أدبالرئيسية

خاطرة: أزمة أخلاق …

دلال عيسى \ ميسيساجا \

من منّا لم يحلم بالعيش في المدينة الفاضلة …
تلك المدينة التي حَلُم بها أفلاطون … فجعلها أقرب للكمال …
مدينة نقيّة … تُعنى ببناء الإنسان قبل العمران …
مدينة أخلاق ومُثل … يحكمها الحكماء والفلاسفة …
بلا أحقاد ولا أضغان …
دعائمها المحبة ، الأخوّة ، الحق ، العدل والمساواة ..
تخيّلتها (أنا) مدينة نورانيّة …حُلّة سكانها البياض … هيئتهم أقرب للملائكيّة … وأخلاقهم تميل للمثالية …
تتخايل الورود فيها بعلياء .. ويتراقص الزهرُ بحُبّ في الممرات وعلى جَنَبات الطرقات …
فراشاتها من نور … وتغريدات طيورها نغمات ناعمة تَحْسبُها أصوات قادمة من السماء …
وكبُرت …
ولم أجد العالم بمثاليّة المدينة الفاضلة ولا البشر بنُبْل أخلاق سكانها، ولكنّني -و على الرغم من ذلك- أَعدّ نفسي من القلّةالقليلة المحظوظة، لإنتمائي إلى ما يسمى بجيل الطيبين ، ذلك الجيل الذي أدرك بعضاً من تلك الفضائل ،حين كانالمجتمع آنذاك يعزف منظومة متناغمة من القيم والأخلاق ليصبّها صبّاً في نفوس أبنائه ، مساهماً في بناء تكوين الفردالداخلي وتشكيل نسيجه الأخلاقي ليكون على ما هو عليه اليوم .
فكان المعلّم القدوة والمربّي الفاضل الذي يعمل جاهداً على غرس الفضائل في نفوس تلامذته ،
في زمنٍ كانت فيه التربية قبل التعليم …
والجار المُسنّ الذي كان يجمع أطفال الحيّ في حلقة كبيرة أمام باب بيته ليقصَّ عليهم نوادر جحا وحماره ، وطرائفأشعب وشرهِهِ ،وقصة علي بابا والأربعين حرامي، ففي كل قصة تكمن قيمة … وهناك خُلق جميل يختبئ وراء كل كلمة …
وصاحب الدكان النبيل الذي كان يعطف على فقراء الحيّ ليرسخ في النفوس معنى التكافل والتراحم ،
حتى الافلام الكارتونية والدراما التلفزيونية في ذلك الوقت تجاوزت المعنى الترفيهي لها فعملت على ترسيخ القيموتشكيل وجدان جيل بأكمله .
اليوم …
ومع كل هذا التطور والتقدم الهائل الذي يشهده العالم إلا أنه يعاني من أزمة أخلاقية وقيميّة حقيقية ، وإنحداراً سلوكياً مندفعاً بقوة نحو الهاوية …
يكفي متابعة نقاشات المعلِّقين على وسائل التواصل الاجتماعي لتكتشف ذلك بنفسك !!!
حيث يتحول أي نقاش فيها إلى تبادل التهم بالعمالة والتخوين مصحوباً بالسُباب والشتائم بأقبح الألفاظ وقذفللأعراض قد يصل إلى سابع جدّة !!!
تنبّه أفلاطون منذ القدم إلى أهمية الأخلاق في تقدم الأمم ورفعتها فنادى أولاً إلى بناء الإنسان في مدينته …
ثم جاءت الديانات لتتمّم ما وُجِد قبلها من مكارم الأخلاق …
بُنيت حضارات وانهارت أخرى … لتبقى الأخلاق
على مرّ الأزمان المعيار الحقيقي الذي تُقاس فيه عُمر الأمم ومدة بقائها !!!
يبدو أن بعض الأحلام خُلقت لتبقى أحلاماً …
فبعد مرور آلاف السنين …
لا زال حلم المدينة الفاضلة أسيرَ كتب الفلاسفة
ويبقى الأمل … رغم قتامة الصورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى