أدب

ادوارد سعيد… ناقدا انسانيّا..

رشدي الماضي

يؤكٌد دارسو إدوارد سعيد أنّهُ كناقد سار على خُطى كلّ من النّاقد الألماني:-

إيريك اورباخ صاحب كتاب “المحاكاة”، والفيلسوف الألماني تيودور أدورنو؛ لكنّهُ امتاز عنهما برغبتِه في استخدام القِيَم الانسانيّة الغربيّه ضِدّ الميراث الامبريالي في الثَّقافة الغربيّة، خاصة محاولتهُ لعلاج فَشَل هذا الميراث في الإعتراف بالقيم التي تنطوي عليها َالثّقافات غير الغربيّة وفي الأَساس الحريات الإنسانية الحقيقيّة…

هذا، وعلى الرَّغم من النقد المتواصل لنزعتِهِ الانسانيّةَ، واصل سعيد سعيَهُ في وضْعِ قاعدة جديدة للمذهب الإنسانيّ مُشْتَقّة من كتابات المُفكّر فرانز فانون الأخيرة، خاصّة

كتابه “معذبو الأرض” الذي أراد من خلالهِ أنْ يُحرٌر العقليّة الغربيّة مِن فرديتها النّرجسيّة ونزعتها الاستعماريّة التي تُبرّر سيطرة “الرجل الأبيض”!!!

لذلكَ سَمّدَ إدوارد موقفَهُ بالعناد والضٌديَّة والرّوح المقاومة، مِمٌا جعلَهُ يُقَرّر أن يختتم حياتَهُ بمنُجز مُميّز عن مذهبهِ الانسانيّ وتَصوّرهِ لمعنى “الإنسانية” ومبدأ “الديمقراطيّة”، مواصلاً ما بدأهُ في كتابيْهِ “الاستشراق” و “الثقافة والإمبراليّة” ووو

مِن هنا يبدو كتابُهُ “الانسانيّة والنَّقد الديمقراطي” بمثابة تلخيص لأفكارِه ورؤيته النَّظريٌة، وكذلك العَمليّة، لموضوع النَّقد… ولا يخفى أنَّ الكتاب جاء نوعا من الوداع الأَخير، فشدَّد فيه على أفكاره ورؤاهُ العزيزة على نفسهِ، لأنّهُ فارق الحياة بعده في 29 أيلول عام 2003 بعد صراع مع المرض الذي ألمَّ بهِ.

يضم الكتاب خمسة فصول، ثلاثة منها هي سِلسِلةُ محاضراتِهِ في جامعتي كولومبيا بأمريكا وكيمبرج في بريطانيا… أمّا الفصل الرابع فهو مُقدّمة كتبها للطبعة الجديدة من كتاب إريك اورباخ “المحاكاة”، فيما يتناول الفصل الخامس دور الكُتَّاب والمثقّفين العام…

وينبغي التّنويه في هذا الصَّدد، أنّ الفصول الخمسة أعلاه كُتِبت في الفترة الّتي وقعت فيها أحداث 11 سبتمبر 2001، ألتي أحدثت تغيّراً جذريّا في المناخ السّياسي في امريكا وقاد إلى غزو أفغانستان، وشنّ الحرب على ما يُسمى الإرهاب، واحْتلال العراق…

وعليه، من الطّبيعي أنْ تنوءَ فصول الكتاب تحت ثِقل الوضع جيو- الاستراتيجي المحتشد بالصّراع والعداء المتَصاعد آنذاك بين العالم الغربي، وخصوصاً الأمريكي منه، والعالم العربي…

لكنٌ إدوارد سعيد، وانطلاقا مِن تَصوّرهِ الإنسانيّ للثَّقافة والعلاقة بين الحضارات، سَجَّلَ موقِفَهُ بوضوح بأنَّهُ عمل طوال العقود الأربعة الأخيرة من حياتِهِ كمعلّم وناقد وباحث، عمل بوصْفِهِ انسانيّا ممارسا: الانسانيّة والنَّقد الديمقراطي… لذلك حدَّد موضوع كتابه أعلاه والأخير بالعلاقة التي تربط المذهب الإنسانيّ والممارسة النَّقديٌة، في وقت تمرّ البشرية فيهِ بحالة من انعدام التّوازن والحروب وكلّ أنواع العنف والإرهاب… خاصّة وأنَّ أحداث الحادي عشر مِنْ أيلول ترسَّخت كلمتا الرّعب والإرهاب في وعي الناس بإلحاحٍ غريب…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى