مقالات

فلسفة المقاومة

بقلم: منير مزليني

ارتبطت كلمة المقاومة واقترنت كمفهوم بالمقاومة الفلسطينية لأسباب تاريخية وسياسية لا يجهلها القريب ولا ينكرها البعيد. رغم أن المقاومة ككلمة في حدّ ذاتها لا تعني ذلك، فهي لغة: ” اسم، ومصدره فعل قاوم “، وهي تعني ” صعوبة تواجهها قوة معينة “، وتعرف في عصرنا الحالي بـ “الممانعة وعدم الرضوخ لتغيرات وقوى مفروضة من الخارج”. والمقاومة أنواع تختلف باختلاف السياق والمجال الذي تتفاعل معه وتنتمي إليه. إلا أنه يمكننا أن نقسمها إلى قسمين كبيرين هما: مقاومة فطرية (طبيعية) ومقاومة وضعية (بشرية)

المقاومة الفطرية (الطبيعية): ونعني بها تلك المقاومة العفوية التي تحكمها نواميس الطبيعة والفطرة الكونية، مثل مقاومة الطبيعة للتسحر، ومقاومة حيوانية كمنعكس شرطي للبقاء، ومقاومة فزيائية مثل مقاومة الهواء، ومقاومة طبية صحية مثل مقاومة الجسد أثناء دخول أي جسم غريب عليه، وغيرها …

المقاومة الوضعية (البشرية): ونعني بها تلك المقاومة السياسية والعسكرية والثقافية التي يضع لها الانسان خططا وأهدافا مسبقة فتكون مقصودة ومدروسة وممنهجة وتكون لها أسبابها المباشرة وغير المباشرة. مثل مقاومة الاحتلال الأجنبي أو مقاومة استبداد أو تسلط داخلي أو مقاومة ثقافة دخيلة مهيمنة.

إلا أنه وكما سبق الذكر فإن كلمة المقاومة اقترنت قصرا في عصرنا هذا بالمقاومة الفلسطينية وأرجعنا ذلك لأسباب تاريخية وسياسية وثقافية كرستها يد السياسة المسيطرة والإعلام المهيمن إلى أن أصبحت ثقافة متفشية بين جميع الفئات الاجتماعية وفي جميع المجالات الحيوية. إلا أن الاشكال المطروح في هذا السياق لا يكمن بالضرورة في اقتران هذا المفهوم أو المصطلح بالمقاومة بقدر ما اقترن بازدواجية هذا المفهوم وانشطاره إلى مفهومين متناقضين ومتقابلين في القوة ومتعاكسين في الاتجاه.

حيث بارتباط هذا المفهوم بالمقاومة الفلسطينية أصبح له دلالات مغايرة ومناقضة تماما مع مفهومه اللغوي والاصطلاحي المتعارف عليه، وبات له دلالات أخرى مناقضة للمفهوم الأصلي، وهي مقرونة بالعنف والاجرام وهو ما اصطلح عليه بـ ” الإرهاب “. وقد أصبح شائعا بين الساسة والسياسيين وبعض المتفقهين والمتثاقفين وهو محل جدل كبير بين الدارسين والمختصين خصوصا ومفهوم الإرهاب يختلف من ثقافة لأخرى ومن سياق لآخر. وهو ما يستدعي الوقوف عنده وجوبا لضرورة السياق.

مفهوم الإرهاب

لغة: (تشتق كلمة «إرهاب» من الفعل المزيد (أرهَبَ)؛ ويقال أرهب فلانًا: أي خوَّفه وفزَّعه، وهو المعنى نفسه الذي يدل عليه الفعل المضعف (رَهّبَ). أما الفعل المجرد من المادة نفسها وهو (رَهِبَ)، يَرْهبُ رَهْبَةً ورَهْبًا ورَهَبًا فيعني خاف، فيقال: رَهِبَ الشيء رهبًا ورهبة أي خافه. أما الفعل المزيد بالتاء وهو (تَرَهَّبَ) فيعني انقطع للعبادة في صومعته، ويشتق منه الراهب والراهبة والرهبنة والرهبانية… إلخ، وكذلك يستعمل الفعل ترَهَّبَ بمعنى توعد إذا كان متعديًا فيقال ترهب فلانًا: أي توعده وأرهَبَه ورهَّبَه واستَرْهَبَه: أخافَه وفزَّعه.

في المعجم الوسيط والمنجد، الإرهابي، من يلجأ إلى الإرهاب لإقامة سلطته، وتحقيق اهدافه السياسية. والحكم الإرهابي هو نوع من الحكم يقوم على الإرهاب والعنف تعمد إليه حكومات أو جماعات ثورية.)

أما حديثا فقد أصبح يعرف بمدلوله السياسي أقرب منه للمدلول اللغوي، إذ جاء في معجم الرائد (الإرهاب هو رعب تحدثه أعمال عنف كالقتل وإلقاء المتفجرات أو التخريب. والإرهابي هو مَنْ يلجأ إلى الإرهاب بالقتل أو إلقاء المتفجرات أو التخريب لإقامة سلطة أو تقويض أخرى. أما الحكم الإرهابي فهو نوع من الحكم الاستبدادي الذي يقوم على سياسة معاملة الشعب بالشدة والعنف بغية القضاء على النزعات والحركات التحررية والاستقلالية. ويجدر بالإشارة أن المعاجم العربية القديمة قد خلت من كلمتي الإرهاب والإرهابي لأنهما من الكلمات الحديثة الاستعمال، ولم تعرفهما الأزمنة القديمة.). أما في قاموس أكسفورد فيعرف الإرهاب بـ ” هو سياسة أو أسلوب لإفزاع المعارضين للحكومة “.

الإرهاب في القرآن

معنى الإرهاب في القرآن الكريم يختلف من آية لأخرى بحسب السياق وأسباب النزول، إذ ليست الاسترهاب في مناسبة الحرب كمثله في مناسبة السلم والظرف العادي. وبحسب ما جاء على لسان الفقهاء والمفسرين فإن قوله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: 60]. ليس هو المعنى في قوله تعالي: “وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف: 154].

فالخوف من الله أو استرهاب الناس في الله ليبس هو استرهابهم في البشر أو الحكام. فالأول فيه طاعة ورحمة والثاني فيه اذلال وجبن. وخوفك من أبيك ليس كخوفك من غيره من الناس. ورغم أننا لسنا من أهل الاختصاص للخوض في مثل هذه التفاسير، ولكن الاستئناس بتفسير المختصين والفقهاء يوضح الأمر ويجليه، لاسيما وأن المفهوم السياسي المعاصر للإرهاب مقرون بالدين وبالمسلمين خصوصا وبشكل متحامل ومغالط يستوجب الوقوف عنه طويلا من قبل المختصين حتى نرفع هذا اللبس والتحامل والتجني على الإسلام الذي هو في الأساس دين رحمة وتسامح وسلام، لا دين إرهاب وتطرف واجرام كما يدعى مناووه وأعداؤه.

وحتى لا نبتعد كثيرا عن سياق مقالنا، وبعدما رأينا من معنى لكلمة المقاومة والإرهاب والذين باتا وجهين لعملة واحدة لدى الفئة الغالبة من الساسة والمثقفين في حين أنهما ـ أي المقاومة والإرهاب ـ شيئان مختلفات ومتناقضان في واقع الأمر وفي أعين الناس جميعا. وهذا المفهوم المزدوج ولدّ اشكالا فلسفيا ومعرفيا وجب البحث فيه وفي أسبابه.

فما حقيقة هذا التناقض؟ وما هي أسبابه ودوافعه؟ وهل حقا المقاومة والإرهاب وجهان لعملة واحدة؟

المقاومة والأزمة الأخلاقية والسياسية

المنتصرون هم الذين يكتبون التاريخ!

تأكيدا لهذا المقولة وإضافة عليها، يمكننا القول أيضا أن المنتصرون بالقوة هم الذين يضعون الحدود والمفاهيم بالفعل ويفرضونها على أرض الواقع كيفما كان نوعها ولونها ابتداء من وضع إشارة المرور وصولا إلى تحديد قائمة المنظمات الإرهابية.

وأستطيع أن أقول جازما وبكل طمأنينة أن كل المراكز البحثية والمخابر العلمية في كل المراكز والجامعيات العالمية، ابتداء من أرقاها شأنا، لا تستطيع أن تعارض هذا الراي أو أن تضع حدا مخالفا لتلك الحدود التي رسمتها القوى الغالبة والمنتصرة في العالم. وأكبر دليل وأصدق مثال على هذا الراي كيفية تسير (جائحة كوفيد 19) والتي تهيمن عليها القوى السياسية قبل المراكز والمخابر العلمية. بل أستطيع أن أقول إن هذه الأخيرة ما هي إلا أداة في يد الأولى تمنهجها وتوجهها وفق ما تتطلبه مصالحها وأهدافها السياسية. وما منظمة الصحة العالمية إلا مؤسسة تابعة لهذا الكيان المهيمن، إذ هي خاضعة كل الخضوع لسياسته وأوامره. أما جحافل العلماء والخبراء فهم يلهثون وراء أعراض هذه الجائحة الضاربة ونتائج هذه السياسة الغالبة دون السماح لهم بالنظر والتحقق في أسبابها ومنابعها الأصلية.

وها هو اليوم بما يسمى الكيان الإسرائيلي الصهيوني يخترق كل القوانين والقواعد الطبيعية والإنسانية وينتهك أقدس الحقوق وأقدمها ومنها: (الحق في الحياة) و(الحق في الملكية)، هذا الأخير الذي تعترف به كل الشرائع والأعراف من أقدمها إلى قابلها، معتمدا في ذلك على منطق القوة وسياسة الغلبة ومؤكدا على فلسفة المنتصر وسياسة القوى المهيمنة. وكل مقاومة تعارضها أو تحاول صدها تعتبر كيانا مارقا وتصنف منظمة إرهابية، كل ذلك أمام أعين الجميع وعلى مسمع من كل المنظمات الدولية والوطنية والتي تجد نفسها في هذه الحال، إما عميلة منخرطة في اللعبة أو ضعيفة مغلوب على أمرها لا تستطيع إلا الامتثال لقرارات وأوامر القوى المهيمنة الغالبة. لكن المشكلة لا تكمن في سبب خنوعها أو رضوخها، بل في كيفية التعبير عن هذا الخضوع والذي تحاول عبثا ان تجد له تبريرات مقنعة ـ وهي في الحقيقة أقبح من ذنبها ـ لتوارى سوأتها السياسية والمعرفية أمام شعوبها المغلوبة على أمرها قصرا.

وانطلاقا من هذا الوضع المستشكل معرفيا والمأزوم حضاريا وسياسيا، تسعى الفلسفة لمقاربة هذا الوضع وتحديد مفهوم المقاومة بعدما انقسم بين نظريتين متناقضين، الأولى تراه ممانعة والثانية تراه إرهابا! فأيهما أصح، وأيهما الأقرب إلى الحقيقة والصواب؟

لقد وضعت المقاومة الفلسطينية العالم في أزمة أخلاقية سياسية ومعرفية كبيرة يصعب فكها وتجاوز محنتها.

ورغم أن العدد الكبير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين الذين انحازوا للرأي القائل بإرهابية المقاومة، لكنه انحياز مفضوح مجانب للصواب ومخالف للضمير والأخلاق. فمواساة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لعضوة الكونغرس “رشيدة طليب” من أصول عربية فلسطينية، لا يبرر وقوفه السافر مع الاحتلال الاسرائيل من خلال منع أو تعطيل أي قرار يصدر من هيئة الأمم يكون في غير صالح الكيان الصهيوني. وكذلك يجد كل السياسيين والرؤساء الغربيين أنفسهم، أما أزمة أخلاقية وإنسانية تاريخية سوف تكون شاهدة عليهم في مستقبل الأيام القادمة. طبعا دون الحديث عن السياسيين والزعماء العرب الذين هم أساسا أصل المشكلة وسبب كل هذا الخنوع والانبطاح والسقوط الحضاري الحر، بتطبيعهم السافر وانبطاحهم المخزي.

الاعلام والمثقف والمقاومة

هذا السؤال كبير لا تفيد حقه دفتي كتاب واحد، ولأن السياق يقتضي منا الإشارة إليه ولو بإيجاز فإنه يمكننا القول، فيما يخص الاعلام، نكتفي بالتذكير بذلك المثل الإنجليزي القائل: ” من يدفع أجرة العازف يختار اللحن. ” ولا يخفى على الجميع من يمتلك الاعلام ويتحكم فيه، حتى ولو كان في الظاهر لفلان أو علان لأن مصدره التكنولوجي في يد فئة محتكرة ومعروفة. ضف إليها بقية الآفات الداخلية الأخرى، من ضعف في الكفاءة وجهل بالمعلومة ونقص بالإمكانيات.

في حين أن المثقفين هم أبناء ما لقنوا من تعليم داخل المؤسسات التي كما أشرنا إليها سابقا هي عاجزة تاما من الخروج عن البرامج المسطر لها، فضلا على تأصيل فكرها وتثبيت إرادتها هذا إن كانت خالصة النية وصادقة، والأغلبية من المثقفين هم مع القوة لا مع الحق ويبررون ذلك بقولهم أنهم يتحيزون للعلم والحداثة والتقدم والرقي فحين أنهم في أفضل الأحوال مقلدين وناقلين لأسفار حداثة غربية وثقافة غريبة عن مجتمعهم وحضارتهم وثقافتهم، وهم أبعد ما يستطيعون أن يرّشدوا عقولهم ويأصّلوا فكرهم ويدافعوا عن حضارتهم وثقافتهم ويحدثونها ويطورونها وفق أحكام العصر. كيف وهم يتنكرون لها ويحتقرونها عن جهل وكبر، وهم دونها أحقر وأذل. أوليس يقال “الناس أعداء لما جهلوا”!؟ ولذا نجدهم قد انقسموا بين أنصار للحداثة الغربية وأنصار للأصالة والتراث، وهم في صراع دائم وتطاحن مستمر وفي تبادل للتهم في حين أن قطار الزمن قد فاتهم وركب الحضارة قد قلاهم وأفلتهم. وقد انعكس ذلك التطاحن والصراع في مواقفهم وآرائهم، إذ الغالبية منهم يقفون مع الجلاد ويعتبرون المقاومة إرهابا، وإن كان فيهم من يلتزم الصمت أو بالأحرى السكوت الأخرس. وهؤلاء الصنف من المثقفين سواء أكانوا كتابا أدباء أم فنانين ممثلين أو رسامين أو صحفيين إعلاميين الذين يقفون ضد المقاومة بحجة الإرهاب إطلاقا من تبنيهم لثقافة وفلسفة أجنبية غريبة عن طبيعة وثقافة وفلسفة مجتمعهم وبالتالي مخالفة لمصالحه وأهدافه على أساس أن العلاقة القائمة بين الثقافتين مبنية لا على أساس الحوار بل على أساس الصراع الحضاري والثقافي والعقائدي، وهذا ما يؤكده الواقع وتدل عليه الأحداث الجارية في الساحة السياسية والاجتماعية. فالغرب لازال يفكر فينا بنظرة المستعمر التنويري إلى مستعمراته المتخلفة الجاهلية النائمة على أرض مليئة بالثروات الطبيعية النفيسة والتي تجهل قيمتها واستعمالها، وبالتالي ما عليها غير الحجر علينا لسفاهة فينا وأخذ تلك الثروات لتنتفع بها بقية البشرية المتطورة والمتقدمة فيما نظل نحن تحت الوصاية بموجب حكم قضائي ممهور بالصيغة التنفيذية صادر من محاكم الدولية العظيمة وبمباركة منظمات وجمعيات حقوقية عالمية.

إن مثل هذا الكلام ومثل هذا المنطق لم يعد ينطلي غير على السفهاء فعلا من اتباع الحداثة والثقافة الغربية حتى لا أقول كلاما غيره. وما على أبناء هذه الأمة المخلصين من المثقفين والفنانين إلا أن يغادروا حلبة ذلك المسرح الدونكيشوتي ويستفيقوا من صراعهم الوهمي الموسوم بالحداثة والمعاصرة، ويشغلوا عقولهم وقلوبهم للتركيز فيما يحدث على أرض الواقع ويحللوا الوشع وفق ما تمليه عليهم عقولهم لا عقول غيرهم وأن يشعروا بقلوبهم لا بقلوب من ولوا وأحبوا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى