إلى فئتين متخاصمتين ، فئة متعصبة للثقافة المحلية، وفئة متعصبة للثقافة المهيمنة الوافدة، وهذاما نعايشه اليوم في عالمنا العربي من صراع بين دعاة الأصالة، ودعاة الحداثة أو ما بعد الحداثة، الأمر الذي تولد عنه في الأخير، هذا التشتت والانقسام، والتضارب في الرأي بين ابناء المجتمع الواحد، الذي أحيانا يترجم إلى خلافات دامية على أرض الواقع، كما أن له انعكاسات سلبية على الفكر المجتمعي أو العقل الجمعي كما يقول(إميل دوركايم)، وعلى الوسط السياسي للأمة.

أضرار التلوث الثقافي

ولأن الثقافة أيضا معطى انساني ومكتسب اجتماعي مرتبط ببيئته فإنها تختلف من مجتمع لأخر، بل ومن بيئة لأخرى داخل المجتمع الواحد الذي يمتلك ثقافات متعددة قد تكون متجانسة أو متباينة، وهذا ما تحدده

طبيعة كل مجتمع. أيضا هو كذلك مكتسب انتقالي ينتقل من جيل إلى جيل آخر، أو من مجتمع إلى مجتمع آخر، يكون قابلا للتأثير والتأثر. دون أن ننسى سيماتها الأخرى التي عددها المختصون، وهي أنها تطورية أي قابلة للتطور وتكاملية أي أنها تشبع حاجيات الانسان وتريح نفسه، وتقدم له الحلول.

ودون الدخول في تفصيل هذه السيمات التي هي متوفرة حتما في الكتب المدرسية كما هي متاحة بالمجالات التعليمية أو التثقيفية المختلفة. فإنه يجدر بنا الانتقال إلى الأضرار التي يسببها هذا التلوث للإنسان والمجتمع والتي أراها لا تبتعد كثيرا عن الأضرار التي حددها علماء البيئة فيما يخص التلوث البيئي والتي يمكن أن نذكر أهمها وهي :

أولا: أضرار تمس بالصحة العقلية والفكرية للإنسان، لكون الثقافة هي المكون الأساس لبنية العقل والفكر الانساني داخل المجتمع وتحدد نوعه وكيفية تفكيره فإن ادخال ملوث على العناصر الثقافية سوف يؤدي حتما إلى تلوث الفكر، ويؤثر سلبا على طريقة تفكيره، وكيفية فهمه للأمور وتقديرها.

ثانيا: أضرار تمس بالهوية الثقافة وتشوش على خصوصيتها الميزة لها، باعتبار أن الثقافة تمثل ذلك الكل المحدد للهوية والمشكل لها، والمتمثل في جملة المفاهيم والسلوكيات الدينية والاجتماعية والثقافية والتي تحدد في الأخير المعتقدات الراسخة والعادات والتقاليد من لباس وأكل وطريقة للتعبير عن المظاهر الاجتماعية المختلفة، وبالتالي تلويث ادخال عنصر أو عناصر ملوثة على الثقافة سوف ينعكس سلبا على الهوية ويحدث فيها نسيجها الاجتماعي والسياسي تمزقات خطيرة تعصف بوحدة المجتمع وتماسكه. ولا ضير من اعطاء أمثلة في هذا السياق، مثل إدخال بعض العادات والأفكار الغريبة المتطرفة على مجتمع محافظ محتشم، مثل السراويل بنصف مؤخرة للرجال وقمصان كاشفة لسرة الفتاة، أو ادخال أفكار مخالفة لعقيدة وعادات المجتمع أو الطبيعة البشرية، مثل الزواج المثلي المخالف وغيره.

ثالثا: أضرار تمس بالمحيط الثقافي وتلوث منتجاته المختلفة والمتنوعة. إذ أكيد أن الأفكار غير المنسجمة مع الطبيعة الثقافية للمجتمع والمتضاربة معها سوف تؤثر على المنتوج الثقافي لاسيما ما تعلق منه بالمجهود الفكر والابداعي الفني من مسرح وسينما وأدب وغناء. ويمكن هنا الوقوف في الجانب السينمائي عند ما تنتجه السينما الأمريكية اليوم (هوليوود) من أفلام عنف خاوية من أي رسالة هادفة، أفلام عنف ومشاهد قتل دموية وتفجير لمباني والهياكل وأعمال شغب دون مبرر، لا سيناريو حاد ولا فكرة هادفة، مجرد عنف من أجل العنف، وما زاد الطين بلة ادخال العامل النسوي في مثل هذه الأفلام العنيفة، مما أدى إلى تشويه صورة المرأة واخراجها عن طبيعتها الأنثوية، وتحطيم الجانب الجمالي فيها. وقد تأثرت بذلك السينما المصرية كعادتها دوما، وبات معظم انتاجاتها السينمائية دخل فيما يسمى بأفلام الحركة المليئة بالعنف والمشاهد الدموية والتخريبية للقيم والمبادئ الانسانية والجمالية.

رابعا: أضرار تمس بالجانب الجمالية للثقافة. وهذا الجزء لصيق بالمحور السابق ومتعلق بالمنتج الجمالي في الثقافة، إذ أن التلوث الثقافي المتمثل في ادخال أفكار مضرة بالمبادئ والقيم الجمالية، ورغم أنه لا يمكن حصرها في نظرية واحدة أو اعطائها تعريفا جامعا مانعا لها، إلاّ أن الجمال كيفما تعددت نظرتنا له فهو لا يمكن أن يخرج عن الاطار الشعوري والعقلي للإنسان، فهو في الأخير ظاهرة انسانية ولا يمكنه الخروج عن هذه الطبيعة، المضبوطة بقوانين طبيعية مثل التناسق والانسجام وعدم التعارض أو الاضرار بالطبيعة الانسانية أو الخروج عليها عقليا وشعوريا، أي فكريا وجماليا. ولنأخذ مثلا مجال الموسيقى والغناء، فأكيد أن الموسيقى التي لا تحترم قواعد التناغم والانسجام وعدم الاضرار بالحس السمعي والعصبي أكيد هو تلوث موسيقي أو غنائي. فالموسيقى الصاخبة فوق الحد الطبيعي للحس السمعي و العصبي هو تلوث، وكذلك الأغاني التي لا تملك كلمات غنائية مفهومة ومؤثرة ولا تؤد بصوت غنائي

جميل فهي تلوث غنائي ، وأضنني في حلّ من ذكر بعض النماذج المعروفة والمتداولة حتى لا نلوث مقالنا هذا بذكرها.

خامسا: أضرار تمس بالجانب التكاملي للثقافة، أين يتم اشباع الحاجيات بأمور غير ثقافية فاسدة وايجاد حلول خاطئة وغير مناسبة. الثقافة لا تقف عند حدّ الضروري والأساسي فهي تشمل الكماليات والمنمقات التي تطرحها الحياة البشرية كمتممات للسعادة والفرح وادخال السرور عن النفس والترويح عنها. كممارسة بعض الهوايات والنشاطات الخاصة السياحية أو الاستجمام. والتي يمكن أن تدخل عليها بعض الممارسات والنشاطات الخارجة عن الطبيعة الثقافية للمجتمع، فتفسدها وتسممها بأفكارها الفاسدة، كأن تخرجها من إطارها الكمالي لتعطيها مفهوما الأساس فيصبح عدم تحققها انتقاصا أو مساسا بالحقوق مما ينجر عليها تصادم ، وصراع خاطئ ما كان ليكون في الأصل. وتجعلك تقدس ما هو كمالي وتهمل ما هو ضروري وأساس. مثال أن نقيم الدنيا ولا نقعدها على عدم استراد نوع معين من أكل القطط وبالمقابل اهمال البشر المشردين في الشوارع بلا أكل ولا مأوى !

سادسا: أضرار بعدية تراكمية تهدد مستقبل الثقافة وتعيق تقدمها. إن السماح بدخول مثل تلك الملوثات على الساحة الثقافية وتركها تتراكم الواحدة تلوى الأخرى والسكوت عليها وعدم مواجهتها والتفكير في حلها سوف يؤدي حتما إلى هلاك وافساد الحقل الثقافي وبالتالي ما ينجر عليها من تبعات على صعيد الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. وما أرى مشكلات عالمنا المعاصر إلا مشكلات ثقافية وتلوث ثقافي هيمنة على الثقافات المحلية والعالمية وبدأ يفسد عليها حياتها الفكرية والاجتماعية والسياسية تحت غطاء العولمة والثقافة العالمية المزورة الكاذبة، في غياب حوار ثقافي عالمي جاد وصادق يجمع بين ثقافات العالم، ولا يفرض عليها أفكارا مسبقة مصممة لأغراض ومصالح أقل ما يقال عنها أنها غير ثقافية أو لا ثقافية.

أخيرا وبعد هذه الالتفاتة الصريحة لما اعتبرناه تلوثا ثقافيا، والذي بالتأكيد قد استفاد كثيرا من معطيات وتجارب السابقين من خبراء وعلماء التلوث البيئي وما أفاضوا إليه من نتائج ومحصلات علمية، لكونهما( التلوث البيئي) و( التلوث الثقافي) يشتركان في المقصد الجوهري ( التلوث) ويختلفان في النوع( بيئي/ ثقافي). ولا أعتقد أن الموضوع سيتقوف عند هذا الحدّ من الطرح أو الدراسة وأكيد أن الخبراء والمتخصصون في الحقل الثقافي والفكري سوف يثرون هذا الطرح ويقومونه بما خبر لديهم وتجمع بين أيديهم من نتائج بحثية ومعرفية. ولربما تأخر التنبه لمثل هذا الطرح عندنا بسبب الوضع الثقافي نفسه الذي يعان الكثير من الاهمال أو بالأحرى الذي يحظى باهتمام مزيف غير لائق بحقيقة الثقافة وأهميتها في نشر الوعي بين أفراد المجتمع والعمل على تقدمه وتطوره، ولربما ولأجله كان الاهمال والزيف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى