مقالات

لماذا تشارك تركيا بحماية مطار كابول؟ بالرغم من تحذير طالبان لتركيا

بينما تتحضر الولايات المتحدة وشركائها في حلف “الناتو” للانسحاب من أفغانستان، بحلول نهاية آب/أغسطس المقبل، بعد عشرين عاماً من الحرب المكلفة هناك، تتحضر تركيا لإنزال قواتها لتولي تأمين مطار كابول الذي يواجه خطر السقوط بيد “طالبان”.

حماية تركيا لمطار حامد كرزاي الدولي يشكّل حاجةً أساسية للبلاد التي تتهددها الحرب الأهلية، لكنه يشكل أيضاً حاجة لمجموعة أوسع من الدول كالصين التي تطمح لربط أفغانستان بمشروع “الحزام والطريق”، الهند التي تهدف لجعل كابول حليفتها في العداء لإسلام آباد، وبالطبع لدول “الناتو” التي تريد الحفاظ على سيطرة حكومة أشرف غني على العاصمة على أقل تقدير.

سقوط مطار كابول أو تعطيل الرحلات الجوية فيه يعني قطع طريق أفغانستان إلى الخارج وإيقاف رحلات البعثات الدولية، ومن ثمّ يصبح الحديث عن مفاوضات بين “طالبان” والحكومة الأفغانية برعاية دولية مرهوناً بسلطة الحركة التي باتت تسيطر على أكثر من 85% من البلاد.

وجود تركيا في أفغانستان ليس سابقة، ففي عام 2001 وافق البرلمان التركي على المشاركة في “قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان” (إيساف) والتي ساهمت في مساعدة السلطات الأفغانية على بسط سيطرتها عقب إسقاط حكومة “طالبان”.

حماية مطار كابول يعدّ مساهمة استثنائية مختلفة عن مساهمات أنقرة السابقة، أولاً لجهة تزامنها منع انسحاب القوات الأجنبية الأخرى من البلاد وفق ما ينصّ اتفاق الدوحة الموقع بين إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب و”طالبان”، وثانياً لارتباطها بمجموعة ملفات بينها علاقة تركيا بحلف الأطلسي وعلى رأسه واشنطن.

من الواضح أن مصلحتي تركيا بحلف “الناتو” تتقاطعان في أفغانستان، فالأولى تنوي تمتين علاقتها بالحلف خاصةً بواشنطن، والتي تضررت بفعل تبني واشنطن لقضية الإبادة الأرمينية، وتصاعد النزاع بين أنقرة وأثينا على خلفية التنقيب في المتوسط، وشراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسي “إس-400” ما أغضب واشنطن ودفعها إلى فرض عقوبات على شريكتها في الحلف الأطلسي.

لا شكّ بأن الولايات المتحدة لا تريد أن ترى الحكومة الأفغانية تنهار على وجه السرعة بعد انسحابها، ورغم الوعود الضئيلة التي تتوقع كابول تلقيها من الإدارة الأميركية بعد الانسحاب، وهو ما يعكسه إشارة الإدارة الأميركية بالحديث عن “مساعدات مدنية وإنمائية وإنسانية” أو الأمنية بأقصى تقدير -الأمر الذي لن يكون كافياً لرد هجمات “طالبان” التي وصفها قائد القوات الأميركية في أفغانستان بالـ”مقلقة للغاية“- فإن واشنطن تنوي إدامة سلطة إدارة أشرف غني والوصول إلى حلٍ مرضٍ بين الأطراف اليمنية لا يطيح بكل المكاسب.

إذاً تركيا ستعمل على تحقيق بعض ما لا تريد واشنطن تحمّل تكاليف، أي المساهمة في حماية العاصمة من خلال حماية المطار، وذلك تحت رعاية واشنطن التي رحّبت بـ”التزام أنقرة الواضح” بلعب “دور رئيسي” في تأمين مطار كابول، وذلك عقب اتفاق الرئيس الأميركي مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان على على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في حزيران/يونيو في بروكسل.

قد يساهم التوافق التركي-الأميركي على هذه المسألة في فتح مسار جديد للتعاون، وربما يعمل على تبريد الخلاف الذي لا يجد البلدان أي مصلحة في إدامته، فيما ترجّح بعض المصادر أن تستفيد تركيا من مشاركتها بنيل الضوء الأخضر الأميركي لاستخدام منظومة “إس-400″، وفق ما أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” قبل يومين.

لكن العقبات أمام تركيا ليست سهلة، فإشراك الجنود الأتراك في أفغانستان ليس مشابهاً للحالة السورية أو الليبية أو الأذربيجانية، إذ لا يتعلق الأمر بالأمن القومي هذه المرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة المعارضة الداخلية للتدخلات في الدول الأجنبية، خاصةً إن كلّف هذا التدخل خسائر بشرية وتسبب بالمزيد من الغرق في التكاليف العسكرية التي لا يطيقها الاقتصاد التركي المتصدع.

أما المحذور الأهم فهو رفض حركة “طالبان” لبقاء القوات التركية على أراضي بلادهم، إذ أكدت الحركة، في بيان اليوم، أن “قرار القادة الأتراك ليس حكيماً، إنه انتهاك لسيادتنا ولوحدة وسلامة أراضينا وهو مخالف لمصالحنا الوطنية”.

كما دعت “طالبان” تركيا إلى سحب قواتها من أفغانستان، وعدم المراهنة على علاقاتها الطيبة ببعض الجهات الأفغانية وكونها دولة إسلامية ذات تاريخ مشترك مع أفغانستان لإبقاء قواتها في البلاد.

قد يجد إردوغان نفسه مضطراً لتنفيذ ما جرى التوافق عليه في بروكسل، وإنزال المزيد من القوات في كابول، لكن هل ستتحمل تركيا كلفة التصادم وحدها مع “طالبان”، إن حدثت؟ أم أنها ستعمل على استدراج أعضاء آخرين في “الناتو” للتعاون مع قواتها (جرى الإشارة إلى المجر)؟ وما هي المكاسب التي ستجنيها من واشنطن؟ المفاوضات بين تركيا وأميركا لم تنته بعد، وتحذير “طالبان” الأخير سيضاعف حظوظ إردوغان بنيل مكاسب أكبر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى