أدبالرئيسية

خاطرة: الثبات

راوية وادي  \ تورونتو \

لطالما ارتبطت الأشياءُالمدورة ُ.. ابتداءً من الكرةِ الأرضية ِ الى كرة ِالأطفال ِالمطاطية ِفي ذهني بالحركةِ و التغيير، و اعتقدتُ .. و ربما لا زلت أنها حقيقةٌ كونية .التغييرُ يرتبطُ بكلِ ما هو حي، و الثباتُ يرتبطُ بالجمادِ .. حقيقة أخرى. و لكن كلما مرت الأيام ُ .. و هي متحركةٌ متغيرة و لكنا نلبسها صفة ُِالأحياء، و نلومها على صروف الأحداث، و نزول ِالنوائبِ، و قسوة ِ و وطأةِ المحن …. فهل الأيامُ جماد ٌأم حي .. أم استعارةٌ مكنية لما نفشلُ نحن ككائناتٍ حيةٍ في تحمل ِمسؤوليتهِ من نتائجِ أفعالنا؟ و كما ينطبقُ الحال ُعلى حركةِ الليلِ و النهارِ و اختلافِ الفصولِ و الطقس ِ و ربطها الدائمِ بتغيرِ مزاجنا، و تهورِ انفعالاتنا … كما لو كانوا كائناتٍ حية. هذه الفكرُالتي تسكنُ و تستقرُ في يقيينا الساكن ِفي الصدور ِ …هل هي ثابتةٌ أم متغيرة؟ أعتقدُ جازمة ًأن الفكرةَ نفسها … على معنوية كينونتها غير ثابتة و متحركة و متغيرة مع وعينا الذي ينمو و يكبرُ و يتسعُ مع المعرفةِ و الخبرة، فالثبات الفكري غير وارد في حياة المرء منا

هل الثباتُُ و التغيير نقيضان ؟ … أم متلازمتان و ضرورة للبقاء؟ إن كان التغييرَ ضرورةٌ للتكييفِ و التعايش … فهل الثبات يعني الجمودُ و التخلفُ و العزلة؟و إن كان الثباتُ يعني الدوام ُو القوةُ … فهل التغييرُ يعني الزوالَ و الإنحرافَ و فقدانَ الهوية؟ هل الفكرةُ نفسها لا معيار لها أم أنه من الضرورةِ اللازمةِ الفرضِ .. أن تكونَ الفكرةُ نفسها تحتملُ التغييرَ تبعاً للزمانِ و المكانِ و الظروفِ المحيطة بها؟

كل ُهذه الفِكرُ و الأسئلةُ راودتني بعدَ أن اشتريتُ شتلتين من الرياحيين، و تكادان تكونان متطابقتين في الشكلِ و الطولِ و اللونِ بدونِ أيّ فرقٍ يذكر، و زرعتها في اصيصٍ كبيرٍ، ووضعتهما في فناءِ المنزلِ حيثُ النورُ الوافر. لم يمضِ عشرةُ أيامٍ .. حتي انسابت احداهم طولاً ، و بدأت البراعمُ الملونةُ بالبني و البنفسجي تزاحمُ بعضها ، و نمت على مشارف تلك البراعمِ شعيراتٍ بيضاءَ خفيفةٍ .. تهتزُ كلما هبَ عليها النسيم. و لا زالت الرياحنةُ الثانيةُ تنمو ببطءٍ شديدٍ، و قد نمت فيها بضعُ ورقاتٍ جديدةٍ لا غير. حدثت نفسي أن الوقتَ ليسَ كافياً لأحكمَ على النبتتين .. راقبتهما من حينٍ لحين و بعد أسبوعٍ آخر … كانت النيتةُ الأولي تتهادي طولاً ، و تهتزُ تنثرُ عبيرها ، و قد سكرتْ من نشوى الزهو و الجمالِ، و النحلُ يغازلها ذهاباً و اياباً … و لكن النبتةَ الثانيةَ لا زالت تراوحُ على حالها .. إلا من بضعِ ورقاتٍ جديدة. أحسست بالشفقةِ عليها و قلت لنفسي: هذه النبتةُ … ربما كانت مظلومة .. ربما اتجاهها نحوَ الضوءِ أقلَ من أختها، فقررتُ تغييرِ اتجاهِ الإصيص بحيث تأخذُ كلٌ من النبتتينِ مكانَ الأخرى.

مضى اسبوع ٌ، و تفقدتُ الإصيص فلاحظتُ أن النبتةَ الأولي لم تعدْ تكبرُ، و لكنها لا زالت خضراءَ و جميلة، وأن النبتةَ الثانيةَ … أيضاً لم تتغير و لم ينبت ْلها ورقٌ جديدٌ و لا زهرُ. طغت على عقلي فكرةُ العدل ِ و الظلم ِ و مقاييسي التي حكمت ُبها و مصداقيةِ معاييري في التعاملِ مع النبتتين؟ هل كان من العدل ِ أن أغييرَ مكانَ نبتةٍ جميلةٍ، و تنمو بسرعة ٍ و حيويةٍ … لأجلِ نبتةٍ كسولة ، و قد ظننتُ أنها مظلومة؟ هل من العدلِ تغييرُ من نشكُ في ثباتهِ على حالهِ …. لتغييرهُ … لما نعتقدُ أنه أجملَ و أفضل. أسئلةٌ بسيطةٌ … تراودني كلما تفكرتُ في أشياء صغيرةٍ و جميلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى