أدب

خاطرة: كونتا كنتي …

دلال عيسى \ميسيساجا \

يعتبر المشهد التمثيلي الذي جمع الفنان (فؤاد المهندس) بالفنانة سناء يونس ( فوزية) والفنان محمد أبو الحسن (حنفي) في مسرحية
(سُك على بناتك) من المشاهد الكوميدية الظريفة العصيّة على النسيان في ذاكرة المشاهد العربي .
في المشهد .. تقف (فوزية) و(حنفي) على المسرح يتوسطهما الفنان ( فؤاد المهندس) والد ( فوزية) .
توجه(فوزية) كلامها بلهجة ساخرة (لحنفي) قائلة : شوف يا ضنايا (كونتا كنتي)هنا .. ينفجر الجمهور في موجة عالية من الضحك لمجرد سماعه (كونتا كنتي)..
تكمل(فوزية):كونتا كنتي أخته الكبيرة كانت عايزاني !!
ليؤيدها فؤاد المهندس صائحاً: على يديّ … يُكمل :
كونتا كان قاعد هنا..وكنتي قاعد هنا..وهي قاعدة هنا
وهي على نغمة واحدة .. ماخدوش يابابا .. ماخدوش يابابا .. ماخدوش يابابا ..(كونتا كنتي) اللي جاي من آخر بلاد العالم فوزية رفضته … رفضت مين ؟!
كونتا كنتي!!بتقولوا مين يا ولاد؟! كونتا كنتي !!!

في الحقيقة لا أعلم لماذا إختار صنّاع المسرحية اسم (كونتا كنتي) بهدف إثارة الضحك في صفوف المشاهدين ، لعلهم وجدوا في الاسم ما يثير الشهيّة للضحك !!!
وهل يا ترى كان الجمهور ليبكي بنفس القدر الذي ضحك به لو علم قصة(كونتا كنتي)الحقيقية ؟!
بداية الحكاية تعود إلى عام ١٧٥٠ حيث وُلد
(كونتا كنتي) لأبوين مسلميْن في قرية(جوفور) في غامبيا الإفريقية ، نشأ هناك وسمع الكثير من الحكايات عن الرجل الأبيض الذي كان في ذلك الوقت يعد الخطر الأكبر الذي يهدد أمن وسلامة سكان القرى الإقريقية الآمنة .
في سن السابعة عشر وبينما كان ( كونتا كنتي) في أحد الأدغال يجمع بعض الأخشاب التي يحتاجها لصنع طبلة له، يتعرض للضرب والخطف من قِبل البِيِض، ولم يكن ذلك ليكون ممكناً لولا مساعدة ضعاف النفوس من أبناء جلدته ، يفيق (كونتا) من غيبوبته بعد ذلك ليجد نفسه عارياً ومكبلاً بالسلاسل والأغلال ومقتاداً مع آخرين إلى سطح سفينة تقف على الساحل الإفريقي ليكون ذلك وداع(كونتا كنتي) الاخير
لبلدته غامبيا.
لن تُسعفني المفردات ولا الكلمات لوصف تفاصيل عذابات الرحلة والآمها ،ولن يسعني المقام هنا لذكرجميع أهوالها ،بل ولن يسعني المقام أيضاً لسرد حكاية كونتا كنتي كاملة وبالتفصيل !!!
أثناء الرحلة لاقى ثلث ركاب السفينة حتفهم من شدة التعذيب وانتشار الامراض وسوء التغذية ، أما البقية
فقد مرت عليهم شهور بطول سنين كان الموت فيها بالنسبة لهم مطلباً يُرتجى !!!
بِيع (كونتا كنتي) بمجرد وصوله للسواحل الأمريكية ،
حاول (كونتا) الهرب عدة مرات ليتم القبض عليه في كل مرة من قبل رجال مخصصون لمطاردة الأفارقة ،
وفي محاولته الأخيرة ، تم الامساك به وربطه الى جذع شجرة ليقوم مطاردوه بقطع قدمه بفأس !!!
تمر أعوام طويلة ييأس فيها( كونتا كنتي) من العودة إلى بلدته غامبيا .
في سن متأخرة تزوج (كونتا كنتي)من طاهية سيدهِ (بيل) ليرزق منها بطفلته الوحيدة التي ما فتأ يوماً إلا وقصّ عليها حكايات بطعم الحرّية عن قريته (جوفور) التي وُلد فيها حرّاً كطير صغير يحلق في الفضاء الرحب ،وعن إسمه الافريقي الذي أخذه عن جده، وعن جذوره الإفريقية الراسخة هناك ، وعن حلم العودة الذي لم ينسهُ يوماً قط !!!

مهلاً عزيزي القاريء … قبل البدء بكيل السباب والشتائم وإتهام الرجل الأبيض بالوحشية والهمجية والعنصرية لنقف هنا هنيهة ولنسأل أنفسنا :
هل كان بمقدور الرجل الأبيض القادم من ما وراء البحار والذي يجهل جغرافية أفريقيا ومسالكها والطرق المؤدية إلى أدغالها وقُراها القيام بعمليات الخطف للسكان وبيعهم كرقيق لولا مساعدة من هانت عليهم أوطانهم … فخانوها ؟!
ومن سوّلت لهم أنفسهم بالغدر … فباعوا إخوتهم بثمن بخس في أسواق النخاسة العالمية ؟!
أعداء الأوطان الحقيقيّون ليسوا من خارجه …
أعداء الوطن الحقيقيّون هم أبناؤه ممن ماتت ضمائرهم وسيَّرتهم أهوائهم ورغباتهم فكانت مصالحهم فوق مصلحةالوطن ومن يسكن الوطن !!
ولكن ، على ما يبدو أن النفس البشرية تميل وترتاح وتستكين بالتسليم بنظرية المؤامرة الخارجية وإلقاء اللوم دوماً على أيّ آخر تجدهُ لتحميله مسؤولية كل ما يجري داخل الأوطان !!!
يقول المناضل والثائر تشي جيفارا :
اﻷوطان لا تموت من ويلات الحروب إنما من خيانة أبنائها !!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى