مقالات

ليس كل من إدعى الرغبة في التغيير صادق

هاني عرفات
فلسطين \

يبدو وكأن الساحة الفلسطينية تعاني ما هو أكثر من إنقسام بين تيارين رئيسيين ، إنها حالة من التشظي السياسي طفت على السطح بشكل جلي عقب المرسوم الرئاسي بإجراء الانتخابات التشريعية يتبعها انتخابات رئاسية وتختتم بإنتخابات السلطات المحلية . وإذا ما استثنينا الفصيلين الرئيسيين، فإن سواهما، هي قوى تجمع على التغيير ،ولكنها تختلف جميعاً تقريباً على مفهوم التغيير والطرق اللازمة لتحقيقه ، ليجد الفلسطينيون أنفسهم في متاهة تضاعف حالة التيه الذي هم فيها.
سوف أحاول في هذه العجالة أن أسلط الضوء على ( قوى التغيير ) دون غيرها، لعل ذلك يساهم في فهم أفضل لما يدور من صراع على الأرض.
سوف أحاول تصنيف هذه القوى إستناداً إلى جذورها السياسية ، أهدافها ودوافعها . وهي على النحو التالي :
قوى اليسار، القوى المنشقة عن السلطة، الحراكات الشعبية، القوى الرافضة من حيث المبدأ، الجهاد الإسلامي.
قوى اليسار: سوف أتجنب الدخول في صحة التسمية لهذه القوى ، فبعضها سياسياً هو أقرب إلى الوسط منه إلى اليسار ، وإذا ما قلنا قوى ديمقراطية فإن بعضها أبعد ما يكون عن ممارسة الديمقراطية الداخلية ، ولكن نعتمد في هذا التصنيف على الجذر التاريخي لها، وهي فصائل لها تاريخ ممتد على مدار السنين ويسجل لها مواقف تاريخية مشرفة في النضال السياسي والاجتماعي ، ولها الكثير من الانجازات، قبل أن تتراجع وبشكل حاد خلال العقود الثلاث الماضية ، لأسباب كثيرة يطول شرحها .
برامجها السياسية متشابهة وتكاد تكون متطابقة ، أغلبها انحدر من بعضها البعض ، غالباً بسبب إنسداد الديمقراطية الداخلية أو لأسباب شخصية بحتة، وهذا ما يفسر تقاربها السياسي والفكري وانفصالها التنظيمي في نفس الوقت.
جميع هذه التنظيمات ، وإن تردد بعضها في البداية ، أعلنت موافقتها على المشاركة في إنتخابات المجلس التشريعي ، وبدعوة من مستقلين قريبين من هذا المعسكر جرت حوارات ماراثونية لتوحيد هذه الفصائل في كتلة موحدة ، وربما الذهاب الى أبعد من ذلك بالتأسيس لتيار ثالث يكسر حدة الاحتكار السائدة منذ زمن بعيد. لكن كل هذه المحاولات ذهبت أدراج الرياح حتى تاريخ كتابة هذه السطور ورغم ضغط قواعد هذه التنظيمات نفسها . ومن الجدير بالذكر أن هذه الفصائل استطاعت التوصل إلى تفاهم سياسي حول ٩٠٪ من القضايا المطروحة .
وهنا يجب أن نقر بأنه لا يمكن تحميل كل هذه الفصائل هذا الفشل ، كون الفصيلان اللذان يعتقدان أنهما الأكبر والأكثر حظاً في الانتخابات القادمة كانا الاكثر تعنتاً ، فإن الفصائل الاخرى تستحق بعض اللوم كونها إختارت طريقاً أدى إلى تماهيها مع القوة الاكبر وتسبب في إضعاف حضورها الجماهيري . لكن الخطأ الذي ترتكبه القوتان اليساريتان في هذا المعسكر هو تحمل المسؤولية التاريخية عن فرصة توحيد هذه القوى التي أصبحت تشعر أكثر فأكثر بالحاجة اليه من أي وقت مضى ، وهي فرصة حقيقية لتصحيح هذا المسار مما يساهم بتصحيح المسار العام في النهاية .
لكن هذا ليس كل شئ ، فخطورة هذا التوجه هو نفي الغرض منه، بمعنى أن خوض الانتخابات بهذه الطريقة المنفردة وحتى لو وجد نوع من الاتفاق على حصول بعض أصوات حركة الجهاد الإسلامي، فإن هذا لن يجعلها قوة وازنة ذات تأثير داخل المجلس التشريعي أمام القوى الكبرى.
القوى المنشقة عن السلطة : انقسمت هذه القوى ما بين تيار محمد دحلان ، إئتلاف ناصر القدوة، ورئيس الوزراء السابق سلام فياض ، هذه الكتل الثلاث تتفق في شعارها الأساسي وهو السعي إلى التغيير . مما يثير كثير من التساؤلات حول صحة هذا الشعار وجديته ، فكما هو معروف فإن كل من هذه الشخصيات كان جزءً لا يتجزأ من النظام السياسي القائم ، ويتحملون بدرجات متفاوتة المسؤولية عما آلت إليه الأمور ، فمثلاً بتتبع بسيط للخلاف بين محمد دحلان عضو اللجنة المركزية السابق لحركة فتح والرئيس محمود عباس نجد أن الخلاف ليس سياسياً إطلاقاً وإن تم تغليفه بدوافع سياسية ، ولكنه تطور لاحقاً ليصبح كذلك ، فمحمد دحلان كان يؤكد منذ بداية الأزمة أن مشكلته في عضويته التي حرم منها. وفي وقت لاحق تطور الوضع الى إتهامات متبادلة بالفساد . مما يدفعنا للتساؤل هل حقيقة أن الفساد هو وليد حقبة الرئيس محمود عباس ؟ بالطبع لا . وبعودة سريعة إلى السنوات الاولى من توقيع اتفاق أوسلو نجد الكثير من ظواهر الفساد التي سادت تلك الفترة والعلاقات والمشاريع التي كانت قائمة بين ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق غينوسار وصندوق الاستثمار الفلسطيني ممثلاً بمحمد رشيد المستشار الاقتصادي للزعيم الراحل ياسر عرفات ، الذي ربطته علاقات تعاون ولا زالت مع محمد دحلان مؤشر على ذلك .
هذا عدا عن الممارسات القمعية والاعتقالات السياسية من بعض الاجهزة الامنية والتي تسببت في وفيات حينها ظهرت في تلك الفترة أيضاً. إذن الفساد ليس وليد اللحظة ولا يرتبط بعهد الرئيس أبو مازن . الفارق هو أنه فيما مضى كانت تطغى ( الشرعية الثورية) على سواها من الأخطاء، وكانت الأمور تغلف بقدر أكبر من السرية. برأيي المتواضع أن السبب الرئيس لكل ما جرى ويجري هو الفردية وانعدام الشفافية ، التي تؤدي دائماً إلى أخطاء تصبح خطايا مع الوقت . الامر المؤكد أن محاولات أجزاء سابقة من السلطة أن تطرح نفسها على أساس أنها قوى التغيير هو ضرب من التضليل ، خصوصاً إذا كان ذلك يتم بادوات وأموال خارجية يعلم الجميع أنها ليست بريئة. وهذا يقودنا الى سؤال : كيف يمكن أن يبرر مناضل قضى جل عمره في النضال، أو موظفاً كبيراً في السلطة ، أن يحوز على أموال طائلة وتقدم للمحتاجين الفلسطينيين تعجز عنها ميزانيات دولة ؟

الحراكات الشعبية : بعضها قديم نسبياً والبعض الآخر فتي ، وإن كانت كلها تدعو نحو التغيير إلا أنها غير متجانسة التركيب والأهداف ، فبينما حملت الحراكات الأولى أهدافاً مطلبية محددة ، وتكونت من مجموعات شبابية من أصول إجتماعية إما فقيرة أو من الطبقة الوسطى، ونجحت إلى حد كبير في تحريك الشارع من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ، ظهرت حراكات أخرى في أوساط النخب والمثقفين جمعت في ثناياها بعض ممن غادروا تنظيماتهم الأم لأسباب شتى وعادوا إلى الحياة السياسية بعد انسداد الآفاق أمامهم والتدهور السياسي العام الحاصل ويطمحون الى مشاركة وتأثير فاعل. لكن يبقى التحدي الاصعب هو كيفية صهر الخلفيات الفكرية السياسية المتنوعة أحياناً حد التناقض في تجمع واحد ، هؤلاء جميعاً أعربوا عن رغبتهم بالمشاركة في العملية الانتخابية بدرجات متفاوتة ، ومع أنه ما زال غير واضحاً حتى الآن التوجه التصويتية الحراكات الشعبية فيما إذا كانت ستدعم قائمة معينة بحد ذاتها ، فقد أعلن حراك وعد عن أنه سيدعم من يتفق مع توجهاته من المرشحين وعدم الدخول بقائمة منفردة ،مما يفرض تساؤلاً تقنياً ، وهو فيما إذا كان هناك مرشحون يتفقون وأهداف الحراك موزعون على عدة قوائم كيف سيكون التوجه في ظل إنتخابات نسبية يتم فيها التصويت للقائمة وليس على أساس فردي؟ لكن مجرد وجود هذه الحراكات على اختلافها هو مؤشر إيجابي على عودة الحياة لأطراف العملية السياسية ، الذي وبإعتقادي سيؤدي إلى عمليات متلاحقة من التطور للوصول الى أجسام سياسية قابلة للحياة .

القوى الرافضة مبدئياً : هذه القوى هي الأكثر ضعفاً وتنطلق غالباً من مبدأ معارضة الانتخابات كونها تجري تحت سقف أوسلو وأنها لن تأت بأي جديد سوى تثبيت شرعية أوسلو ، وأن المشاركة فيها سيقدم تغطية لتسويات سياسية سيئة . هذا الطرح فيه قدر من الصحة لكن مشكلته الرئيسية أنه يفتقد إلى الامتداد الشعبي مما يعني في النهاية انتفاء الغرض منه، بمعنى في ظل مشاركة القوتين الاكبر وعدد آخر من التنظيمات الفلسطينية فإن الدعوة الى عدم المشاركة ستلاقي استجابة محدودة ، وبالتالي ستنقلب الأمور الى عكسها ، أي أن ذلك سيؤكد على شرعية الانتخابات ومحدودية معارضيها ، مما يستدعي إعادة النظر في هذا التوجه.

حركة الجهاد الإسلامي : أفردت باباً خاصاً لحركة الجهاد لأن لها موقفاً تاريخياً متميزاً من المشاركة في أي من مؤسسات م ت ف أو السلطة ، فقد حافظت على النأي بالنفس عن أي مشاركة رسمية وهو موقف منسجم مع رؤيتها الفكرية والسياسية . لكن جرى في السابق أن تركت الخيار لأنصارها في المشاركة تصويتاً من عدمها ، وكان هذا يظهر جلياً في بعض الانتخابات الرئاسية وسواها . على أي حال بقيت هذه الحركة منسجمة مع مواقفها نظرياً وعملياً ، ومشاركتها كانت ذكية من خلال فتح خيار التصويت دون زج نفسها في تبعات قد لا تحمد عقباها.

حتي اللحظة تبدو الازمة الفلسطينية مركبة ، والسبب هو غياب قوة وازنة وحقيقية عن الانتخابات القادمة إلا إذا حصلت معجزة ، مع العلم أن زمن المعجزات ولى .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى