أدبالرئيسية

خاطرة: أربعون …

دلال عيسى \ ميسيساجا \

لطالما تساءلت ما السرّ الكامن وراء عَظَمَة الرقم أربعين ؟!
ألأنه ذُكر في كتب العهد القديم من مزامير داود وأسفار موسى والأناجيل المختلفة والقرآن ؟!
أم لأنه سن الوعي والنضج لدى الإنسان وبلوغ العقل تمام الإدراك والكمال ؟!
أم يا ترُى وراء هذا الرقم العتيد ..صاحب الهيبة والكرامات أسراراً وخبايا لم يُفصح عنها لليوم ؟!
ما سرّ قوّته ؟! ولماذا تخشاه النساء وتهابه بل ويعتبرنه عدوّهن الأول اللّدود ؟!
ما إن تبلغ إحداهن الأربعين (وأنا منهن) حتى تتوقف عجلة الزمان لديهن .. فتصبح السنة الواحدة بعد ذلك بعشرِ سنين مما تعدّون !!!
في طفولتي كان يقع في نفسي شيء من الخوف والوجل المهيب لدى سماعي بأن فلان من الناس قد عاش إلى أن بلغ الأربعين من العمر !!!
كنت أراه رقماً مستحيلاً يصعب الوصول إليه، فهناك كمّ هائل من السنين لا زال يفصلني عنه !!!
وقتئذٍ رسمت صورة في مخيلتي لمن هم في سن الأربعين …
النساء .. وجوه مجعدة ومكرمشة .. تتدلّى من على جانبي الرأس ضفيرتين طويلتين بشعر أشيب خفيف .. فم مبتسم وخالٍ تماماً من الأسنان !!
ينطبق عليهن المصطلح العامي(رِجلها والقبر) !! يرتدين ملابس الصلاة البيضاء والسبحة لا تفارق أيديهن ولسانهن ما يفتأ أن يلهج بذكر الله وحمده ولا يفارقن سجادة الصلاة إلا لقضاء الحاجة والنوم !!!
أمّا الرجال ، وما أدراك ما الرجال !!!
فشيوخ أجلّاء يتمتعون بالحصافة والرزانة والإتزان !!!
تجري الحكمة على ألسنتهم وتشعّ من لِحِاهم ومضات من النور والايمان !!!


ومضت سنوات العمر سريعاً .. وكبُرت دون أن أنتبه ..
لأجد أن الرقم أربعون ليس مستحيلاً ولا بعيداً كما توهمّت !!
وأنّ من هم في سن الأربعين ليسوا شيوخاً ولا عجائز !!
حينها أدركت أن سن الأربعون هو سن الحصاد وجني ثمار كل ما تم زرعه فيما مضى من سنوات العمر .
يبدو أن الرقم أربعون كان ملهماً للكاتب والروائي (إحسان عبد القدوس) فكتب قصة قصيرة لطيفة تدور حول هذا الرقم الأصيل …
القصة بإختصار …
بطل القصة رجل أربعيني أراد أن يرتاح ويُمتّع نفسه بعد رحلة عمل وكفاح طويلة استطاع فيها تأمين بيت وسيارة وما يكفيه للعيش لحياة كريمة … كان لدى الرجل ابن عشريني لا يكُف عن السخرية من والده ؟!
فهو بنظره رجل عجوز لا يحق له أن يتمتع فيما تبقى له من العمر !!!
لماذا تريد الذهاب الى ذلك المكان الذي لا يناسب سنك ؟ أنت عجوز قد جاوزت الأربعين ؟!
ما الذي ترتديه ؟! لا تنسى … أنت عجوز قد جاوزت الأربعين ؟!
ماذا تأكل ؟! هذا لا يناسبك فقد تجاوزت الأربعين؟!
غضب الوالد وقرر قطع المصروف عن ابنه والكف عن مساعدته مادياً … ليبدأ الابن العشريني رحلة صعبة وشاقة من الجدّ والعمل المتواصل .
بعد سنين طويلة من العمل المُضني ، بدأ الابن بعدها يحصد ثمار تعبه …
يقف الابن في ساحة بيته متأملاً ما حوله …
ليكتشف انه تزوج عندما شارف على الأربعين !!
اشترى سيارته في سن الأربعين !!
اشترى منزل الأحلام وقد أصبح أربعون !!
ليستفيق من دهشته ويهمهم لنفسه قائلاً :
إيييييه … حقاً ، الحياة تبدأ بعد الأربعين !!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى