الرئيسيةقصص طريفةكاريكاتير

كسوف الشمس من الأساطير الشعبية إلى العلم الحديث

لطالما شكل كسوف الشمس مصدر ذعر وإلهام وتفسيرات أسطورية للبشر، من الصينيين الذين كانوا يعتقدون أن تنينا يبتلع الشمس، إلى الفايكينغ الذين كانوا يظنّون أن ذئبا يمسك بها، قبل أن يشرح العلم أنها ظاهرة فلكية تفسّر بقوانين الفيزياء.

فقد كان الأقدمون يصابون بالهلع حين تختفي الشمس فجأة في وضح النهار، وسادت في ثقافاتهم تفسيرات غيبية أسطورية لهذه الظاهرة تنسبها إلى الآلهة أو الشياطين أو الأرواح الشريرة.
في الصين، كان الأقدمون على قناعة بأن تنينا يوشك أن يبتلع شمسنا، فكان لا بدّ من طرده بسرعة بقرع الطبول والقرقعة بأدوات أخرى.
ويقول روبرت ماسي الباحث في الجمعية الملكية للعلوم في حديث لوكالة فرانس برس “لوقت طويل كان البشر ينظرون إلى الكسوف على أنه أمر سيء”.
واستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن يلاحظ البشر أن القمر هو المسؤول عن حجب الشمس في وضح النهار، وليس الآلهة أو التنين أو الأرواح الشريرة.
ويقول باسكال ديكان الباحث في علوم الفضاء “تطلب الأمر مراقبات فلكية ودراسات عن حركة الشمس والقمر ليعرف البشر أن القمر هو الذي يسبب كسوف الشمس”.
وفي بعض الحالات يحجب القمر الشمس تماما، في ما يسمّى الكسوف الكليّ، علماً أن قطره أصغر من قطرها بأربعمئة مرة، لكنه أقرب إلى الأرض منها بأربعمئة مرة، ما يجعل حجمها متساويا للناظر من الأرض.
يراقب الإنسان كسوف الشمس منذ آلاف السنوات. ومنذ القرن السابع قبل الميلاد وحتى العام 50 بعد الميلاد، كانت مواعيد الكسوف مدوّنة على ألواح بابلية.
وكان الصينيون يبدون اهتماما كبيرا بالكسوف وبحساب مواعيد وقوعه. وفي العام 2137 قبل الميلاد أمر إمبراطور صيني بفصل رأس شقيقين عالمي فلك فشلا في تحديد موعد الكسوف.
يروي المؤرخ هيرودوت أن طاليس المالطي تمكن من تحديد موعد كسوف للشمس في العام 585 قبل الميلاد. وتزامن موعد الكسوف مع معركة بين الليديين والميديين. ولما رأى المتحاربون أن الشمس تختفي في وضح النهار، ظنّوا أنها إشارة من الآلهة لوقف القتال، وهكذا كان.
غير أن بعض العلماء يشككون في قدرة طاليس على احتساب مواعيد الكسوف في ذلك العصر.
في القرن الثاني قبل الميلاد، وضع بطليموس كتابه الشهير عن علم الفلك وفيه طرق لحساب مواعيد الكسوف، بحسب باسكال ديكان.
ويقول روبرت ماسي “مع عصر النهضة الأوروبي، وخصوصا مع اختراع التلسكوب (مطلع القرن السابع عشر)، ودراسات كوبرنيكوس، صار من الصعب استمرار الاعتقاد بأن كسوف الشمس أمر مخيف”.
وكان كوبرنيكوس الراهب وعالم الرياضيات الذي عاش بين العامين 1473 و1543 أول من تحدّث عن أن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، كما كان يظنّ أرسطو.
قبل 300 عام، توصل البريطاني إدموند هالي إلى تحديد دقيق لمسار الظل في كسوف العام 1715.
أما اليوم، فإن العلم صار قادرا على تحديد كل تفاصيل أي كسوف للشمس بدقة عالية جدا.
وإذا كانت المعتقدات الأسطورية القديمة حول الكسوف قد زالت واندثرت، إلا أن معتقدات أخرى ما زالت شائعة حتى اليوم يجتهد العلماء لتبيين زيفها، كما تفعل وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) على موقعها.
ومن ذلك الاعتقاد أن النساء الحوامل عليهن تجنّب النظر إلى الكسوف لأنه يؤذي الجنين، أو أنه ينبغي عدم تحضير الطعام أثناء الكسوف كي لا يختلط بأشعاعات سامّة مصدرها إكليل الشمس.
شيطان يبتلع الشمس في الأساطير الهندوسية
تروي ملحمة هندوسية أسطورة عن تنين أو شيطان، يُدعى كالا راو الذي يُضمر الغيرة والحقد تجاه الآلهة التي تتمتع بخلودٍ أبديّ. يبدأ هذا الشيطان في التخطيط لسرقة إكسير الحياة الذي يمنح الآلهة خلودها؛ فيتنكّر على هيئة امرأة ويدخل مأدبة الآلهة مُتظاهرًا بمكر أنه ضمن الخدم الذين يقدمون للآلهة الإكسير السحري.
يتحين كالا راو فرصة حدوث بعض الجلبة والاضطراب في المكان، ويتناول جرعة من الشراب، لكن أحد الآلهة يلحظ فعلته، ويقوم بقطع رأسه على الفور. يموت جسد كالا راو في حينها، غير أن رأسه تبقى خالدة نتيجة الجرعة التي تناولها.
منذ ذلك الحين تُطارد رأس هذا الشيطان آلهة الشمس والقمر مُحاولةً أكلها، وعندما تبتلع الشمس يحدث الكسوف الشمسي، وعندما تبتلع القمر يحدث الكسوف القمري. مع هذا تظهر الشمس والقمر مجددًا بعد فترة قصيرة ويختفي الظلام؛ لأنهما يسقطان من حَلقِه المفتوح في رأسه المقطوع.

معركة بين الشمس والقمر في إفريقيا

أمَّا شعب باتا ماليبا الذي يعيش في توغو وبنين في إفريقيا، فيمتلك أسطورةً شيّقة عن ظاهرة الكسوف لاتزال باقية حتى يومنا هذا. ينشأ في هذه الأسطورة شِجار بين أبناء كويكوك وبوكا بوكا: أول امرأتين خلقتهما إلهة الأرض بوتان. يكون الشِجار بينهما فقط في البداية، ثم تتسرّب روح الخلاف إلى بقية أفراد العائلة والأصدقاء والجيران، حتى تطال الجميع، ويصبح الناس على الأرض في قتال، يتشاجرون ويصيح كل منهم في وجه الآخر.
بعدها يُخيم ظلام دامس على جميع أنحاء الأرض، ويلاحظون أن هناك ظل يُخفي نور الشمس؛ فيعتقدون أن الشمس والقمر قد طالتهما عدوى الشِّجار، وهما الآن يقاتل أحدهما الآخر. يُدرك الناس خطأهم، ويبدأون في التوقف عن الشجار، وينتشرون في الشوارع يشجعون غيرهم على إيقاف القتال فيما بينهم، في محاولة لتشجيع الشمس والقمر كذلك على وقف القتال.
يبقى حدث الكسوف الشمسي إلى الآن توقيتًا مثاليًّا لدى شعب الباتاماليبا يتجمعون فيه؛ لتهدئة النفوس الغاضبة وتصفية الخلافات القديمة، وتشجيع الناس على فض الصراعات والنزاعات فيما بينهم.

كلاب أسطورية تحاول سرقة الشمس في الأساطير الكورية

تحكي الأساطير الكورية عن كائنات أسطورية تُدعى كلاب الـ« بول غاي»، وهي وحوش من مملكة الظلام خُلقت من النار. وفقًا للأسطورة فهنالك العديد من عوالم السماء، والعالم السفلي أو مملكة الظلام واحدة منها. في إحدى المرات يسأم حاكمها من الظلام المخيِّم على عالمه فيُرسل أحد وحوشه؛ لمطاردة الشمس والقمر وإحضارهما لجلب النور إلى عالمه.
يحاول البول غاي عضّ الشمس، لكنَّ سخونتها الشديدة تحرق فمه، يتركها ويعود إلى الملك الذي يثور غضبه؛ فيرسل وحشًا آخر أكثر شراسة لجلب القمر. يحاول الوحش الآخر عضّ القمر، لكنه بارد جدًا ويتجمد فم الكلب فيعود خائبًا هو الآخر إلى سيده.
يستمر الملك في إرسال كلابه محاولًا جلب الضوء لكنها تفشل في كل مرة، وعندما يعض أحد الكلاب الشمس يسمى ذلك بالكسوف الشمسي، في حين عندما يعض القمر ينتج عنه الكسوف القمري.
غضب من الآلهة عند الإغريق
الشمس خلف أعمدة أحد المعابد اليونانية
لم تكن ظاهرة الكسوف حدثًا محبوبًا لدى الإغريق على الإطلاق، بل كانت نذير شؤمٍ وشرّ. فقد اعتقد اليونانيون القدماء أنّ السبب في حدوث ظاهرة الكسوف، هو غضب الآلهة على البشر الذي سيتبعه حلول الكوارث والدمار على الأرض.
في الواقع كلمة كسوف الإنجليزية Eclipse مُشتقة من المصطلح اليوناني Ekleipsis والذي يعني ترك أو هجر، وهذا يُفسر ما يحدث أثناء الكسوف عندما تهجر الشمس البشر وتتركهم إلى الظلام والدمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى