الأخبار

“سيف القدس” ضد “حارس الأسوار”.. هل من منتصر؟

شهد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هذا الشهر مواجهة هي الأعنف منذ عام 2014، بدأت باحتجاجات في القدس لتتحول إلى حرب صواريخ واسعة النطاق بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة.

الطريق إلى الحرب

منذ مطلع أبريل الماضي بدأ سكان حي الشيخ جراح في القدس الشرقية بالتظاهر وتنفيذ اعتصامات احتجاجا على مخطط طرد عائلات فلسطينية من منازلها في الحي، والسماح للمستوطنين بالاستيلاء عليها.

وردا على تصعيد المستوطنين استفزازاتهم والتهديدات بتنفيذ اعتداءات على المقدسيين وممتلكاتهم، انخرطت خلال أيام قليلة بلدات وأحياء مدينة القدس في الاحتجاجات.

وبدأت المدينة تشهد اشتباكات ومواجهات شبه يومية بين الفلسطينيين من جهة، والمستوطنين وقوات الأمن الإسرئيلية من جهة أخرى، فاقمت من حدتها محاولات الشرطة منع الفلسطينيين من التجمع في منطقة باب العامود التي اعتادوا على إحياء ليالي شهر رمضان فيها.

وفي 6 مايو نظم فلسطينيون وقفة تضامنية مع أهالي الشيخ جراح وردت الشرطة باستخدام الرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقنابل الصوت واعتدت على المشاركين واعتقلت 6 من سكان الحي وأصابت أكثر من 136 فلسطينيا، وذلك تزامنا مع الزيارة الاستفزازية التي قام بها عضو الكنيست الإسرائيلي من كتلة الصهيونية الدينية ايتمار بن غفير لمنطقة الشيخ جراح بحماية الشرطة لمساندة المستوطنين والمطالبة بترحيل الفلسطينيين من بيوتهم هناك.

وفي 7 مايو الذي صادف يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان قيدت السلطات الإسرائيلية الوصول إلى مسجد الأقصى، وبحلول صلاة العشاء، اقتحم آلاف من عناصر الشرطة باحات المسجد واعتدوا على المصلين بقنابل الغاز والصوت والرصاص المعدني المغلف بالمطاط مما أسفر عن إصابة أكثر من 205 فلسطينيين، فيما قالت الشرطة إن 17 من ضباتها أصيب بجروح في المواجهات.

وبعد يومين من الاشتباكات المحدودة في القدس، تجددت المواجهة بقوة في 10 مايو، بعد اقتحام أفراد الشرطة المسجد الأقصى، واعتدائهم على الصحفيين والمسعفين، ما أدى إلى أصابة إصابة أكثر من 300 فلسطيني.

وبعد ظهر اليوم نفسه نشرت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة “حماس” بيانا أمهل إسرائيل حتى السادسة مساء لسحب جنودها من الأقصى وإطلاق سراح المعتقلين، وبعدما تجاهلت القيادة الإسرائلية هذا الإنذار، أطلقت أول رشقات صاروخية من غزة باتجاه إسرائيل.

وردت إسرائيل بقصف عشرات بل ومئات الأهداف في غزة، لكن التحدي بالنسبة لها لم يقتصر على صواريخ الفصائل الفلسطينية، بل تمثل أيضا في خروج آلاف المواطنين العرب في شوارع المدن المختلطة تضامنا مع غزة والقدس، ما أدى إلى مواجهات عنيفة مع المواطنين اليهود هناك وحدوث ما يشبه “حرب أهلية” مع فقدان الشرطة السيطرة على الموقف في بعض المناطق.

بعد 11 يوما من القصف المتبادل وجهود الوساطة الحثيثة، وافق الطرفان على وقف إطلاق نار وأعلن كل منهما أنه هو “المنتصر” في الحرب.

الجانب الفلسطيني

وقال عضو المكتب السياسي لحركة “حماس” خليل الحية خلال مظاهرات احتفالية بغزة: “حق لنا أن نفرح، رغم الألم، والجراح، والبيوت المدمرة، والشهداء.. مقاومتنا الراشدة المنتصرة وشعبنا الموحد يعلنون النصر على عدونا”.

من جهته، قال الأمين العام لحركة “الجهاد الإسلامي” زياد النخالة “إن هذا الدم وهذه الملحمة التي سجلها شعبنا هي الخطوة الكبرى باتجاه انتصارنا النهائي على المشروع الصهيوني”، وأضاف: “فرضت المقاومة والشعب الفلسطيني معادلة جديدة في الصراع وخلقنا جميعاً توازن رعب كبير مع العدو”.

وحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد أسفرت الحرب على غزة عن مقتل 232 فلسطينيا، بينهم 65 طفلا، و39 سيدة، و17 مسنا، إضافة إلى إصابة أكثر من 1900 شخص بجروح مختلفة، منها 90 صنفت شديدة الخطورة.

وأفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، بأن الهجمات الإسرائيلية أدت إلى نزوح أكثر من 75 ألف فلسطيني عن مساكنهم، ولجأ منهم 28 ألفا و700 إلى مدارس الوكالة، إما بسبب هدم بيوتهم، أو هربا من القصف، فيما لجأ الآخرون إلى بيوت أقربائهم في مناطق فلسطينية أخرى.

ووفق إحصاءات حكومية، تعرضت 1447 وحدة سكنية في غزة للهدم الكلي بفعل القصف الإسرائيلي، إلى جانب 13 ألف وحدة سكنية أخرى تضررت بشكل جزئي بدرجات متفاوتة..

وهدم الجيش الإسرائيلي، بشكل كلي، 205 منازل وشقق وأبراج سكنية، ومقرات 33 مؤسسة إعلامية، فضلاً عن أضرار بمؤسسات ومكاتب وجمعيات أخرى.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إن 75 مقرا حكوميا ومنشأة عامة تعرضت للقصف الإسرائيلي، تنوعت ما بين مرافق خدماتية، ومقار أمنية وشرطية..

كما تضررت 68 مدرسة، ومرفقا صحيا، وعيادة رعاية أولية، بشكل بليغ وجزئي بفعل القصف الشديد في محيطها، فيما تضررت 490 منشأة زراعية من مزارع حيوانية وحمامات زراعية وآبار وشبكات ري.

وقصف الجيش الإسرائيلي أكثر من 300 منشأة اقتصادية وصناعية وتجارية، وهدم 7 مصانع بشكل كلي، وألحق أضراراً بأكثر من 60 مرفق سياحي.

ولم تسلم بيوت العبادة من العدوان، حيث تعرضت 3 مساجد للهدم الكلي بفعل الاستهداف المباشر، و40 مسجد وكنيسة واحدة بشكل بليغ.

وفي قطاع الطاقة، تضرر 31 محول كهرباء في غزة بفعل الهجمات الإسرائيلية، وتعرضت 9 خطوط رئيسية للقطع.

وبينت الإحصائيات الحكومية تضرر 454 سيارة ووسيلة نقل بشكل كامل، أو بأضرار بليغة. كما تضررت شبكات 16 شركة اتصالات وإنترنت بفعل القصف الإسرائيلي.

وأوضح “الإعلام الحكومي” أن تلك الأضرار هي تقديرات أولية للخسائر، لعدم الانتهاء من حصر كافة المنشآت والبنى التحتية المتضررة، ولصعوبة الوصول لبعض المناطق جراء القتال.

الجانب الإسرائيلي

لم تصدر عن السلطات الإسرائيلية تقارير تفصيلية حول الأضرار التي لحقت بالبلاد خلال حرب 11 يوما مع غزة أو جراء الاشتباكات في شوارع المدن المختلطة.

وحسب البيانات الرسمية، فقد وصلت حصيلة الضحايا على الجانب الإسرائيلي إلى 12 قتيلا و335 جريحا.

وقال الجيش الإسرائيلي أن أكثر من 4300 صاروخ أطلق على إسرائيل خلال المواجهة الأخيرة، وتمكنت القبة الحديدية من اعتراض 90{dd6ac4e94045eac4f8f9aace8cea690184c32c8e57a2256faefd65b98058e921} منها.

وأعلن الجيش أنه قصف أكثر من 1700 هدف فوق وتحت الأرض في غزة، ودمر حوالي 100 كيلومتر من شبكة الأنفاق التابعة لحركة “حماس” في غزة، مضيفا أن حوالي 200 من نشطاء “حماس”، بمن فيهم  25 قياديا رفيعو المستوى، تم قتلهم جراء الضربات.

كما قال الجيش الإسرائيلي أنه وجه “ضربة قوية” لمنظومات الانتاج والتطوير التابعة للفصائل الفلسطينية، ودمر عددا كبيرا من راجمات الصواريخ المتعددة ومنصات لإطلاق الصواريخ.

واعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس إن الجيش وقوات الأمن الإسرائيلية الأخرى “قد حققوا إنجازات عسكرية غير مسبوقة في قوتها ودقتها وأهميتها الاستراتيجية” خلال عملية “حارس الأسوار”.

لكن نتائج الحرب أثارت جدلا كبيرا داخل إسرائيل، حيث وصف أحد رموز المعسكر اليميني عضو الكنيست ايتمار بن غفير موافقة الحكومة على الهدنة بأنها “بصقة بوجه أهالي الجنوب”.

من جانبه، انتقد رئيس حزب ” تكفاه حدشاه ” جدعون ساعر تصرف الحكومة الاسرائيلية وقال:” وقف قتال حماس من طرف أحادي الجانب هو مس خطيربالردع الإسرائيلي تجاه حماس وغيرها”. وأضاف “وقف العمليات العسكرية الاسرائيلية بدون فرض أية تقييدات على تعاظم قوة وتسليح حماس وبدون إعادة الجنود والمواطنين الأسرى في غزة هو خطأ سياسي سندفع ثمنه في المستقبل”.

قال زعيم حزب “هناك مستقبل” والمرشح المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة يائير لابيد، إن القيادة السياسية الحالية للبلاد فشلت في التعامل مع التصعيد الأخير حول غزة.

وحتى داخل حزب “الليكود” نفسه ظهرت مخاوف من أن زعيم الحزب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حاول إطالة أمد التصعيد حول قطاع غزة لاعتبارات سياسية ضيقة.

ويرى بعض المراقبين الإسرائيليين أن الرابحين الحقيقيين في الحرب الأخيرة هم “حماس” ونتنياهو، لأن تلك الحرب عززت إلى درجة مريحة موقع نتنياهو في سدة رئاسة الحكومة، على الأقل في المستقبل القريب، أما “حماس”، فرغم أنها لم تسجل نقاط كبيرة على المستوى التكتيكي عبر إطلاق صواريخها، إلا أنها “نجحت بشكل يفوق حتى توقعاتها الذاتية على المستوى الاستراتيجي”.

وأوضح مقال نشرته صحيفة” تايمز أو إسرائيل” أن تحرك “حماس” دفع إلى “فتح جبهات جديدة في الصراع، تمثلت بإطلاق صواريخ من لبنان وحتى بضع الصواريخ من سوريا، إضافة إلى اندلاع أعمال شغب في الضفة الغربية”.

وأضاف المقال أن “حماس” تمكنت من كسب المعركة الإعلامية ضد إسرائيل، كما أنها حققت هدفها غير المعلن والمتمثل في إضعاف حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية، حسب المقال.

ومهما تباينت التقييمات الأولية لنتائج التصعيد الأخير حول غزة، فإنه يظهر بوضوح شيئا واحدا، هو أن القيادة الإسرائيلية لا تزال تفتقد الرؤية الاستراتيجية للتعامل مع قطاع غزة، وإن كانت صواريخ “حماس” غير قادرة على إزالة إسرائيل، فإن صواريخ إسرائيل غير قادرة على تصفية القضية الفلسطينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى