مقالات

فلسفة الصيام…؟

بقلم: منير مزليني\

إن الحديث عن فلسفة الصيام يقودنا بالضرورة للحديث عن فلسفة الجسد وفلسفة الروح وعن العلاقة بينهما على أساس ان الانسان جسد وروح. وما إن كانت هذه العلاقة في توافق وانسجام أم في تنافر وانقسام!؟

ولأن الصوم ظاهرة إنسانية اقرت بها كل الأديان والمعتقدات على اختلاف ألوانها فقد تعددت فلسفاتها ورؤيتها في الديانات السماوية والمعتقدات الوضعية والدنيوية. إذ أن الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام أقرت بمبدأ وشعيرة الصيام مع اختلافهم في الأسباب الداعية إليها وكيفية أدائها، ولكنهم يتفقون في الأخير على أنها تنطلق من مبدأ واحد وهو: “التحكم في النفس والامتناع عن الشهوات وبعض العادات المرغوب فيها “. وكذلك تفعل المعتقدات البوذية والهندوسية وغيرها، إلا أن الإسلام جعلها أكثر ضبطا وتحكما وتشريعا. بل إن الحضارات المادية والتي لا تؤمن بغير العلم منهجا والمادة وجودا أقرت هي الأخرى بضرورة الصوم وأهميته لحفظ جسم الانسان وضبط غرائزه وانفعالاته السلبية، وإن كان ذلك من منظور علماني مادي محظ. وتوجد الكثير من البحوث العلمية التي تبرز أهمية الصوم لاسيما في علاج الأمراض السرطانية.

الصوم في الديانة المسيحية:

تخبرنا المصادر الانجيلية أن المسيح عليه السلام قد اعتكف 40 يوما في الصحراء يصلي ويصوم ويجاهد في نفسه من اغراءات الشيطان والنفس، ثم بعدها عاد إلى قومه وهو أكثر قوة وتحصينا. وأتباع الديانة المسيحية يصومون عدة أيام معينة في السنة ما عدى يوم الأحد يتخلون فيها عن تناول الأطعمة اللذيذة واللحوم. وعادة تبدأ تلك الأيام من أربعاء الرماد ويدعى كذلك لأنه في نهاية الكرنفال الذي يقام في شهر فبراير أو مطلع شهر مارس يُرسم صليب من رماد على جبين الكاثوليك كرمز للفناء والتكفير عن الذنوب، إذ تتلخص فلسفة الصوم لدى المسيحيين في القول بالفناء والتكفير عن الذنوب.

الصوم في الديانة اليهودية:

يرتبط الصوم لدى أتباه الديانة اليهودية بأهم العياد الدينية، ومن أهم أيام الصيام لديهم يوم كيبور (يوم الغفران) وفيه تتم مصالحة العبد مع ربه وهي الوظيفة التي كان يختص بها معبد الهيكل بالقدس، ويختلف تاريخ ذلك اليوم من عام لآخر بين شهري سبتمبر أو أكتوبر، يصوم فيه اليهود 25 ساعة متتالية يمتنعون فيها عن تناولون الأكل والشراب والتدخين والجماع والاستحمام والتجميل بل وحتى سياقة السيارة والألعاب.. ويبدأ الصيام لدى الأطفال من سن 12 للبنات وسن 13 للذكور. كما يصومون يوم عاشوراء احتفالا بنجاة اليهود من فرعون والغرق في البحر. وتقوم فلسفة الصوم لدى اليهود على أساس مصالحة الانسان مع ربه المرتبطة بالهيكل أو معبد القدس الذي دُمر.

أما في المعتقدات الدينية الوضعية مثل البوذية والهندوسية فإنه لم تكن لديهم قواعد مضبوطة وثابتة.

الصوم في الهندوسية:

غالبا ما يكون الصوم لديهم قبل الأعياد الدينية ، وما هو معروف لديهم أن (الغورو) المعلمون أو الرهبان يزهدون في عدة أسابيع من السنة يكتفون فيها بالضروري والشيء القليل، وتجويع النفس والزهد لديهم مقدس، حيث توجد لديهم جماعة تعرف باسم (السادو) وهم معروفون بنحافة الجسم وهزالته إلى درجة أن يظهر هيكلهم العظمي ، وهم مبجلون لدى الهندوس، ومن أشد أنصارهم وأنصار الزهد والصوم ( مهاتما غاندي) القائل: ” لا أستطيع الاستغناء عن الصيام كما لا أستطيع الاستغناء عن عيني ، وكما تعني العين ( في رؤية ) العالم الخارجي، يعني الصيام في رؤية العالم الداخلي “. وتتلخص فلسفة الصوم لدى الهندوس تنقية الروح.

الصوم في البوذية:

أهم يوم صوم لديهم يكون في عيد ” فيساخ” وهو أول يوم يكتمل فيه القمر من شهر ماي أو جوان (يونيو)، احتفالا بذكرى ميلاد بوذا وتنويره ووفاته. ويمتنعون فيه عن تناول الكحول وأكل اللحم والجماع. أما فلسفة الصيام لديهم فتقوم على أساس الاعتدال (لكارما) والكارما تعني أنه يمكن للعبد أن يعدل من سلوكه في هذه الحياة الفانية استعداد ليوم القيامة ويشرح أحد المختصين في الديانات المقارنة معنى الكارما بقوله: “تذكير المرء بأن الوجود في الحياة ما هو سوى معاناة، وأنه من خلال اتباع الطقوس يمكن تحسين الكارما للمرء على الأرض”.

الصوم في الإسلام:

فقد فرض في الشهر التاسع من كل سنة ابتداء من السنة الثانية للهجرة بنص القرآن وفي شهر رمضان الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وأحكامه مضبوطة وقواعده محصورة في الشريعة. وأظنني في حلّ من ذكرها هناك لضيق المقام.

لكن فيما يتعلق في فلسفة الصيام في بمنظور إسلامي والحكمة منه فقد تكلم عليه العديد من الفقهاء والمفكرين، وعلنا إن نختر منهم ما تيسر.

قول أبو حامد الغزالي رحمه الله: “اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ صَوْمُ الْعُمُومِ وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص

وأما صَوْمُ الْعُمُومِ: فَهُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ عَنْ قضاء الشهوة، كما سبق تفصيله.

وَأَمَّا صَوْمُ الْخُصُوصِ: فَهُوَ كَفُّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ، وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ، عَنِ الْآثَامِ.

وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهمم الدَّنِيَّةِ، وَالْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَفُّهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ عز وجل بالكلية” انتهى من “إحياء علوم الدين” (1/ 234).

وهذا ما يلهمنا القول بأن الصوم تربية للنفس وتعليم لها، وذلك بتهذيب سلوكياتها وتزويدها بالمعرفة الباطنية والروحية، التي تزودنا بالتقوى وتجعلنا نتواضع أمام عظمة الخالق والصانع الأول.

وقد رأى جمهور الفقهاء جملة من الحكم والفوائد من الصيام أهمها:

الصوم، تقرب من الله وإخلاص له وانقياد، تزكية للنفس وتطهير لها، إحساس بالفقير الجائع والمحروم، تراحم وترابط بين المسلمين، صبر، صحة وغيرها ..

وأرى إضافة إلى كل ذلك أن الصوم مركبة تحملنا للغوص في أعماق الذات للتقرب من أرواحنا والأسرار الكامنة فيها والتعرف عليها، فالصوم معرفة وكشف للأسرار العميقة والبعيدة والتي لا يدركها إلا الراسخون في الإيمان والمبحرون في علوم الروح. هذا الجزء المهم من الانسان الذي أهملناه في هذا العصر وركزنا على المادة ولغة الجسد. وكما يقول العلامة والداعية الإسلامي “محمد الغزالي” رحمه الله أن: “الصيام عبادة مستغربة أو منكورة في جوِّ الحضارة المادية التي تسود العالم.. والتي.. تؤمن بالجسد، ولا تؤمن بالروح، وتؤمن بالحياة العاجلة، ولا تكترث باليوم الآخر! ومن ثمَّ فهي تكره عبادةً تُقيِّد الشهوات -ولو إلى حين- وتؤدِّب هذا البدن المدلَّل، وتلزمه مثلاً أعلى”.

لكنه لن يتأتى لنا ذلك إلى بعد ضبط النفس والتحكم فيها. لكن ماذا نعني بالنفس؟ وما الفرق بينهما وبين الروح؟

قد يلتبس علينا الأمر ونحن نتحدث عن ضبط النفس بالخلط بين الروح والنفس، مما يستوجب التفرقة بينهما. إذ يقول في هذا السياق الشيخ الامام الشعراوي، (أن النفس تأتي بموجب تفاعل الروح مع الجسد). وقد قٌسمت النفس إلى ثلاثة أنواع بحس القرآن الكريم: ” النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة ” وهي في الحقيقة مراتب ودرجات ترتقي إليها النفس وتسمو. وقد فسر بعض العلماء ذلك الأمر، ومنهم الشيخ صالح بن فوزان الفوزان بقوله:

“الأمارة بالسوء: هي التي تأمر صاحبها بما تهواه من الشهوات المحرمة واتباع الباطل.

وأما اللوامة: فهي التي تلوم صاحبها على ما فات من الخير وتندم عليه.

وأما المطمئنة: فهي التي سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه.

قال العلامة ابن القيم: فكونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها، وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه”.

وترويض النفس والسيطرة عليها أمر شغل الانسان منذ القدم ولازال، والصوم أهم هذه الطرق وأنجعها، وقد أوحى بها الله لعباده وشرعها في كل الشرائع، وأقرت بها الإنسانية حتى تلك التي أنكرت الدين والعقيدة نفسها. وقد عجبت لأولئك الناس الذين أدمنوا شرب الخمر فتجدهم لا يقوون على تجنبه والابتعاد عنه، ولكنهم في شهر رمضان، شهر الصيام، تتحقق المعجزة فيلين الجسم لأوامر الروح وتطيع النفس أوامرها، بعد قدوم الأمر الجماعي من الخالق فكأني به يبث في الصائمين إرادة جماعية قوية صادقة تأتي على كل ما يقف أمامها من عوائق وتجرف كل ما يشوبها من أثربه وأوحال. وكما يقول الأديب الفيلسوف “مصطفى صادق الرافعي” في فلسفة الصيام وما يبثه فينا من إرادة “في ترائي الهلال ووجوب الصوم لرؤيته معنى دقيق آخر.. وهو إثبات الإرادة وإعلانها، كأنما انبعث أول الشعاع السماوي في التنبيه الإنساني العام لفروض الرحمة، والإنسانية والبر”.. وقد ذهب الرئيس البوسني الراحل “علي عزت بيجوفيتش” صاحب الكتاب الشهير “الإسلام بين الشرق والغرب” في الاتجاه نفسه حينما قال بأن الصيام ” أعلى تعبير عن الإرادة، أي فعل الحرية”.

وفي السياق نفسه يقول الطبيب الفيلسوف “مصطفى محمود”: “الله يعطيك الحصان لتركبه لا ليركبك.. لتقوده وتخضعه لا ليقودك هو ويخضعك”؛ لذا “كان التحكُّم في الشهوة وقيادة الهوى ولجام المعدة هي علامة الإنسان”، فأنت إنسان “فقط، في اللحظة التي تقاوم فيها ما تحب، وتتحمل ما تكره”.

إن من حكمة الصوم أنه الركن الوحيد الذي يقوم على المنع بخلاف الأركان الأخرى التي تقوم على الفعل، وكأن المنع هنا أسلوب مغاير ومختلف عن أساليب الأركان الأخرى والتي يتوجب فيها الفعل والذي يوجه فيها السلوك من الداخل إلى الخارج، إلا الصوم فنحن نتوجه باللافعل فيه من الخارج إلى الداخل. لنغوص داخل النفس الأمارة بالسوء نلومها فترتدع عن طلب الشهوات وفعل المعاصي فتطمئن وتهدأ، وذلك هو عين التقوى وصميم الإيمان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى