الرئيسيةمقالات

رحيله نعمة وبقاؤه نقمة

سمير جبّور \تورونتو \

بغض النظر عن نتائج الأنتخابات الأميركية النهائية ,ورغم ان جميع المؤشرات تدل على فوز بايدين, فان العالم لا يزال يحبس انفاسه منتظرا انقشاع السحابة السوداء ليتنفس الصعداء بعد ان يزول هذا الكابوس الذي بقي يؤرّق راحة الملايين من البشر في أميركا وفي العالم الواسع أربع سنوات عجاف . من المرجح ان يذهب ترامب ويتجدد الأمل في ان يشهد العالم عصرا جديدا يعيد للشعب الأميركي كرامته ودوره الطليعي لبلده كدولة عظمى ,ولشعوب الأرض ثقتها بهذا الدور. ونحن لا نراهن على احد حتى الأن.

من هو ترامب هذا الذي دوّخ العالم ببهلونياته وشطحاته؟ ولا يعرف احد كيف دخل البيت الأبيض وباية كفاءات دخل!

دونالد ترامب الرئيس ال 45 للولايات المتحدة عمره 74 سنة ولد في كوينز(أحد اقاليم مدينة نيويورك) ومؤخرا غير مكان اقامته فانتقل من مانهتن الى بالم بيتش في فلوريدا. في السابق كان يقدم برنامجا عقاريا في مدينة نيويورك اذ كان يعمل متعهدا عقاريا وجمع أموالا طائلة . ولم يتنافس على اي وظيفة سياسية او عامة الا انه خاض حملته االرئاسية في سنة 2016 من دون اية مؤهلات تخوله قيادة هذه الدولة العظمى. فهو لم يكن عضو كونغرس بل انزله على البيت الأبيض( “بمظلة الهية”) الإنجيليون الصهيونيون اودعاة الصهيونية المسيحية المتجددة وهم جماعة من المسيحيين المنحدرين غالباً من الكنائس البروتستانتية الأصولية والتي تؤمن بأن قيام دولة إسرائيل عام 1948 كان ضرورة حتمية لأنها تتمم نبؤات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وتشكل المقدمة لمجيء المسيح الثاني إلى الأرض كملكٍ منتصر. يعتقد الصهاينة المسيحيون أنه من واجبهم الدفاع عن الشعب اليهودي بشكل عام وعن الدولة العبرية بشكل خاص، “ويعارضون أي نقد أو معارضة لإسرائيل خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يشكّلون جزءاً من اللوبي المؤيد لإسرائيل . ويؤمن هؤلاء المسيحيون الصهاينة المضللون المبرمَجون ان لليهود حقا مقدسا في الارض المقدسة (فلسطين) على اعتبار ان الصهيونيين هم شعب الله المختار وحقهم الديني في فلسطين”.

ما هي السمات الرئيسية التي تتصف بها شخصية هذا الرئيس المفبرك؟

قد اثبت ترامب عبر تصريحاته البهلوانية ومواقفه المتقلبة ونزواته الشخصية غير المتزنة انه شخصية نرجسية شعبوية استبدادية عنصرية متهور وسريع الأنقياد .انه دكتاتوري متغطرس ومتعجرف وهو مخادع ومتلون . وهو لا يتردد في اللجوء الى الكذب والتمويه.وهو شخصية لا يرعوي في التسبب في الشقاق والخلاف والتحريض ويؤثر التحزب والكذب على السياسة واصولها . وترامب شخص يعتمد على غرائزه ونزواته وقراراته تتميز بالرعونة وألإندفاع والغرور, وهو ينتهج اسلوب التنمر والعنجهية , ويعتمد على الفظاظة في مخاطبة خصومه من دون اية لياقة سياسية او دبلوماسية. ويطلق الألقاب والصفات البذيئة على كل من ينتقده.((Nasty .انه مصاب بالغرور ويعتقد انه قادر على كل شيْ وعلى تقرير مصائر الشعوب . ويعتبر نفسه فوق القانون. اذ صرح مرة “انني استطيع أن اقف في وسط Fifth Avenue واطلق النار على اي شخص من دون ان أخسر صوتا واحدا , أوكي؟.” ( كاو بوي).

وقد وصفته صحيفة “ذا اتلانتيك” في عددها الصادر خلال شهر اكتوبر / تشرين الأول انه “ديماغوغ (غوغائي) ويؤمن برهاب الأجانب ومنحاز جنسيا( ضد النساء) وهو لا يعرف شيئا وكاذب” . واضافت الصحيفة ان ترامب “يعرب عن إعجابه بالحكام المستبدين وهونفسه يبرهن على ميول استبدادية” للتغطية على ضعفه. كما نلاحظ انه سهل الإثارة وعدو الحوار القائم على الحقيقة ;وهو جاهل بالدستور وغير مكترث له ويظهر انه لا يقرأ” وهو ” لايتغير”.

ووصفه نوعم شومسكي العالم اللغوي بأنه “أسوأ من الزعيمين النازي، أدولف هتلر، والشيوعي، جوزف ستالين”.

جعل فوزه في انتخابات 2016 منه أول رئيس أمريكي يتولى الرئاسة دون سابق خبرة سياسية أو عسكرية وهو ينهج نهجا شعبويا يمينيا على غرار اليمين المتطرف . “وكان صعود نجمه جزءا من موجة شعبوية تمتد من بريطانيا بقرارها الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى البرازيل حيث تم انتخاب جاير بولسونارو الزعيم القادم من أقصى اليمين”. وهو نسخة طبق الأصل عن ترامب.

قالت مجلة “إيكونوميست” في افتتاحيتها إن المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن يجب أن يكون الفائز في الانتخابات الأمريكية. والسبب هو أن الرئيس الحالي دونالد ترامب دنّس القيم التي جعلت أمريكا منارة العالم.

واما على صعيد سلوكه الشخصي فانه يسمح لنفسه توجيه ألإهانات لمن يخالفه في الراي على سبيل المثال يتهم الأطباء الذين يضحون بأنفسهم في سبيل انقاذ الملايين الذين تسبب في تعرضهم للجائحة اتهمهم ,بالجهل . ويوجه الإهانات الى مدير منظمة الصحة العالمية لانه خالفه في الرأي بالنسبة الى وباء كورونا.

والمعروف عن ترامب انه كان يلاحق النساء للتحرش بهن جنسيا. إذ اتهم عدد من النساء ترامب بالاعتداء عليهن رغم انه نفى هو هذه الاتهامات كلها. وكان ترامب قد تباهى في تسجيل صوتي عام 2005 نشر في 2016 بأن بإمكانه التحرش بالنساء دون أن يُعاقب على ذلك بصفته نجم مشهور.

واعترف محاميه الخاص مايكل كوهين بصحة اتهامات تتعلق بأموال دفعها قبل انتخابات 2016 لإمرأتين لشراء سكوتهما الأولى ممثلة أفلام إباحية والثانية من عارضات مجلة بلاي بوي. وقالت الاثنتان إنهما كانت لهما لقاءات جنسية قبل سنوات مع ترامب.

يرى تشومسكي أن “التهديد الكبير” للوجود البشري بأي شكل متعارف عليه هو الكارثة البيئيّة.. الا ان ترامب جعل الولايات المتحدة تنسحب من اتفاقيّة باريس (للمناخ)، وترفض القيام بأي تحرّكات من الممكن أن تساعد الدول الفقيرة للتعامل مع هذه المشكلة. ويتساءل شومسكي: “هل يمكن التفكير بأي شخص في تاريخ البشريّة كرّس جهوده لتقويض احتمالات البقاء البشري المنظّم على الأرض؟”.ووصف تشومسكي ترامب بأنه “أسوأ مجرم في التاريخ”،واضاف ان”ستالين كان وحشًا.. لكن هل حاول تدمير الحياة البشريّة المنظمة على الأرض؟”، “نعم، كان يحاول تدمير حياة كثيرين، لكن ليس الحياة البشريّة المنّظمة على الأرض”.

وتعتبر “إيكونوميست” أن ترامب “يؤثر التحزب والكذب على السياسة، خذ مثلا كوفيد-19 فقد كان لدى ترامب فرصة لتوحيد البلد حول رد منظم وجيد على الفيروس. وكان هذا كافيا لفوزه في ولاية ثانية كما فعل قادة آخرون. ولكنه تعامل مع حكام الولايات الديمقراطيين كمنافسين أو كبش فداء. وكمّم وقلل من أهمية المؤسسات الطبية الأمريكية التي لا يوجد لها مثيل في العالم، مثل مركز التحكم بالأمراض”.

لقد رفع شعارات متناقضة وغير متماسكة . فعلى سبيل المثال رفع شعار “اميركا قوية” وفي الوقت نفسه يحرض فئات الشعب الأميركا يعضها ضد بعض وينشر تصريحاته العنصرية . .

كلما كنت أتابع تصريحات ترامبٍ غير ألمنضبطة والعشوائية كنت أتساءل : هل يعقل ان يكون رئيس اكبر دولة عظمى بهذه الصفات ؟ اية غشاوة اصابت الشعب الأميركي العظيم.؟ هل فقد هذا الشعب البوصلة وضل الطريق؟ وهل اصبحت الحركة الصهيونية تملك عصا سحرية لتدخل البيت الأبيض رئيسا مأجورا لها؟

قرارات رعناء

لقد وقعّ اوامر تنفيذية بصورة عشوائية وارتجالية دون ان يدرس عواقب تلك الأوامر وما ستجره على مصالح الولايات المتحدة وعلاقاتها الدولية من كوارث ونتائج خطيرة وما ستسببه من حالة فوضى وارتباك .مثل “الجدار مع المكسيك، وقضايا إلغاء ضمان الرئيس أوباما الصحي (أوباماكير)، وإلغاء الاتفاق النووي مع إيران التي يعطيها (ترامب) أولوية واضحة، وحظر دخول مواطني سبع دول بأغلبية إسلامية الى الولايات المتحدة..

دونالد ترامب منذ أن اعلن ترشيحه لمنصب سيد البيت الأبيض وبعد تربعه على كرسي الرئاسة كان ولا يزال يطلق تصريحات غوغائية تنم عن عدم دراية بالسياسة ولا بالعلاقات الدولية ولا باللياقة الدبلوماسية . كما انه يفتقر الى بعد نظر ازاء الوضع الأميركي الداخلي وسياسة أميركا الخارجية . فجميع مواقفه وتصريحاته رعناء غير مدروسة وتنم عن تناقضات جلّية . فعلى سبيل المثال ، كيف يمكن بناء امير كا قوية وفي الوقت نفسه ينشر الفرقة بين مختلف فئات الشعب الأميركي بين اليمين واليسار ، النساء والمسلمين والمكسيكيين الخ. من سيحل مكان اليد العاملة المكسيكية الرخيصة التي يقوم عليها المجمّع ألإقتصادي العسكري ؟ ماذا تستفيد أميركا من إلغاء اتفاقية التجارة لأميركا الشمالية (نفتا).

ويضيق المجال هنا لعرض ما الحقه هذا المأجور “الصهيوني” بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والحقوق العربية ابتداء من نقل السفارة الأميركية الى القدس وإلإعتراف بها عاصمة ابدية لأسرائيل واغلاق السفارة الفلسطينية وقطع الدعم عن الأنروا والأعتراف بإحتلال اسرائيل لهضبة الجدولان . وأراد تصفية حقوق الشعب الفلسطيني بواسطة ما اطلق عليه “صفقة القرن” المشؤومة …الخ

إرث بغيض

ترامب يهزمه “جو النائم” (ماذا لو كان صاحيا) أو بالأحرى اغلبية الشعب الأميركي ,وهو يرحل عن المكتب البيضاوي مخلفا وراءه ارثا ثقيلا ليس من السهل التخلص منه ,وسوف يحتاج خليفته الى جهود جبارة لإنتشال الشعب الأميركي من هذا المستنقع السبخ. ليس من السهل التخلص من الإرث الذي خلفه ترامب بعد أربعة أعوام من حكمه. إذ ” بات البلد أكثرانقساما وغضبا وتحزبا” وأقل انضباط وتماسكا إذ زرع بذور الفتن التي كادت ان تؤدي الى حرب اهلية في ظل الوباء الرهيب الذي يلتهم الحياة اليومية الأميركية على الصعيدين البشري والإقتصادي والأخلاقي.، وتم تسجيل مئات الألاف من الوفيات في خضم المشاحنات والتحلل من المسؤولية والأكاذيب..

سيرحل وسيخلّف وراءه بلدا مقسما وديموقراطية مشروخة , وهي ديموقراطية مصادرة في الأصل. سيرحل ويخلف وراءه انقسامات خطيرة في الشرق الأوسط وفوضى ناجمة عن القاء بعض الدول العربية في أحضان الصهيونية . على كل حال , اميركا حاليا غير اميركا سابقا والعلاقات الدولية تشهد انعطافات خطيرة. وألأمل ان يأخذ خليفته العبر ويفك اسر هذه الدولة العظمى من اللوبيات والقوى الخارجية التي

تصادر قراراتها المصيرية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى