أدب

قراءة في كتاب «امرأة كانت هناك « !! «هنادي بدر « مبدعة من بلادي

د. عبد القادر فارس 

في اليوم الفلسطيني ، الذي يجمع الجالية الفلسطينية في مقاطعة ( أونتاريو) بكندا ، في كل عام ، بعد يومين من ” يوم كندا ” أو عيد الاستقلال الكندي ، لإحياء التراث الفلسطيني في بلاد المهجر البعيدة ، من أغاني وطنية وتراثية وشعبية ، ورقصات الدبكة الفلسطينية ، وبيع المنتجات الفلسطينية ، التي تحمل رائحة البلاد ، من زعتر وزيت زيتون ، والثوب الفلسطيني المطرز بأجمل الألوان ، والحطة والشال الفلسطيني الموشح بصورة قبة الصخرة ، وبينما كنا نمر لنشاهد المعروضات ، شاهدت منصة تعرض لوحات فنية رائعة ، تحاكي جمال فلسطين ، مرسومة على القماش بريشة فنان فلسطيني ، وبجانبها كتاب بعنوان ” امرأة كانت هناك ” ، فسألت عن صاحبة الكتاب فإذا بها صاحبة المنصة وبجوارها زوجها ، اقتنيت الكتاب ، وسألت عن سعر إحدى اللوحات الرائعة وذات الحجم المناسب لتزيين صالون منزلنا ، وجدت الثمن غال نسبيا ، غير أن اللوحة نفيسة ، وتستحق أتعاب من رسمها .. وللأسف أنني لم أسأل السيدة الواقفة على منصة البيع من هو الفنان الذي رسم هذه اللوحات . 

اقتنيت الكتاب ، وعدت إلى مدينة ( هاملتون ) من مدينة الاحتفال ( ميسيساغا ) ، وبعد استراحة لساعات قليلة ، تناولت الكتاب لقراءته ، فإذا بي أمام كاتبة مبدعة في إصدارها الأدبي الأول ، والذي يحتار الناقد في تصنيفه ، لكن يمكن اعتباره  كخواطر ، أو جزء من السيرة الذاتية ، كإحدى صنوف الرواية ، أو مجموعة قصصية ، في قصص قصيرة تتراوح بين الصفحة والصفحتين ، وكل خاطرة أو قصة مرفقة بلوحة فنية تزين اللوحة الكتابية ، وعندها تعرفت على الفنانة التشكيلة والكاتبة ” هنادي بدر ” . 

وجدتني بعد قراءة أول نص في الكتاب ، أنني بحاجة لمواصلة القراءة ، الكتاب صغير نسبيا ، يحتضن عشرين لوحة كتابية كتبت بريشة فنان متمكن من لغة سهلة لكنها جميلة ، يتمتع بها المثقف ، والقارئ العادي ، مليئة بالإبداع الأدبي ، بما تحمله دواخل الكاتب الفلسطيني ، الذي يكتب بدمه لفلسطين ، وكانت اللوحات العشرون المكتوبة ، مرفقة بعشرين لوحة مرسومة ، في ستين صفحة . 

بعد القراءة السريعة في تلك الليلة ، أحسست أنني بحاجة لقراءة متأنية في اليوم التالي ، لأتمكن من التمتع أكثر ، وكتابة نقدية لهذا الكتاب بعد قراءة أدبية متفحصة  ،  

يوحي لك العنوان ” امرأة كانت هناك ” – وتشير الكاتبة أنه الجزء الأولى –  وأن هناك إكمال لما كان هناك ، أن الكاتبة التي هاجرت إلى كندا قبل أربعة عشر عاما ، من مدينتها الخليل ، لا زالت تحمل كل تفاصيل الوطن ، وأن لا وطن بديلا ، يعدل الوطن الأصل ، ويظهر ذلك جليا في خاطرتها الأولى ” حكاية ” ، أي حكاية الوطن ، فعاشقة الخليل ويافا ، اللتين تكررتا كثيرا في الكتاب ، لم تنس في حكايتها معظم مدن فلسطين ، كل فلسطين ، من النهر  إلى لبحر ، فتقول ” سأحكي عنك يا وطني ، يا مهدي ويا كفني ” ..  وبعد الخليل مسقط الرأس ومرتع الطفولة والصبا ، تعدد المدن فتقول ” سأحكي عنك يا غزة ، ويا أريحا يا فلة ” .. سأحكي عنك رام الله ، ولا أغلى ولا أحلى ” ..  واحكي عنك يا عكا ، وعن أغلى أراضينا ” ،، وتواصل الحكاية عن القدس ، ونابلس ، وحيفا ، ونابلس ، وجنين ، وطولكرم ، وبيت لحم ، ثم تنتقل لحكاية الأنبياء ، عن المساجد والكنائس ، عن الأشجار والأفنان ، عن الألوان ، عن الزنابق والنوارس. 

في لوحتها الثانية ” لاجئ .. ولا .. ” ، تحكي فيها على ما يبدو قصة النزوح ، قصة طفلة ربما هي ، أو كل طفلات وأطفال فلسطين ، وهم يعبرون جسر اللجوء ، فترسم الصورة التالية ” كانت تسمى طفلة يوم ركبت قافلة الشتات متشبثة بذيل أمها المنكوبة المفجوعة المجبرة على امتطاء الواقع وعبور جسر المنافي ” .. وتضيف ” اليوم أنت لاجئة بنت لاجئ ولاجئة ، أخت لاجئ ولاجئة ” ..لكنها تستدرك ” لا للمنافي ، لا للوطن البديل ، لا للذل والترحيل ” ، وتعلنها في النهاية ” سنحيا للحظة الرجوع ، حتى تلتقي أسراب الحمام بغيمة كانت تقف على حاجز بانتظار  ربيع ” . 

في اللوحة الثالثة ، تواصل حكاية الوطن ، تبث بعضا من أسرارها ، رغم أن عنوان الخاطرة هو ” في بحرها دفنت أسراري ” ، فيبدو الأسى والاشتياق بقولها في النهاية ” سأرسل مع حمامة بيضاء بوحا إليك بعشقي الأزلي لعطر موجك وقبلة لملح أرضك ، وأرسل دمعة على الفراق , ودمعة شوقاً للقاء أرضك “. 

الكاتبة لم تنس أن تكتب للشهداء الأحياء في وطنها ، للأسرى في سجون الاحتلال ، فجاءت لوحتها الرابعة بعنوان ، أسير حب الوطن ” ، تتحدث فيها عن ” أحمد الفلسطيني ” ، مثلما كتب محمود درويش عن ” أحمد العربي ” ،  حكاية أحمد الطفل الأسير ، هو كباقي أطفال فلسطين ، يكبرون قبل أعمارهم ، فتقول ” في ذاكرة أحمد ينمو الحنين للعب في الحارات والبساتين ، يشتاق لرفاق مدرسته ، وطائرته الورقية التي استطاعت وحدها اختراق سور العنصرية ” ، وتنهي حكاية الأسر برسم صورة السجن ” السجن هناك حدوده بحدود الأرض ، والكل يا أحمد يشاطرك قسوة الحياة ، الكل أسير ، وكلنا أسير حب الوطن ” . 

في اللوحة الخامسة ـ تعاود الكاتبة الكتابة للوطن ، بلوحة بعنوان ”  على أرض السلام ” ، فتبدأ بالنشيد الوطني ، ككل البدايات في إحياء المناسبات الوطنية ، حيث تقول ” على أرض السلام يطير الحمام بأجنحة فضية ، وتعزف العصافير نشيدنا الوطني – فائي .. فدائي ” . وتواصل رسم الصور ” على أرض فلسطين يُسرق القميص ، ولا يعود غسان إلى حيفا ” .. وعلى أرض السلام يموت السلام ، وعلى الأرض السلام . 

في اللوحة السادسة ، أرى الكاتبة تعيش الغربة والاغتراب ، تجتر الذكريات في الوطن ، فتأني لوحتها بعنوان ” ضيف وهدية ” تستخدم فيها الكثير  من المترادفات اللغوية ـ وتمتلئ بالمتناقضات كما تذكر هي ، فتبدا الخاطرة بقولها ” أصحو  من جديد مثقلة بالرمادية التي باتت تسكن أيامي المكررة ” ..” تبدو منا أو هناك منكسرة متألمة ” أنظر إلى مرآتي باحثة عني ، فلا أرى غير حطام إنسان تلاعبت به أمواج عاتية ، وألقت به فوق جزيرة ، حيث لا أحد هناك إلا أنت “. 

اللوحة السابعة في الكتاب تكنبها بدمع العين لأمها ، وترسمها برموشها للوطن ، فالأم هي الوطن ، والأرض هي الأم الكبيرة ، التي تحتضن الجميع ، لذلك تراها تمزج بين عيد الأم وعيد الربيع ، حيث تقول ” في فلسطين ربيع دائم وأمي جزء من هذا الربيع ، وفي فلسطين كل الفصول جميلة ، وأمي نسمة من هواء فلسطين ” ، إنه الاشتياق للأم وللأرض ، من أرض الغربة حيث لا ربيع ولا خريف ، بل شتاء ثلجي بارد ، فيجعل الغربة غربتين ، غربة الأهل والوطن ، وغربة الربيع البديع في بلادنا الجميلة . 

بعد ذلك تأتي لوحة حلم العودة للوطن ، حيث ذكريات الطفولة ، وأحلام الشباب ، تذكرننا بمدننا الجميلة في العمق الفلسطيني من عكا إلى يافا وطبريا ، بل وتربطها أيضا بامتداد بلاد شام ، حيث مدينة بانياس السورية المحتلة في هضبة الجولان ، تذكرة وتذكير بالوطن السليب في حنين وشوق وأنين مكتوم أو معلوم ، مطالبة كل مسافر للوطن أن يأخذها معه. 

في اللوحة التالية ، وهي التاسعة ، يتحقق الحلم بالسفر  للوطن ، حيث الاشتياق للأهل والأصدقاء ، لتراب الوطن ، للزعتر والزيتون ، وهي في ذلك تتحدى الحواجز والقيود والحدود ، لتأتي دموع الفرح ، وهي تختضن الوطن. 

وهكذا تبدأ رحلة الوطن ، من مسقط رأسها مدينة الخليل ، تتنقل فيها من حارة القزازين ، التي تأتي عنوانا لهذه اللوحة ، حيث صمود الأهالي في وجه المستوطن المحتل ، الذي شوه منظر المدينة الجميلة ، تفاصيل صغيرة ولكنها كثيرة ،  تتذكر حيّها وجدها ، ورائحة القهوة والدخان من سيجارة جدها ، منذ أن بدأت ترسم لوحتها الأولى بالطبشور ، إلى لوحتها الأخيرة المعلقة في مقهي بدران ، لتزين المكان ،، هي هناك تتمنى ألا تحلم ، فالأحلام تسرق المنام ، لكنها هي وباقي أهل المدينة المسروقة ، يتمسكون بالأمل ، رغم الألم . 

المحطة التالية ، وفي اللوحة الموالية ، كانت الأصعب والأشق والأشوق ، هناك من الخليل إلى القدس ، مهوى القلوب ، وعبق التاريخ ، ولكن كيف الوصول ، بدون الحصول على تصريح من سلطة الاحتلال ، فالقدس محاصرة بالجند والجدار ، يمنع دخولها لغير حملة الهوية الزرقاء ، أو تأشيرة دخول على جواز السفر الكندي ، ولكنها الفرصة الآن بعد أربعة عشر عاما ، تأتي الفرصة ، أشياء كثيرة تغيرت ، ازدادت المستوطنات والمستوطنين , والموانع والحواجز ، لكن المعجزة حصلت ، بعدما نظرت جندية الحاجز في جواز السفر الكندي وسمحت بالمرور ، وهنا يأتي الفرح ، وتشحن النفوس بالطاقة ، بعد الإحباط والألم ، هنا أجمل الأمكنة ، حيث المسجد الأقصى وقبة الصخرة ، تدخله من باب الأسباط ، أو باب الخليل ، أو من أي باب آخر ، قبل أن تنتقل لحارة النصارى ودرب الآلام ، لكن القدس حزينة ، طريقها مليئة بالأشواك والآلام ، تنتظر المخلص ، أو صدى امرأة تنادي المعتصم . 

بعد ذلك حانت لحظة الفراق ، في لوحتها الثانية عشرة ، بمفارقة الأهل والوطن ، ويبدأ تحضير حقيبة السفر ، محملة بكل ما طاب من رائحة الوطن ، تلملم بقايا الجسد المسافر ، محملة بأشعار محمود درويش ، وهو القائل ” وطني ليس حقيبة ، وأنا لست مسافر  ،”  وأراها وأسمعها تردد معه ” آهِ يا جرحي المكابر ” ،  

ومع فراق الوطن ، تأتي  لوحتها التالية ، التي تكتبها وترسمها لوالدها ، سيد القلب ، وتوأم والدتها ، الحضن الأول ، والاحتضان الدائم ، تعانق الذكريات ، وتترك جديلتها على كتفه ، إلى حين لقاء . 

أما في لوحتها الرابعة عشرة ، فإنها ترسم لوحة بالسفر إلى فلسطين ، ولكن داخل كندا ، بدون جواز سفر ، حيث تحضر فلسطين إلى هنا ، من خلال المهرجان السينمائي الفلسطيني في تورنتو ، حيث يتعانق بلد الميلاد مع وطن الهجرة والغربة ، فيحضر محمد الدرة , ودماء الشهداء ، ونشيد الوطن بصوت أميمة تشدو لعصافير  الوطن ، المحبوسة في أقفاص السجان ، علها تحظى بالحرية ، ولكل الطيور المهاجرة أن تعود يوما .  

وفي لوحة  قصيرة ، تكتب وترسم لوحتها الخامسة عشرة ، لابنتها الصغيرة ” ماريا” ، وهي في عامها الرابع ، لم تنس لغتها العربية ، وتتحدث بكل اللغات في بلاد الاغتراب ، فتراها أنشودة الحياة ، وترنيمة الشفاه ، زنبقة وفلّة تبث  عطرها  في كل مكان . 

في اللوحة السادسة عشرة ، تكتب هنادي بريشة الفنان ، الحروف الفلسطينية ـ تذكرنا بالفنان المبدع عاشق الوطن  محمد عساف , وهو يشدو بحروف ( ف . ل .س. ط. ي .ن ) ، فالفاء فراشات فؤاد الحبيب ، واللام لؤلؤ العاشق الملتاع ، والسين سوسنة سحرت سليب القلب ، والطاء طير مسافر يحن إلى طين الأرض ، والياء يد الفلاحين يزرعون الحب ، والياء نور ونار ونوى ، ونجم في حضن السما . 

وبعد هذه الحروف للوطن ، تأتي اللوحة السابعة عشرة ، وتكتب ما يمر به الوطن من مآسي وحروب ، وتتساءل إلى متى هذا الصبر والجلد ، تأمل بأيام قادمة بيضاء ، بعد كل هذا السواد ، تطرق أبواب السماء بالدعاء ، عل يعود لهذا الوطن الصفاء ، لطفلة تنتظر على شرفة وعينيها مليئة بالدموع والبكاء. 

في اللوحة الثامنة عشرة ، دعوة للحياة ، تتحدث فيها عن نفسها ، تتمنى أن تكون أحلامها كباقي النساء ، تفرح بعقد من ذهب ، أو زجاجة عطر  ، أو ما تشتهي النساء من أثمن الأثواب ، فهي تخشى المرض , ويغطي لوحاتها اللون الرمادي ، لم تعد تستسيغ طعم القهوة ، الذي كان يوما في الخليل ، المشاعر تتناقض وتتلاطم ، لكنها رغم كل هذا الألم ، تدعو  في النهاية للفرح ، ومحو صورة الحزن ، وأن نعيش كل لحظة من حياتنا بصدق وأمل ، فالحياة تستحق أن تعاش. 

ثم في اللوحة التاسعة عشرة ، قبل الأخيرة ، تكتب للأسرى في سجون الاحتلال ، وكنت أرى أن تكون هذه اللوحة في موقع متقدم ، مع باقي الخواطر للوطن ، وبعنوان “نصوم ويأتي الفجر “، تتحدث بألم ، عما يعانيه أسرانا خلف القضبان ، ومعاملة السجان ، حيث المتاريس والجدران ، التي تحبس عنهم صوت أجراس الكنائس والأذان ، تتحدث عن صمودهم ، عن صومهم في غير رمضان ، وترى أن السجين لا يعيش بالخبز ، بل بالصيام ، تذوب الأجساد ، لكنها تتحدى السلاسل والسجان والظلام ، يتمسكون بالأحلام ، فالانعتاق قادم في يوم من الأيام. 

وتختم هنادي كتابها بلوحة حميمة ، يبدو أنها موجهة لرفيق العمر  ، وتوأم الروح ، بلوحة بعنوان ” وحدك أنت ” ، فوحده من عرف أسرارها , ودخل دارها دون استئذان ، وعانق فيها الشباب  والكهولة ، وشاركها الحياة بحلوها ومُرها ، فكان القيثارة واللحن والنغم ، وبذلك فهو عطاء من الوهاب ، تراه تاجا فوق الأعناق. 

* ملاحظة أخيرة ، في ترتيب اللوحات ، حيث كان يجب وضع كل باقة منها ، في مجموعة متناسقة ، بالإضافة إلى بعض الهفوات اللغوية القليلة ، في النحو والإملاء ، لكن ذلك لم ينقض من روعة الأسلوب في الكتابة ، والإبداع في رسم المعاني والكلمات ، خاصة أن هذا الإنتاج الأدبي الأولى للكاتبة الفنانة ، التي مزجت ما بين كتابة اللوحات ورسمها بكل روعة وإبداع . 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى