أدب

قصة قصيرة:شظايا الروح

خيرة الساكت
كاتبة من تونس

كوّم رئيسي في العمل ملفات فوق الطاولة أمامي.
– راجعيها! أمرني بنبرته المتعالية كعادته.
تعبت من العمل. لا أحد يشقى مثلي في هذه المصلحة المنسية. لماذا لا يكلف سكرتيرته بمهام عديدة مثلي؟ هي لا تهتم بغير الماكياج والتعطر والتغنج في كل دقيقة. تبدو وكأنها عارضة أزياء. أما أنا فبسبب المهامّ التي لا تنتهي أكاد أنسى أنني امرأة.
سمعتهم مرة يتهامسون حول علاقتها بالمدير، وهي التي تظل بمكتبه لوقت طويل. لم أصغ لمثل تلك الأقاويل فكل إنسان حر في ما يأتيه.
انسحب بسرعة وعاد إلى مكتبه.
فكرت. هل أتبعه وأحتج على الوضع أم أطلب اقتسام العمل مع سكرتيرته؟
لا! كلا الأمرين غير محبب لديه وسيغضبه بالتأكيد.
ماذا أفعل إذن؟
سأستدر عطفه. أدعي بأني مريضة ولي موعد مع الطبيب، فيوكل المهمة لغيري.
قمت وتوجهت نحو مكتب المدير.
في الرواق المؤدي إليه تقابلني مشاهد عديدة. موظفات يمضغن اللبان ويثرثرن ويغتبن بعضهن بعضا. أخريات يغالبن النوم بصعوبة. حمل.. وحم.. غثيان.. يتسابقن في الإنجاب وكأن الجنس البشري مهدد بالانقراض. رجال يدخنون. مهمومون. وآخرون، لا يبدو عليهم أنهم أحياء، يتنفسون.
بلغت المكان المنشود. دخلت إلى الردهة. مكان السكرتيرة فارغ. طرقت باب المكتب المغلق فلم يجبني أحد. باب المكتب من الأبواب المغلفة بالإسفنج والجلد. أدرت المقبض ودخلت. أبصرته يبادل سكرتيرته المدللة قبلة أقل ما يمكنني قوله عنها إنني لم أحظ بمثلها قطّ.
انتبه لوجودي. صرخ في وجهي:
– اللعنة! كيف تدخلين دون استئذان؟ اخرجي!
ارتبكت. خرجت بسرعة. وكفاي تنضحان بالعرق. انهمرت دموعي غزيرة، وغادرت المصلحة لا ألوي على شيء.
اعتراني شعور بالندم. ما كان عليّ أن أترك ريفنا الهادئ الوديع حيث الناس لا يُظهرون عكس ما يبطنون. اشتقت لكل شبر فيه. اشتقت إلى منزلنا، إلى أرضنا واشتقت إلى نفسي.
كم أكره هذه المدينة!
أحرك رجليّ التائهتين ولا أدري إلى أين أتجه. القنوط والغبن يحيطان بي. يصنعان دائرة مغلقة أفشل في مقاومتها. مرة تتسع خطواتي حتى تشعرني بالخوف من السقوط. ومرة أخرى تضيق حتى أشارف على الاختناق.
فقط .. أمشي وأمشي. أسير بمحاذاة نفسي.. ثم أرفع رأسي. أراني أركب أوزة كبيرة .. جناحاها كبيران .. لها ثديا امرأة وقضيب رجل. أشاهد المدينة من فوق ظهرها. أبحث بلهفة. أرسل نظراتي في كل شبر من تلك الحاضرة التي يرنو كل من يمر بها إلى احتضانها. لا أحبها. أمسح على رأس الإوزة. ينتصب نهداها، ويتهدل قضيبها. ينزف أنفها. تبدأ في الهبوط. تلتوي رقبتها ويقع رأسها وسط البحيرة قبل أن يبلغ جسمها الأرض. أحاول إيقافها قبل أن تهلك. أمسك جناحيها. أشدهما بقوة لتعود للتحليق. لا تمتثل.
أعجز عن معانقة نفسي التي أحب.
تنحصر أمنيتي في الموت على سفح الجبل.

لا أريد أن أقع قتيلة على أرصفة المدينة.

تهب ريح قوية. ترفع ثوبي عاليا. يتمزق بعنف. يحطم أسوار السجن. يضرم النيران في بقايا الطغيان. يذرو رمادها على كل ما احتوته المدينة. العمران رمادي والروح غائمة والأنفس داكنة والأفكار ترفع الخناجر معلنة الموت سبيلا ومصيرا.
عمى الألوان يجتاحني.
حذائي، رجلاي، نصفي السفلي العاري، كلها اتحدت معلنة اعتناق اللون الرمادي لونا جديدا لمواصلة الحياة.
جسم الإوزة حديدي يتناثر منه بعض الصدأ. هديرها يتوقف. صوت أزيز قوي يلج جسدي. يفتت عظامي. يفرم لحمي الطري. يستحيل مربّى وزبدة.
فطور صباح ناعم ..
تضع أمي الخبز الطريّ الساخن على الطاولة ..يأكل أبي متأملا إياها بسرور وكأنه يراها لأول مرة، وكأنها تصنع الخبز لأول يوم. يتبادلان النظرات الحانية الوديعة. تسعده بالفطور ولا أدري كيف يسعدها. أراها فرحة دائما.
أحتج:
– أريد مربّى التين!
– لقد نفد يا عزيزتي! لم يبق لدينا سوى مربّى السفرجل. تناوليه، إنه شهي.. ! قريبا ينضج التين. سأصنع لكم كثيرا من المربى، أعدك بذلك!
أردف أبي ضاحكا:
– قريبا…
أغمس قطعة خبز في المربّى وأبدأ في تحريك كوبي غاضبة. يتفتت الخبز ويختلط مع المربى. يغزو الصدأ مربّى جسدي. يمتزج به. أغدو عاجزة عن التخلص من حبائل الإوزة. تبتلعني المدينة.
صانع الرخام يعالج قطعة. ينحتها. يبرّدها. تنصاع لإصراره. ترتدي الفستان الذي يريد. تخرج للحياة على الشكل الذي يرضيه. مطيعة، لا تتمرد. خجولة، لا ترفع صوتها. إن شتمها لا ترد. وإن ضربها تسيل دموعها بصمت دون أن تشهق. دون أن تزعجه. ودون أن تفكر. قولب القطعة كما شاء. جعل يحفر فيها بإزميل ويخط شيئا ما. حروف تقترب من بعضها بعضا. تتكاتف. تتحول إلى كلمات. تقاوم حتى تتم إرسال كل المعاني اللغوية وتتجرد من أفضلية الصورة عليها.
أنهى حفر تلك الفقرة. مرر اللون الأسود فوق آثارها الحفر. بدت الجمل واضحة.
حملها وركض نحو المجهول. هفوت وراءه. طاردت ظله. حرصت على ألا يفلت مني.
صفعت الإوزة لمّا حاولت اعتراض طريقي. ركضت وركضت في أثره. رأيته يغوص في البحيرة. غرس قطعة الرخام في الماء وواصل السباحة باتجاه الضفة الأخرى. نزلت إلى البحيرة. بحثت في الماء. تعثرت يدي في شيء ما. استخرجته. كان رأس الإوزة يحدث صوتا غريبا فاتحا فمه على وسعه.
رميته من يدي. تولدت دوائر تظهر وتختفي فوق الماء. من بين تلك الدوائر أبصرت اسمي وقد نقش في نعي على قطعة الرخام التي مثلت شاهدا لقبر خارج المدينة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى